ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) من القلب إلى كلّ القلوب: القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة

مع الخامنئي: البصيرة كشّاف النور



هذا البحث موجّه إليكم أيها الشباب، لأن الزمان صار زمانكم والعهد عهدكم. ما أريد أن أؤكد عليه في هذا البحث متعلق بمسألة البصيرة. وهذا التأكيد نابع من أنكم أنتم المخاطَبون، أنتم فرسان الميدان والعمل يقع على كاهلكم. ولذا عليكم أن تتوجهوا نحو الأعمال التي تعين وتقوّي البصيرة، عليكم أن تجهدوا لتأمين هذه الحاجة الماسّة. إن البصيرة هي كشّاف النور، وهي البوصلة والدليل إلى القبلة، وفقد البوصلة في الصحراء يعرّض الإنسان لمشقات ومتاعب كثيرة ويسبب الضياع والحيرة.

إنّ البصيرة شرطٌ لازمٌ لتحقيق النجاح الكامل في الحياة، ولكنّها ليست شرطاً كافياً. البصيرة يحصل عليها الإنسان من خلال اختياره للرؤية الكونية وفهمه الأساس للمفاهيم التوحيدية ونظرته التوحيدية إلى عالم الطبيعة.


* النظرة الإسلامية للحياة
إنّ الاعتقاد بوجود إلهٍ عالمٍ وقادرٍ لهذا الكون، يدفعنا للقول بأننا خُلقنا لأجل هدفٍ ولم نخلق عبثاً في هذه الدنيا. وهذا الاعتقاد أيضاً يقود الإنسان ليبحث ويجدّ ليفهم هذا الهدف، عندها يكون هذا البحث بحدّ ذاته جهداً ممدوحاً، وبذلك تصبح كل حياة الإنسان سعياً هادفاً وذات اتجاهٍ محدّدٍ ومعروف. من ناحية أخرى، ومن خلال النظرة التوحيدية، نعرف أنّ كل نوع من السعي والمجاهدة في سبيل الهدف يوصل الإنسان حتماً إلى نتيجة. وبدورها هذه النتائج ذات مراتب، وهي توصل الإنسان يقيناً إلى ما هو مطلوب. وعندها فلا معنى لشيءٍ اسمه اليأس والضياع والاكتئاب في حياة الإنسان. 

عندما تعرفون أن وجودكم وخلقكم وحياتكم وتنفّسكم يرتبط بتحقيق هدف، فستتحركون وراءه، وستبذلون الغالي والنفيس للوصول إليه. إنّ هذا السّعي نفسه له أجر وثواب عند الله تعالى، خالق الوجود. وعندما تصلون إلى أية نقطة فإنكم في الواقع قد وصلتم إلى هدف، لذلك لا وجود للخسارة والضرر في النظرة الإسلامية، كما لا يمكن تصوّرهما بالنسبة للمؤمن.

* النظرة المادية
في النقطة المقابلة تماماً تقع النظرة المادية. تعتبر النظرة المادية أن خلق الإنسان ووجوده في العالم لا هدف له؛ فالإنسان فيها لا يعرف لماذا جاء إلى الدنيا. بالطبع، هو يحدّد لنفسه أهدافاً في الدنيا كأن يصل للمال، أن يصل للحب، أن يصل للمنصب، أن يصل للذّات الجسدية أو اللذات العلمية؛ يمكنه أن يحدّد لنفسه أهدافاً كهذه لكنَّ أياً منها ليس هدفاً طبيعياً ملازماً لوجوده. عندما لا يكون هناك اعتقاد بالله؛ فالأخلاقيات أيضاً تصبح بلا معنى؛ العدالة بلا معنى؛ ولا معنى لشيء سوى اللذة والنفع الشخصي. إن لم يصل للربح، يأتي دور اليأس والانتحار وغيرهما من الأعمال غير المقبولة. هذا هو الفرق بين النظرة التوحيدية والنظرة المادية، بين المعرفة الإلهية والمعرفة المادية. وهذه هي أهم ركائز البصيرة.

عندما يدخل الإنسان في صراع على أساس هذه النظرة، فإن هذا الصراع هو جهد مقدس؛ الصراع يهدف إلى أن تصل كل الإنسانية إلى الخير والكمال والرفاهية والتكامل. بهذه النظرة تكتسب الحياة وجهاً جميلاً، وتصبح الحركة في هذا الميدان الواسع عملاً لذيذاً. يزول تعب الإنسان بذكر الله تعالى وذكر الهدف. لذا يعتبر هذا المرتكز الأساس للمعرفة وللبصيرة. وهذا مستوى من مستويات البصيرة. في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، البصيرة تعني أن يتدبّر الإنسان في الحوادث التي تجري من حوله أو ترتبط به؛ يتدبّر ويسعى كي لا يمرّ على الحوادث مرور الكرام وبشكل سطحي كالعوام؛ وبتعبير الإمام أمير المؤمنين، أن يعتبر: "رحم الله امرءاً تفكّر فاعتبر، واعتبر فأبصر" (1)، أي إنّه يزن المسائل بالتدبُّر. فالنظر الصحيح إلى الحوادث والتدبّر فيها يوجد البصيرة عند الإنسان.  يقول أمير المؤمنين عليه السلام في موضع آخر: "البصير من سمع فتفكّر ونظر فأبصر" (2).

* طاعة الإمام أم حكم القرآن؟
إن أردنا أن نتحلّى بالبصيرة علينا أن نفتح أعيننا ونبصر الأشياء، فإذا عبّرنا عنها بشكلٍ سطحي ولم نلتفت إليها، نكون قد أخطأنا بالطبع. في حرب صفّين مثلاً كان جيش معاوية قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة. الحيلة التي استعملها هذا الجيش للنجاة من الخسارة الحتمية هي رفع المصاحف على الرماح، والتقدّم إلى وسط الميدان؛ بما معناه أن القرآن هو الحاكم بيننا وبينكم فتعالوا نتحاكم إليه ونطبّق ما يقوله القرآن. حسناً، هذا عمل جيد عند العوام. بعض القوم، ممّن عُرفوا فيما بعد باسم الخوارج وشهروا سيوفهم بوجه أمير المؤمنين عليه السلام، كانوا في جيش أمير المؤمنين عليه السلام وشاهدوا المصاحف فوق الرماح، قالوا إنها فكرة جيدة؛ ذلك أن معاوية وأصحابه لا يطلبون أمراً سيئاً؛ بل يقولون: تعالوا إلى القرآن ليحكم بيننا، هنا كانت الخديعة. هؤلاء لم ينظروا، ولم يكونوا يريدون أن يعرفوا الحقيقة، على الرغم من أنّها كانت أمام أعينهم. فهذا الذي يدعوهم للرضى بحكم القرآن هو شخص خرج لقتال الإمام المختار المفترض الطاعة، فكيف يكون معتقداً بالقرآن؟ عدم البصيرة هنا ناشئ عن عدم الدقّة، وعن إغماض العينين أمام حقيقةٍ واضحة.

* كيف نكون أصحاب بصيرة؟
إنّ اكتساب البصيرة ليس بالأمر الصعب، بل هو يحتاج فقط إلى الحدّ الذي لا يكون فيه الإنسان أسيراً للمصائد والشباك المختلفة من الصداقات والعداوات وأهواء النفس والأحكام المسبقة. هذا هو الحدّ الكافي، إضافةً إلى التمعن والنظر أكثر إلى الأمور. وعلى هذا يمكن أن يُفهم أنَّ تحصيل البصيرة هو في متناول الجميع. بعض الناس أحياناً يقعون في الغفلة، دون عنادٍ ودون سوء نيّة. فالمعروف أن الإنسان يحب نفسه كثيراً، لكنّه أحياناً يغفل حتى عن نفسه. أثناء قيادة السيارة مثلاً، لحظة من السهو، أو من غلبة النعاس قد تعقبها خسارة لا تعوّض. العثرات وزلّات الأقدام التي تحصل في هذا المجال لا يمكن عدّها ذنوباً، ولكن إذا استمرّت وتتابعت، فستصبح فقداناً للبصيرة، وستخلّف أحياناً ذنوباً لا تمحى. هناك نقطة أساس أيضاً، وهذا لم يعد مجهولاً بعد الآن، وهي أن الباطل لا يظهر دائماً أمام الإنسان بشكلٍ واضحٍ وجليٍّ ليعرف الإنسان أن هذا هو الباطل؛ غالباً ما ينزل الباطل إلى الميدان بلباس الحق أو بجزءٍ من الحق، لذا على الإنسان أن ينظر ويتفكر.

* البصيرة وعوامل أخرى
قلنا إنّ البصيرة ليست شرطاً كافياً للنجاح. هي شرط لازم، ولكن توجد أيضاً عوامل أخرى؛ إحدها مسألة وجود العزم والإرادة. طبعاً، هناك أسباب أخرى لعدم اتّخاذ القرار المناسب، منها: طلب العافية أحياناً، هوى النفس أو الشهوات أحياناً أخرى، اتباع المصالح الشخصيّة وأحياناً العناد واللجاجة.  والعامل الأصلي لهذا كلّه هو الغفلة عن ذكر الخالق، الغفلة عن الواجب، الغفلة عن الموت، الغفلة عن القيامة. يجب على الشباب المسلم أن يعدّ نفسه؛ أن يجهّز نفسه؛ في طريق التقدّم، أن يتوكل على الله تعالى، أن يستعين بالله، أن يسير إلى الأمام ببصيرة، وعندها فإنه سيجد العدّة والعتاد المناسبين لمواجهة الأساليب الخاطئة الحاكمة والرائجة في الدنيا. وإن شاء الله فإنه سيصل إلى جميع الأهداف والآمال التي حدّدها الإسلام.


(*) مقتطف من خطاب للإمام الخامنئي ألقاه بتاريخ 26 10 2010.
(1) نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج 1، ص 197.
(2) م. س، ج 2، ص 41.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع