أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*)

من القلب إلى كل القلوب: سرُّ الزهراء عليها السلام


سماحة السيد حسن نصر الله


عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "إن الله تعالى اختار من النساء أربعاً: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة" (1)، وقال: "أما ابنتي فاطمة فهي سيدة العالمين من الأولين والآخرين" (2).

إنّ النبي صلى الله عليه وآله يقدّم، على مدى التاريخ وإلى قيام الساعة، السيّدات اللواتي لهن المرتبة المتقدِّمة في الاصطفاء والاجتباء الإلهي، بمعزل عمّن هي المتقدِّمة من بينهن. لقد حدَّد النبي صلى الله عليه وآله أنَّ السيّدات هنّ: مريم، آسية، خديجة وفاطمة عليهنَّ السلام، وما يلفتنا في هذه الشخصيات الأربع بعض الملاحظات المهمة:


* الملاحظة الأولى: التوصيف
إنَّ هذه السيّدات هنّ نماذج من مواقع مختلفة، فالسيّدة خديجة عليها السلام زوجة نبي، وآسية زوجة طاغية، ومريم أمّ نبي، وفاطمة بنت نبي، فعندنا الأم، الابنة، الزوجة بالإضافة إلى زوجة أشدّ طغاة عصره فرعون الذي كان يدّعي الربوبية. فالمقام والدرجة والموقع الذي وصلت إليه هذه السيدات الجليلات لا يرتبط لا بعلاقة السببية "الزوجية" ولا بعلاقة النسب بالنبي، وإلا فماذا نقول عن آسية التي هي زوجة طاغية وقد وصلت إلى هذا المقام؟ إذاً، ليس كون المرأة زوجةَ نبي هو السبب في وصولها إلى هذا المقام، إذ يمكن أن تكون المرأة زوجة نبي ويكون مقامها أو موقعها في مكان آخر كزوجة نوح عليه السلام، وزوجة لوط عليه السلام اللتين ورد ذكرهما في القرآن وضُربتا كمثلٍ للذين كفروا.

* الملاحظة الثانية: العمر
فالسيدة خديجة عليها السلام ليست صغيرة ولا كبيرة في السن، كما تقول بعض الروايات، كذلك زوجة فرعون، ولكن عند الحديث عن السيدة فاطمة والسيّدة مريم عليها السلام نتحدث عن أعمار فتية تتراوح بين الـ 18 و21 عاماً على أبعد تقدير. وبمعزل عن السنوات التي عاشتها السيّدة مريم عليها السلام فإن ما هو معلوم أن الاصطفاء الإلهي لها كان في صباها أيضاً السيّدة الزهراء عليها السلام كان عمرها لا يتجاوز على أعلى تقدير العشرين أو الواحد والعشرين عاماً. إذاً، فالسن ليس لها علاقة بالمقام الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان، فيمكن لشابة في مقتبل العمر وفي زهرة الشباب أن تصبح سيّدة نساء العالمين.

الملاحظة الثالثة: شدّة البلاء

عندما يذكر القرآن الكريم، وكذلك الروايات والأحاديث، هذه السيّدات، يتضح عِظم الابتلاء وشدّة الاختبار الذي تعرّضن له في حياتهن، يقول الله تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (الكهف: 7). فعندما يتحدث الله تعالى عن الهدف المباشر لهذه الحياة الدنيا، يتحدث عن الابتلاء والاختبار، وهو ما نجده بوضوح في حياة هذه السيّدات الجليلات. هذه الملاحظة شدّة البلاء تجمع هذه السيّدات، فالسيّدة آسية تصل إلى مرحلةٍ تقول فيها في دعائها ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ (التحريم: 11)، فرعون الذي يقول ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى (النازعات: 24)، فيما زوجته مؤمنة. كم هي حياتها صعبة وقاسية. أما السيّدة مريم عليها السلام، فبلاؤها مختلف، ذلك أن أصعب شيء في الحياة يمكن أن تتحمله المرأة هو الجوع والعطش أو الأذى. المرأة المؤمنة الطاهرة النقية تتحمل ذلك. أما أن تُتَّهم في عرضها وأن يُقال في حقّها بهتان عظيم كما حصل وقال اليهود في مريم عليها السلام ويتم السعي لإسقاطها من امرأةٍ مقدّسةٍ في نظر مجتمعها إلى صاحبة تلك الاتهامات القاسية والظالمة، فهذا أقسى شيء يمكن أن يتحمله قلب امرأة. ولكن السيدّة مريم عليها السلام تحمّلت هذا كله في عين الله وسبيله ورضاه سبحانه وتعالى. السيّدة خديجة عليها السلام المرأة الغنية المقتدرة المحترمة تحمّلت في سبيل الله تعالى صعوبات العيش والحصار والسجن في البيت، وأنفقت كل مالها، وتعرّضت حياتها للخطر وللصعوبات من أجل الله جلّ وعلا.

السيّدة الزهراء عليها السلام مرّ عليها أصعب المحن وهي في الحقيقة من أصعب المحن التي مرّت، ليس فقط على قلب السيّدة الزهراء عليها السلام، بل أيضاً على قلب أمير المؤمنين عليه السلام وقلوب المؤمنين والمؤمنات، وهي حادثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ورحيله عن هذه الدنيا وما جرى بعد وفاته صلى الله عليه وآله هذه المرحلة من أشدّ المراحل صعوبةً وقسوةً، سواء على المستوى العاطفي أو على المستوى النفسي والمعنوي أو على مستوى تحديد مصير ومآل الأمة الإسلامية وإنجازات رسول الله صلى الله عليه وآله. 

السيّدة الزهراء عليها السلام، طبعاً، كانت حياتها كلها عطاءً وجهاداً وعبادةً وتضحية، ولكن هذا المقطع من حياتها الشريفة كان مقطعاً خاصّاً، حيث عرّضت وجودها الشريف للخطر في هذا الموقع وانتهت هذه "الحركة الفاطميّة" إن صحّ التعبير إلى الشهادة. إذاً، نجد أن الابتلاء موجود. وهذه السيّدات وصلن إلى ما وصلن إليه لأنهن تعرّضن لامتحاناتٍ شديدةٍ وقاسيةٍ جداً، تهتز فيها الجبال. ففيها الصبر، الإرادة، العزم، التحمل، الرضا، التسليم والقبول.

* نصرة ولي الله
كما نجد أن عنصر السيّدات كان حاضراً في نصرة ولي الله، هنا يأتي بحث الولاية. والامتحان الحقيقي كان في قصّة آسية عليها السلام التي ناصرت موسى عليه السلام. كانت تعطي المعلومات من قلب القصر لموسى عليه السلام، رعته وهو طفل، وربته صبياً، ودافعت عنه عندما حصلت تلك الحادثة في مصر. لقد كانت تعرّض وجودها للخطر من أجل حمايته. كل ما تعرّضت له، في كل المراحل، إنّما كان في طريق الإيمان بولي الله والدفاع عنه عليه السلام أيضاً. مريم عليها السلام كانت في موقف نصرة ولي الله السيّد المسيح عليه السلام. وفي سبيل رفع شأنه وإثبات معجزته، عرّضت سمعتها وحياتها للخطر. تعرّضت للاتهام والشتم، ولولا المعجزة التي حصلت في حضنها إذ أنطق الله عيسى عليه السلام لكانت بالتأكيد ستتعرّض للقتل وللرجم بالحجارة. إذاً، عرّضت سمعتها وأغلى ما تملكه المرأة في نصرة ولي الله. كذلك فعلت السيّدة خديجة. كل ما فعلته كان في نصرة ولي الله النبيّ محمد صلى الله عليه وآله. كذلك السيّدة الزهراء في قمة العطاء والتحدي والتعرّض للخطر وصولاً إلى الشهادة كانت في نصرة ولي الله علي بن أبي طالب عليه السلام.  بعد هذه الملاحظات الثلاثة يمكن القول: إنّ ما أوصل هذه السيدات إلى هذا المقام ليس هو السبب ولا النسب ولا العمر، بل النجاح في الابتلاءات الصعبة، الفوز وعدم السقوط في وهن النفس وضعفها وشهواتها. هذا الإيمان والعزم والإرادة هو الذي جعل هذه السيدات يتجاوزن كل بلاءات الدنيا رغم صعوباتها وقسوتها في سبيل الله ووصلن إلى هذا المقام. إذاً، هنا الامتحان.

* المعرفة كبداية
عندما نأتي إلى سيرة السيدة الزهراء عليها السلام، إلى علاقتها مع أبيها وأمّها، علاقتها مع زوجها وأولادها، علاقتها مع الناس، سلوكها الشخصي، سلوكها الاجتماعي والسياسي، عبادتها، صومها، صلاتها وإيثارها... إلخ. وإذا أردنا أن نفهم لماذا كانت عليها السلام هكذا في جميع علاقاتها الأسرية والاجتماعية وحتى في الموقف العام، في نُصرة الولاية، لماذا أيضاً كانت عليها السلام هكذا في عبادتها وزهدها وعلوّ مكارم أخلاقها.. هذا كلّه له سبب واحد، ومنشأ واحد؛ إذا أمسكنا بالمفتاح وعرفنا السر يصبح بمقدورنا أن نفهم السيرة، نفهم هذا السلوك وخلفيته، ويصبح بمقدورنا أن نمارس الاقتداء، وتكون عليها السلام لنا قدوة. إذا دخلنا إلى الروح والجوهر نجد أن السرّ هو في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. الذي يريد أن يفهم السيدة الزهراء عليها السلام عليه أن يبدأ من هنا. لا يبدأ بالتفاصيل، لأنها نتائج لهذه العلاقة. عندما نتكلم عن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى نبدأ من المعرفة. أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "أول الدين معرفته"، ولو أن هذه المعرفة إجمالية وعامة. والمعرفة تبدأ في أن أعرف أنَّ الله موجود. وهي طبعاً معرفة متاحة للجميع، فلا نتكلَّم هنا عن أنبياء وأولياء وعرفاء وفلاسفة، لا، هذا أمر متاح لكل موجود وليس فقط للإنسان. فأصل وجود الله أن نعرف هذا الأمر ثم بعد ذلك نأتي إلى صفاته وأسمائه. هذه معرفة في أصلها وبالإجمال متاحة لنا جميعاً، أن نؤمن ونعرف أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له. أنّ الله سبحانه وتعالى عالمٌ بكل شيء يعرف كل شيء. يعلم ما يجري في داخلنا وما يجري في خواطر كل الموجودات. وأن الله سبحانه وتعالى سميعٌ، يسمع شكوانا إذا شكونا، يسمع دعاءنا إذا دعونا، ويسمع كلامنا عندما نتكلم، وبصيرٌ يرى حالنا ووضعنا وأعمالنا وحاضرٌ ناظرٌ لا يخفى عليه شيء، ولا يغيب عنه شيء على الإطلاق. هذا هو الله سبحانه وتعالى، هذه بعض صفاته وأسمائه.

* المعرفة والحبّ والخشية
إذاً، عندما يكون عندنا هذه المعرفة بالله عزّ وجلّ، ولو أنها المعرفة الإجمالية، بوجوده، بصفاته، بأسمائه، فهناك نوعان من الشعور يتولدان عندنا: الحب والرجاء، والخشية والخوف. 

وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة فذلك سيدفعه إلى طلب التقرب من هذا الذي يحبه ويخشاه، يعني من الله عزّ وجلّ.  السيدة الزهراء عليها السلام لديها المعرفة، والمعرفة ولَّدت لديها الحب والخشية اللذين جعلاها تسعى للقرب من الله سبحانه وتعالى عبر ما يحبه الله ويرضاه الطاعة والعبادة والتقوى، وعبر هذا وصلت إلى ذلك المقام العظيم. فالإنسان عندما يصل إلى مرحلة أنه في سبيل بناء وحفظ وتطوير العلاقة مع الله سبحانه وتعالى هو مستعد لأن يتحمّل كلّ أشكال البلاء والمحن والمصائب، هو حاضر لأنْ يقدّم كلّ شيء: أولاده، أمواله، وحتى نفسه يقدمها في سبيل الله عزّ وجلّ فإنّه يبلغ الذروة، وهذه هي الذروة التي وصلت إليها السيدة الزهراء عليها السلام، والذروة التي وصل إليها الإمام الحسين عليه السلام.

* يرضى الله لرضاها
السيدة الزهراء عليها السلام المصداق النسائي الأعلى الذي يمكن أن يشكّل لنا قدوةً وأُسوة، والذي يمكن أن يجسّد أرقى علاقة بين امرأة (سيدة) وبين الله سبحانه وتعالى. لماذا هي في القمة؟ لأنها فاطمة، العارفة بالله عزّ وجلّ، العاشقة لله عزّ وجلّ في قمة العشق، التي تخشى الله في قمة الخشية والعاملة الساعية السالكة العابدة المجاهدة من أجل أن يرضى الله سبحانه وتعالى، فوصلت إلى أن رضي الله عنها وأصبح يرضى لرضاها. أيُّ مقام هذا الذي وصلت إليه هذه السيدة العظيمة والجليلة؟ نتعلم من أهل بيت النبوة ومهبط الملائكة ومعدن العلم، نتعلم منهم ونقتدي بهم. نحن أمام مرحلة في هذه الدنيا نتدرج فيها دائماً من امتحان إلى امتحان ومن ابتلاء إلى ابتلاء، وكلما ترقى الإنسان كلما كان امتحانه أصعب وجهده أكبر.

هكذا حال الدنيا، حتى في اللحظة التي نضع فيها رؤوسنا على فراش الموت نحن في معرض البلاء وفي معرض الامتحان. من لديه إمام كعلي عليه السلام، وقدوة وسيدةٌ كفاطمة عليها السلام لا يجوز أن يقلق أو يخاف، بل يتمسك بهما ويهتدي بنور علمهما، يقتدي بسيرتهما ويواصل الطريق.


(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 43، ص 19.
(2) الخصائص الفاطمية، الشيخ محمد باقر الكجوري، ج 1، ص 172.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع