ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) من القلب إلى كلّ القلوب: القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة

من القلب إلى كلّ القلوب: القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون


السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)


في كلّ سنة، نحيي ذكرى القادة الشهداء، الشهيد السيد عباس الموسوي، أميننا العام وقائدنا وأستاذنا وحبيبنا وملهمنا، وزوجته العالمة المجاهدة الشهيدة السيدة أم ياسر وطفله الصغير حسين، وسماحة شيخ شهداء المقاومة الإسلامية راغب حرب، والقائد الجهادي الكبير الشهيد الحاج عماد مغنية (رضوان الله عليهم)، الذين هم عنوان ثباتنا وانتصارنا.

* لماذا نحيي ذكراهم كلّ عام؟
عندما نحيي هذه الذكرى نحييها من أجلنا، من أجل أبنائنا وأحفادنا وأجيالنا، وليس من أجلهم هم، بل ليبقى الماضي القريب الذي عشناه وعايشناه، بل شاركنا في صنعه معاً، هذا الماضي القريب المتّصل بالحاضر والمطل على المستقبل؛ ليبقى في وعينا حاضراً بكلّ ظروفه فينا، وليسكن أيضاً ويترسّخ في وعي أبنائنا وأحفادنا والأجيال القادمة؛ حيث:

1- إنّهم مدرسة غنيّة:
لأنّ هذه الحقبة الزمنية، خصوصاً منذ قيام الكيان المحتل في فلسطين الحبيبة عام 1948م، وما حصل بعدها من حروب 67 و73 وأحداث لبنان، والمقاومة التي أعلنها سماحة السيد موسى الصدر (أعاده الله بخير ورفيقيه)، إلى كامب ديفيد، ثمّ انتصار الثورة الإسلامية في إيران -وانتصارها الإلهي والتاريخي المدوّي في مثل هذه الأيّام- إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982م، إلى اليوم من حروب ومواجهات ومؤامرات، هي مرحلة غنيّة جداً، ولا يمكن للأجيال الآتية قراءة حاضرها وتحديّاته بشكل علمي وصحيح بمعزل عن تلك المرحلة كلّها بما تحمل من إخفاقات وانتصارات، وما أنتجته من معادلات وإنجازات، وما فيها من حقائق وأوهام، والتي تفسّر انتظار نصر يصنعه الرجال والنساء بإرادتهم وتصميمهم، بما فيها من معنويات وتضحيات ودموع ودماء وآمال وآلام. هذه الحقبة الزمنية وما فيها تمثّل مدرسة إنسانية وثقافية وجهادية وإيمانية عظيمة لشعبنا وأمتنا. وقد كان هؤلاء القادة الشهداء من أبرز عناوينها وقادتها، وهم شهودها الشهداء.

2- إنّهم قدوة أخلاقية:
نحن بحاجة دائماً وعلى مدار السنة أن نرجع إليهم، إلى السيد عباس، إلى أم ياسر، إلى الشيخ راغب وإلى الحاج عماد، كقدوة وأسوة لنا، نحتاج إلى أن نتعلم منهم الزهد عندما تُقدم الدنيا علينا بجاهها ومالها وترفها، وأن نتعلم منهم التواضع، بل التذلل وخفض الجناح عندما نصبح أقوياء، ونتعلم منهم الشجاعة عندما نواجه الزلازل والأعاصير، ونتعلم منهم الحكمة عندما نقابل الفتن، التي تضيع فيها العقول وتتيه البصائر، ونستلهم منهم الهمّة العالية عندما يتعب من يتعب، والإقدام عندما يتردد المرء حين يجب أن يقدم، ونستلهم منهم التضحية بلا حدود عندما يتطلب الموقف ذلك.

3- منهم نستلهم البصيرة والثقة بالله:
نتعلّم منهم أيضاً أن نثق بالله وبأمتنا وبشعبنا وبأنفسنا وبمجاهدينا، عندما يستيئس الناس وتحيط بهم الشدائد والصعوبات والتحديات من كل جانب، نأخذ منهم الأمل والثقة والبصيرة، كما كان السيد عباس والشيخ راغب والحاج عماد (رضوان الله عليهم)، لا يتحدثون عن رؤية تقول إن إسرائيل ستخرج من الجنوب فقط، بل عن رؤية تقول إنّها ستنتهي من الوجود، في وقت كانوا يحتلّون فيه أرضنا، ويسجنون رجالنا ونساءنا، وكنا في ضعف، وكانوا في قوّة. هكذا نستمد الرؤية والبصيرة والثقّة بالله والأمل.

4- هم أهل الإخلاص وصدق المسؤولية:
والأهم أن نتعلم منهم الإخلاص والصدق، وأن نكون بمستوى مسؤولية الحفاظ على إنجازات الشهداء والمقاومين، ومسؤولية مواجهة تحديات الحاضر الصعبة، ومسؤولية صنع المستقبل العزيز والكريم اللائق بشعبنا ووطننا وأمتنا.

ولذلك نحرص دائماً أن نتحدّث عنهم وعن سيرتهـــــم وسلوكهم وأخلاقهم وأعمالهم، عن جهادهم وتضحياتهم، لنتعلم ويتعلــــــم الأبناء والأحفاد والأجيال. هذا ما يجب أن نحرص عليه مع كل الشهداء، عندما نعرض يومياً وعلى مدار السنة في إعلامنا المقاوم صورهم وأسماءهم ونستعرض سيرهم ووصاياهم؛ لأنهم باتوا يمثّلون بحق مدرسة فكرية وجهادية كاملة، يجب التعريف بها والتعرف عليها.

* منهم من قضى ومنهم من ينتظر
إنّ عنوان الجيل الأول الذي كان السيد عباس والشهيدة أم ياسر والشيخ راغب والحاج عماد (رضوان الله عليهم)، رموزه، ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)، فمنذ أكثر من 33 عاماً وإلى اليوم تقدّم جيل من الشباب من علماء ومجاهدين ورجال ونساء وحملوا المسؤولية، منهم من استشهد، ومنهم من كان له باع طويل في ميادين الجهاد وتحمّل المصاعب والجراح وتوفاه الله بعد معاناة المرض، ومنهم من أُسر وعانى من قيود الاعتقال، ومنهم من جُرح وما زال يكابد جراحه، ومنهم من ما زال يواصل الطريق ويحمل دمَه على كفّه. ومنهم من أورث الأمانة والعهد لأبنائه. هذه خيرات تلك المرحلة.

* أبناء على عهد آبائهم
كان أبناء الجيل الأول أيضاً مساهمين كباراً في صنع الانتصارات. ومن الشواهد على ذلك: حين وقف على هذا المنبر نجل القائد الشهيد عماد مغنية (جهاد) ليبايع ويعاهد ويعلن انتماءه وهويته وخياره بملء إرادته، دون أن يلزمه أحد بذلك، كان يستطيع أن يكمل دراسته الجامعية فمستقبله أمامه والدنيا كلّها أمامه، ولكن ابن الحاج عماد، الذي يحمل في جنباته روحيّة أبيه ومعرفته وعشقه، ابتعد عن هذا كله وذهب إلى الجولان، إلى القنيطرة، إلى هناك، ليُختم له بالشهادة. هكذا الشهداء من أبناء الشهداء. لقد أحيت دماء الشهيد جهاد مغنية وإخوانه في القنيطرة -بقوّة- ذكرى شهادة القائد الحاج عماد مغنية، أحيته من جديد، نحن شعرنا بهذا الإحساس الوجداني المعنوي الأخلاقي، وشعر الناس بذلك أيضاً. شهادة الابن أعادت هذا القائد الفذّ والألمعي التاريخي إلى صدارة الأحداث من جديد، وأكدت أن ذكره ما زال الأعلى، وأن حضوره ما زال الأقوى في وجدان الصديق والعدو الذي ما زال يطارده دم عماد مغنية وسيبقى(1).

* للقادة مزايا خاصّة
يطول الحديث عن المزايا الشخصية لكلٍّ من قادتنا الشهداء، وإنصافاً، لكلٍّ منهم مزايا شخصية راقية، لقد كانوا أشخاصاً استثنائيين في أكثر من اتجاه وفي أكثر من بُعد. سأذكر بعض المزايا المشتركة بينهم في هذه المناسبة:

1- القادة الشهداء مؤسّسون:
إنّ من المزايا المشتركة لهؤلاء الشهداء القادة أنّهم مؤسّسون لهذه المقاومة، ولهذه المسيرة، في حزب الله، ومن الأوائل الذين ساهموا وشاركوا وعملوا على تشييد هذا البنيان الكبير العظيم، الذي كان لله عزَّ وجلَّ، وأُسِّس على التقوى من اليوم الأوّل، ولذلك كان ينمو ويكبر وينتصر ويحقّق الإنجازات حتّى الآن.

2- تثبيت منهج حزب الله وفكره:
من المزايا المشتركة بينهم أنّ لهم تأثيراً كبيراً جداً في تثبيت أسس وقواعد وأصول ومباني وثقافة وعقلية هذه المقاومة، وبتعبير آخر يُعدّ كلّ منهم "جامع منهج". فقد كان لهم فضلٌ كبير إلى جانب الكثير من الإخوة الأحياء الذين لا نُغفل فضلهم، ولكن نتحدّث عادة عن فضائل الشهداء، أما الأحياء فيترك أمرهم إلى ما بعد. هذه الثلّة من القادة الحقيقيّين استطاعت أن تثبّت هذا المنهج، الذي ما زالت تلتزم به المقاومة، وستبقى ملتزمة به. هذا أحد الأسباب المهمّة لثبات هذه المسيرة، ولثبات مسارها، وسيرها، ومواقفها، لثبات تحالفاتها أيضاً، ورؤيتها، وأخيراً لثبات استراتيجياتها.

ومن السنن والقوانين الإلهية الحاكمة في التاريخ وفي المجتمعات البشرية، أن من لا يملك أصولاً وأسساً وثوابت يؤسس عليها رؤيته وحركته ومساره وخطابه، تصبح حاله كالهمج الرعاع، الذين ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح.

3- إرادة لا تعرف الهزيمة:
ببركة القادة الشهداء، بتضحياتهم وحياتهم وأقوالهم وأفعالهم وجهادهم ومقاومتهم ودمائهم وشهادتهم، ترسّخت أسس وقواعد صلبة وثابتة في هذه المقاومة، ولذلك وجدتم أنّ هذه المقاومة بعد أكثر من ثلاثين عاماً على انطلاقتها، هي مقاومة قويّة ثابتة، على درجة عالية من اليقين، وعنوانها الإرادة التي لا تعرف الهزيمة. هذا هو عنوان المقاومة التي أسّسها هؤلاء القادة، وثبّتوا منهاجها وقواعدها ومبانيها.

وبناء على ما تم تثبيته ببركة تضحيات عدّة، بتنا ننطلق في كلّ المسائل والقرارات المصيريّة من رؤية ثابتة، وليس من أمزجتنا، بحيث نتخذ المواقف بحسب الانفعال أو المزاج العام، فإذا خاصَمَنا حليف "نزعل" ونكسر التحالف، وعندما نرضى نجدده معه. فنهجنا ثابت، فلا من أمزجتنا ولا من انفعالاتنا ولا من عواطفنا ولا من مصالحنا الشخصية ولا من مصالحنا الفئوية ننطلق، وإنّما تحضر أمامنا المصلحة الكبرى دائماً، مصلحة الأمة والناس الذين ندافع عن كرامتهم وعن عزّتهم وعن سيادتهم واستقلالهم، فنحن جزءٌ منهم(2).


1- كلمة سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله) في ذكرى القادة الشهداء، في: 16-2-2015م.
2- من كلمة لسماحته (حفظه الله)، في ذكرى القادة الشهداء في: 16-2-2012م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع