رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

قيمٌ جهاديّةٌ في دعاء أهل الثغور

الشيخ أبو صالح عباس


تشكّل أدعية المعصومين عليهم السلام خريطة معرفيّة تشتمل على أدب العلاقة بالله تعالى، ومعاني العشق والشوق، وتُبرز جوانب الفقر والاحتياج التي ينطلق منها العبد نحو بارئه المتعال، كما تبرز القيم والمفاهيم في سلّم الأولويّات الحياتيّة.
وفي هذا السياق، يأتي دعاء أهل الثغور، مشتملاً على الكثير من المعاني التي تبثّ روحاً متّصلةً بالله تعالى في (الجانب العسكريّ من الجهاد، وغيرها) جوانب جهاديّة متعدّدة، سيُشار إلى بعضها في هذا المقال.


* ولله العزّة
لا يتحقّق نصرٌ دون جهاد وجهد، فلا حصاد دون زرع، وفي ذلك يقول الإمام السجاد عليه السلام: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ(1) الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ... وَكَثِّرْ عِدَّتَهُمْ، وَاشْحَذْ (2) أَسْلِحَتَهُمْ...".

والدعاء، مضافاً إلى طلب المدد من الله تعالى، يطرح ضرورة تحصين وحراسة الثغور من هجوم العدوّ، بعزِّ الله الذي يُعبّر عن طاعته تعالى، باعتبارها العزّ الذي لا يذلّ، كما يدلّ على وجوب إعداد العدّة، بتكثيرها، وشحذ السلاح، وتعزيز الحماية بالحضور والجهوزيّة في المحارس والثغور.

* الوحدة
يرشد الإمام السجّاد عليه السلام إلى أعظم أسباب القوّة: التكاتف، واجتماع القلوب، بقوله عليه السلام: "وَأَلِّفْ جَمْعَهُمْ...".

* حسن التدبير
يقول عليه السلام: "وَدَبِّرْ أَمْرَهُمْ، وَوَاتِرْ(3) بَيْنَ مِيَرِهِمْ(4)". فإنّ التصرّف الحكيم على مستوى توفير المُؤن، وضمان استمرارها، وقربها من المجاهدين، مع رعاية مقدار الحاجة والكفاية، من حسن التدبير؛ لكي لا يُصاب الجنود بما يُضعفهم عن البأس في القتال، وهو قوله عليه السلام: "وَتَوَحَّدْ بِكِفَايَةِ مُؤَنِهِمْ".

* النصر بالصبر
قرن الله تعالى في كتابه العزيز الغلبة بالصبر، ودلّ على أنّه سبب لكسر موازين القوى، وترجيح كفّة الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، بقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال: 65). ومن هنا، يكون الصبر مقدّمةً للظفر. وقد عدّ الإمام السجّاد عليه السلام الصبر إعانةً إلهيّة للمجاهدين على عدوّهم، فقال: "وَاعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ، وَأَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ".

* التعلّق بالآخرة
لأنّ الجهاد باب خاصّة الأولياء، يعبُر المجاهد من خلاله دنيا التراب إلى عالم الرُّوح، كان لا بدّ له من توثيق علاقته بالآخرة، بما يشعل في قلبه نار الشوق إلى جوار الله، بدافع الحبّ العميق، وهو ما ينقذه من الوقوع في شرك الدنيا، والاغترار بها، كي لا يضعف عند لقاء العدوّ، أو يَهِنَ كلّما ادلهمّت الخطوب، واصطكّت الأسنّة. فالارتباط بالآخرة يزيده بِشراً بقرب اللّقاء، وتحقّق الوصال، فلا يرى القتال مانعاً عن دنياه التي يحبّ، فيدعو الإمام السجّاد عليه السلام ربّه قائلاً: "... وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدَّاعَةِ الْغَرُورِ، وَامْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَرَاتِ الْمَالِ الْفَتُونِ"، ولن يتحقّق ذلك ما لم يصدِّق المجاهد بأنّ ما عند الله خير وأبقى. وفي هذا يقول الإمام عليه السلام: "وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَلَوِّحْ مِنْهَا لِأَبْصَارِهِمْ مَا أَعْدَدْتَ فِيهَا مِنْ مَسَاكِنِ الْخُلْدِ"، فيثبت المجاهد ويشتدّ بأسه، "حَتَّى لَا يَهُمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِدْبَارِ، وَلَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ عَنْ قِرْنِهِ(5) بِفِرَارٍ".

* ثمرة الجهاد: التفرّغ للعبادة
إذا اتّصف المؤمنون بهذه الصفات، فسيسود عزّ الإسلام، وستُتاح فرصة التفرّغ للعبادة، كغاية مُثلى للجهاد؛ "اللَّهُمَّ وَقَوِّ بِذَلِكَ مِحَالَّ أَهْلِ الْإِسْلامِ، وَحَصِّنْ بِهِ دِيَارَهُمْ، وَثَمِّرْ بِهِ أَمْوَالَهُمْ، وَفَرِّغْهُمْ عَنْ مُحَارَبَتِهِمْ لِعِبَادَتِكَ، وَعَنْ مُنَابَذَتِهِمْ لِلْخَلْوَةِ بِكَ حَتَّى لَا يُعْبَدَ فِي بِقَاعِ الأَرْضِ غَيْرُكَ، وَلَا تُعَفَّرَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْهَةٌ دُونَكَ". فالهدف من الجهاد ليس القتال، بل الدعوة إلى الدين وإزالة ما يمنع وصوله إلى الناس أجمعين. ولهذا، ينفر المؤمنون للجهاد في سبيل الله، ولإعلاء كلمته، ولمثله يدعو الإمام عليه السلام قائلاً: "فَلَقِّهِ الْيُسْرَ، وَهَيِّئْ لَهُ الْأَمْرَ، وَتَوَلَّهُ بِالنُّجْحِ، وَتَخَيَّرْ لَهُ الْأَصْحَابَ، وَاسْتَقْوِ لَهُ الظَّهْرَ...".

* صفات المجاهد وسلوكيّاته
1- حسن النيّة: يحتاج المجاهد إلى نيّة خالصة، منزّهة عن شوائب الدنيا، وأغراضها المتنوّعة؛ إذ كلّما خلصت النيّة، اشتدت شجاعته، وعظم بأسه. ولعلّه لهذه النكتة، ورد دعاؤه عليه السلام للمجاهد بالعافية، والسلامة، والجرأة، والإعفاء من الجبن، في سياق التفضل والتسديد الإلهيين، حيث يقول عليه السلام: "وَأْثُرْ لَهُ حُسْنَ النِّيَّةِ، وَتَوَلَّهُ بِالْعَافِيَةِ، وَأَصْحِبْهُ السَّلامَةَ، وَأَعْفِهِ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَلْهِمْهُ الْجُرْأَةَ، وَارْزُقْهُ الشِّدَّةَ".

2- تحصيل الخبرة: مضافاً إلى ضرورة تحّلي المجاهد بالخبرة اللّازمة، بدوام التأهيل والتطوير لزيادة المعرفة، وتطوير المهارات المتنوعة. يقول الإمام عليه السلام: "وَأَيِّدْهُ بِالنُّصْرَةِ، وَعَلِّمْهُ السِّيَرَ وَالسُّنَنَ..."؛ أي علِّمهم سِيَر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في حروبهم وسياساتهم وإرشاداتهم، وطريقة تعاملهم مع عدوّهم.

3- الحذر من الرياء والسمعة: قد يغدو القتال، ومصاولة الرجال مظنّة للتفاخر، وضياع الإخلاص أحياناً. لذا، يقول عليه السلام: "وَاعْزِلْ عَنْهُ الرِّيَاءَ، وَخَلِّصْهُ مِنَ السُّمْعَةِ".

4- محوريّة الله: بأن يجعل المجاهد حركاته، وسكناته، وأقواله وأفعاله، كلّها لله تعالى. وفي هذا يقول عليه السلام: "وَاجْعَلْ فِكْرَهُ وَذِكْرَهُ وَظَعْنَهُ(6)، وَإِقَامَتَهُ، فِيكَ وَلَكَ"، فيكون الله هو محور حركته كلّها.

* خاتمة الشهادة
الشهادة طموح المجاهدين، وأقصى مرادهم، وأحلى أمانيّهم، ولكنّهم يهذّبون أنفسهم على الذوبان في مشيئة الله تعالى، بحيث يقدّمون مشروع الدين على مشروعهم الخاصّ، فيقاتلون بشدّة، ولا يرضون حتّى تأمن أطراف المسلمين، وتتصدّع جبهة الكفر والنفاق. وهذا الاتّجاه يستفاد من قوله عليه السلام: "فَإِنْ خَتَمْتَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ، وَقَضَيْتَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ فَبَعْدَ أَنْ يَجْتَاحَ عَدُوَّكَ بِالْقَتْلِ، وَبَعْدَ أَنْ يَجْهَدَ بِهِمُ الْأَسْرُ، وَبَعْدَ أَنْ تَأْمَنَ أَطْرَافُ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ عَدُوُّكَ مُدْبِرِينَ...".

* مسؤوليّة المجتمع المقاوم
تقع على الأمّة مسؤوليّة شرعيّة وأخلاقيّة تجاه المجاهدين، والقيام بها له أثر كبير في بناء خطوط الدفاع الخلفيّة التي تساهم في رفع روح المجاهد المعنويّة، من خلال شعوره بالأمان حيال عائلته، بأنّها لن تضيع بعده. يقول الإمام عليه السلام: "اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ خَلَفَ غَازِياً أَوْ مُرَابِطاً فِي دَارِهِ، أَوْ تَعَهَّدَ خَالِفِيهِ فِي غَيْبَتِهِ، أَوْ أَعَانَهُ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ أَمَدَّهُ بِعِتَادٍ، أَوْ شَحَذَهُ عَلَى جِهَادٍ، أَوْ أَتْبَعَهُ فِي وَجْهِهِ دَعْوَةً، أَوْ رَعَى لَهُ مِنْ وَرَائِهِ حُرْمَةً، فَآجِرْ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ وَزْناً بِوَزْنٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ، وَعَوِّضْهُ مِنْ فِعْلِهِ عِوَضاً حَاضِراً". واللافت في هذا المقطع، أنّه عليه السلام يبيّن المصاديق متنزّلاً من الرتبة الأعلى؛ كتوفير الحاجة والكفاية من مأكل وملبس ومال... إلى الأدنى؛ كالدعاء للمجاهد، وهو بذلك يدعو المجتمع إلى أن لا يألو جهداً في الاهتمام بمعنويّات المجاهدين، ورعاية شؤونهم الحياتيّة.

* نيّة المرء خير من عمله
يفتح الإمام السجاد عليه السلام في خاتمة دعائه باباً لأصحاب النفوس اليقظة، الذين يهمّهم أمر الإسلام، ويحزنهم تداعي أهل الباطل عليهم، فأرادوا الجهاد، ولكن حالت دون إرادتهم الحوائل. وهذا الباب هو مشاركة المجاهد في الثواب والمنزلة، فيقول عليه السلام: "اللَّهُمَّ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَهَمَّه أَمْرُ الإِسْلَامِ، وأَحْزَنَه تَحَزُّبُ أَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ فَنَوَى غَزْواً، أَوْ هَمَّ بِجِهَادٍ فَقَعَدَ بِه ضَعْفٌ، أَوْ أَبْطَأَتْ بِه فَاقَةٌ، أَوْ أَخَّرَه عَنْه حَادِثٌ، أَوْ عَرَضَ لَه دُونَ إِرَادَتِه مَانِعٌ، فَاكْتُبِ اسْمَه فِي الْعَابِدِينَ، وأَوْجِبْ لَه ثَوَابَ الْمُجَاهِدِينَ، واجْعَلْه فِي نِظَامِ الشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ".

ونختم بما ختم به الإمام السجاد عليه السلام دعاءه، حيث يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ وآلِ مُحَمَّدٍ، صَلَاةً عَالِيَةً عَلَى الصَّلَوَاتِ، مُشْرِفَةً فَوْقَ التَّحِيَّاتِ (...)، إِنَّكَ الْمَنَّانُ الْحَمِيدُ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْفَعَّالُ لِمَا تُرِيدُ".


1- الثغر: موضع المخافة من أطراف البلدان.
2- شحذت السلاح أي حددت السلاح.
3- المواترة: المتابعة، راجع: حاشية ابن إدريس، (م.س)، ص 207.
4- المير: حركة في جلب الطعام إلى بلده أو أهله.
5- قرنه: المكافئ له.
6- أي خروجه وارتحاله.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع