خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

قراءة في كتاب: الثقافة والإمبريالية

زينب الطحان



ما زلت أذكر كيف حمل الراحل المفكِّر الفلسطيني- الأميركي إدوارد سعيد حجراً عند بوابة فاطمة، بعد التحرير، ورشق الإسرائيلي بفخر واعتزاز قائلا أن "حزب الله اللبناني قد حقَّق له هذه الأمنية الغالية على قلبه قبل أن يدركه الموت". وهو الذي كان يعاني من مرض اللوكيميا منذ سنوات. وكتبت الصحف اللبنانية والعربية عن لقائه الذي جمعه مع سماحة الأمين العام السيد حسن نصر الله، مركزا حواره معه حول المقاومة التي حقَّقت ما عجزت عنه الأنظمة العربية.

* إدوارد ينقلب إلى عروبته
ولد إدوارد سعيد في القدس العام 1935 لعائلة فلسطينية مسيحية. بدأ دراسته في الإسكندرية بمصر، ثم سافر إلى الولايات المتَّحدة بصفته طالباً، وحصل على درجة البكالوريوس ثم الماجستير والدكتوراه. بالإضافة إلى كونه ناقدًا أدبيًا مرموقًا، فإنَّ اهتماماته السياسية والمعرفيَّة متعدِّدة تتمحور حول الدفاع عن شرعية الهوّية الفلسطينية، وعن العلاقة بين القوَّة والهيمنة الثقافية الغربية من ناحية، وتشكيل رؤية الناس للعالم وللقضايا من ناحية أخرى. ويوضح إدوارد سعيد هذه المسألة بأمثلة عديدة وبتفاصيل تاريخية في مسألة الصهيونية، وترعرعها في الغرب، ويشرح كيف أنَّ الإعلام الغربي والخبراء وصنّاع السياسة الغربية والإمبريالية الثقافية الغربية تتضافر كلها لتحقيق مصالح غربية غير عادلة في نهاية المطاف، وذلك عن طريق إيجاد خطاب غربي منحاز ثقافيًا إلى الغرب ومصالحه. ولأن الثقافة الانجليزية كانت الغالب على تربيته كان عليه في نهاية الثلاثين من عمره أن يستعيد هويته العربية قبل أن تفلت منه نهائياً. إدوارد سعيد، فلسطيني بدون فلسطين، عربي خواجة، مسيحي بروتستانتي، أمريكي الجنسية، من قبل أن يرى أمريكا، "لا أستمدّ منها أية قوَّة بل تورثني الخجل والانزعاج.."، حتّى إنَّه في لحظة تعنيف المعلِّمة الأمريكية له في الصف، تملَّكه شعور أنَّ كل من في الصف من الأولاد الأمريكيين يحدِّقون إليه.

* الثقافة الغربية والفكر الامبريالي
كتب العديد من النقَّاد والمفكِّرين عن كتاب "الثقافة والإمبريالية" لهذا المفكِّر الألمعي وجمعيهم أعلوا من شأنه إلى مستوى تمّ اعتباره أنَّه عظيم في مداه ورحالة أفقه وعلمه، وأنَّه يعد الجزء الثاني من كتاب "الاستشراق".لكن هذا الكتاب ليس مجرد حلقة تالية لـ "الاستشراق" بل يهدف إلى دراسة أشكال ثقافية من إنتاج الإمبراطوريات الغربية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين كالرواية، التي يعتقد كاتبنا أنَّها كانت عظيمة الأهمية في صياغة وجهات النظر والإشارات والتجارب الإمبريالية. وهو لا يعني بذلك التركيز المحوري أنَّ الرواية وحدها كانت هامة بل يعدها المشروع الجمالي الذي تمثِّل علاقته بالمجتمعات المتوسِّعة في بريطانيا وفرنسا ظاهرة شيَّقة بصورة خاصة للدراسة. والنموذج الأول للرواية الحديثة الواقعية يجده سعيد في ربونسون كروزو التي تدور "بعيداً عن المصادفة" حول أوروبي يخلق لنفسه إقطاعية على جزيرة غير أوروبية نائية.  "الثقافة والإمبريالية" كتاب يكشف زيف الثقافة الغربية التي ادَّعت طوال قرون عمقها الإنساني والحضاري، بينما هي في الحقيقة كانت عملية شائكة ومترابطة إلى أبعد الحدود مع الفكر الإمبريالي للاستعمار عبر التاريخ الغربي خاصة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويرى إدوارد سعيد أنَّه إذا كانت المعركة الرئيسية في العملية الإمبريالية قد دارت طبعاً من أجل الأرض والثروات لكن حين آل الأمر إلى مسألة من كان يمتلك الأرض ويملك حق استيطانها والعمل عليها ومن استعادها ومن يرسم الآن مستقبلها فإنَّ هذه القضايا قد انعكست ودار حولها الجدال بل حسمت أيضاً لزمن ما في السرد الروائي.

* ثقافة الامبريالية
يرصد إدوارد سعيد، على مدى فصول أربعة، بأسلوبه الذي يشكِّل علامة فارقة لحضوره النقدي المتوهِّج في العالم، بلغته المتفجرة وكلماته ذات الحقول الدلالية الهائلة، ثقافة الإمبريالية "المتفِّوقة" بأبعادها وتجلياتها وإبداعاتها المرعبة القبيحة. والثقافة بهذا المعنى هي مسرح من نمطٍ ما تشتبك عليه قضايا سياسية وعقائدية متعددة متباينة، إنَّها قد تكون ساحة عراك فوقها تعرض القضايا نفسها لضوء النهار وتتنازع فيما بينها كاشفة، مثلاً حقيقة أنَّ الطلبة الأمريكيين أو الفرنسيين الذين يُلقنون أو يقرءوا آداب أوطانهم المكرسة قبل أن يقرءوا آداب الآخرين، يتوقَّع منهم أن ينتموا بولاء فيما يزدرون الآخرين أو يحاربونهم. يؤكِّد سعيد، في الفصل الثاني، رؤيته أنَّ الرواية الغربية والإمبريالية حصّنا أحدهما الأخر بحيث بات من الصعب الفصل بينهما في أيِّ بحث نقدي ومنهجي وذلك لأنَّ الرواية في أوروبا ارتبطت بشكل وثيق بالطبقة البرجوازية. فالرواية الإنجليزية في القرن التاسع عشر تؤكِّد على الوجود المستمر " نقيض الانقلاب الثوري " لإنجلترا وعلاوة على ذلك فإنَّها لا تدعو أبدا للتخلي عن المستعمرات بل نراها تمارس دورا استعلائيا بجدارة ممتازة في الادِّعاء بأنَّ رجال الإمبراطورية وثقافة الإمبراطورية هي الأمل الوحيد أمام الأصحاب الأصليين للمستعمرات. وكان كبار مثقَّفيهم يعبِّر بطريقة أو بأخرى بأن انجلترا ينبغي لها أن تحكم العالم لأنها الأفضل والأنبل.  كان لوجهات النظر الإمبريالية مدى واسع وسلطة لكن كانت لها أيضا قوة إبداعية عظيمة وهي المقدرة على إنتاج صور فكرية وجمالية مستقلة ذاتيا استغلالا غربيا. فلقد ولّدت الإمبريالية الأوربية معارضة أوربية مثل الدعاة لإلغاء قوانين الرقّ وهي حركات فردية وكان هناك بالمقابل حركة مناصرة للإمبريالية شكلها مجموعة كبيرة من الكتاب والمثقفين. ولكن من المهم أن نلتفت إلى أنَّ إدوارد سعيد لا يتهم هذه النصوص الثقافية، التي أُفرزت في ظل الإمبريالية وعقلية التوسع، ولكنَّه يؤكد في المقابل أنَّه لم يكن ممكنا للتوسع أن يحدث ويؤدِّي إلى كل هذه النتائج المذهلة من عقود طويلة من الاستعمار والاحتلال لولا وجود القوة، القوة العسكرية والاقتصادية والسياسة والثقافية الكافية. برزت أهمية الكتاب في قدرته على الخروج عن فضاء الإخضاع والهيمنة التي تفرضها سطوة القوى. والأمر لا يتعلق بتورخة أو السقوط في دوامة البحث عن السلاسل الزمنية الملازمة للنتاج الإبداعي والروائي الصادر عن الوسيط الثقافي الإمبريالي، بل التطلع هنا يبرز من خلال توجيه الرؤية نحو الاتساع في الوعي التاريخي، باعتبار البحث عن دور الفعل الثقافي في صناعة التاريخ. ولا يتوقَّف الأمر عند تحديد هذه العلاقة بل يتخطاه نحو البحث في دالة التفاعل، مع الفاعل الثقافي بوصفه مكافئاً للفاعل السياسي والاقتصادي في تصنيع وتهذيب وتشذيب الظاهرة الإمبريالية. وعليه فإنَّ عمدة الكتاب تقوم على الوقوف على الثقافة بوصفها فاعلاً رئيساً في حفز الفعل التاريخي داخل المنظمة الإمبريالية، التي قيِّض لها أن تبسط حضورها على الواقع بكلِّ قوَّة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع