رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

فضل الجهاد وبركاته


الشيخ محمود عبد الجليل


"الجهاد هو كلّ كفاح من أجل هدفٍ سامٍ مقدّس. والملاك في صدق الجهاد هو أن تكون هذه الحركة موجّهة وتواجه عقبات تنصبُّ الهمم على رفعها، فهذا هو الكفاح، والجهاد هو مثل هذا الكفاح الذي إذا كان ذا منحى وهدف إلهيّ فسيكتسب بذلك طابعاً قدسياً"(1). هكذا يحدّد الإمام الخامنئي دام ظله معنى الجهاد ومعياريّته بهدفه الساميّ، بناءً على نظرة الإسلام إليه. فهو الفريضة التي تعزّ الإسلام والمسلمين، وتتطلّب مقابلها كثيراً من التضحيات. لكن ما هي آثاره وخيراته؟


في هذا المقال سنتعرّف على آثار الجهاد وبركاته في الدنيا وفي الآخرة.

* ليس كلّ قتال جهاداً
ربطت النصوص الإسلاميّة الجهاد بكونه في سبيل الله. ولذا، فإنّ معنى الجهاد مقرونٌ بكونه مشروعاً، فليس كلّ قتال جهاداً، بل لا بدّ ليكون القتال جهاداً أن يكون مشروعاً، ويكون لردع المعتدي ورفع الظلم والدفاع عن المظلومين والمضطهدين ونشر العدل وإزالة الفساد، ولمقاومة المحتلّ والدفاع عن النفس والأوطان، وأن لا يكون لإشباع رغبات دنيئة، أو التشفّي أو تفريغ مشاعر إنسانيّة ذميمة، أو تحقيق مصالح شخصيّة، وإنّما هو للوصول إلى أهداف شرعيّة نبيلة، وتحقيق أهداف إنسانيّة سامية وعظيمة، حدّدها الشارع المقدّس، ونصبها أمام القائمين به، ومعه يسمو "بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان"(2)، لتكون كلمة الله هي العليا.

*بركات الجهاد وآثاره
تضافرت الآيات والروايات الشريفة بالحديث عن فضائل الجهاد وآثاره، سواء على الفرد أو المجتمع، وفي الدنيا أو الآخرة. ويكفينا لمعرفة تلك المكانة والمنزلة للمجاهدين تلك الأيْمان التي أقسم بها الباري تعالى في سورة العاديات، حيث أقسم بأنفاس خيول المجاهدين العادية، وقدح النار من تحت حوافرها، والغبار المتصاعد من حركتها السريعة؛ بقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً* فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ (العاديات: 1-4).

- من الآثار الدنيويّة
1- الجهاد ميدان تزكية النفس: بما أنّ النفس تركن إلى الشهوات وتثَّاقل إلى الأرض كلّما دعاها داعي الحقّ إلى الجهاد فسرعان ما تستجيب لشهواتها، وتؤثر السلامة عمّا يتعبها ويبعدها عن الأهل والولد، لذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 38)، فيأتي الجهاد في سبيل الله ليهذّبها ويعوِّدها المجاهدة وعدم الاستسلام، ويعزّز مقاومة الرغبات والشهوات. ولترغيب النفس في هذه العبادة العظيمة، يرفع الشرع المقدّس غايات الجهاد وآثاره أمام المجاهدين، ويبرز الأجر والثواب الذي يحوزه المجاهد متى كان جهاده في سبيل الله.

2- الجهاد تمحيص للمؤمن: الإنسان بطبيعته يحبّ الراحة والإخلاد إلى الأرض. لذلك، عندما يؤمر بالقتال والجهاد -وهو كره له- يكون هذا من أبرز أنواع الابتلاء والاختبار، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمّد: 31). وقد روي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلّا الشهيد؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة"(3).

3- المجاهدون مهتدون: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).

4- فضل المجاهدين على القاعدين: ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95).

5- المجاهدون خير الناس: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "خير الناس رجلٌ حبس نفسه في سبيل الله يجاهد أعداءه يلتمس الموت أو القتل في مصافّه"(4).

6- المجاهدون مؤمنون حقيقيّون: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).

7- المجاهدون خاصّة الأولياء: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنّته الوثيقة"(5).

8- دعاء المجاهدين مستجاب: عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "ثلاثة دعوتهم مستجابة، (أحدهم) الغازي في سبيل الله"(6).

9- النصر: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: 13). ويذكر الإمام الخامنئيّ دام ظله شرط النصر، وهو الالتزام بالشريعة: "إذا جعل الإنسان الشريعة أمامه، وسار في كلّ خطواته طبق التكليف الشرعيّ الإسلاميّ، فيقيناً سينتصر"(7).

10- الجهاد يقوي روح المبادرة والعزيمة: يقول الإمام الخميني قدس سره: "بالحرب يخرج الإنسان من حالة الخمود والضعف فتظهر حقيقة الإنسان وتبرز فعاليّته وطاقاته إلى العلن"(8).

11- الجبهة ميدان التعبّد:
يقول الإمام الخامنئي دام ظله : "ميدان الجبهة هو ميدان التعبّد، وفيه لا يوجد دخالة لأيّ عامل آخر -حتى العقل- وإذا كنّا ملتفتين إلى هذه المسألة وجعلنا التقوى هدفنا والتحرّك لمرضاة الربّ غايتنا ستتحقّق عندها كلّ غاياتنا"(9).

12- الجهاد هبة إلهيّة وتوفيق عظيم:
ويقول الإمام الخامنئي دام ظله : "أيّها الإخوة الأعزّاء، عليكم أن تعتبروا حمل المسؤوليّة في القوات العسكريّة هبة إلهيّة وتوفيقاً عظيماً؛ وذلك أنْ يوفَّق الإنسان ليكون في خدمة دين الله وأتباع دينه، حيث يستفيد أيضاً ليوظّف إمكاناته واستعداداته في أفضل طريقة. عليكم أن تعلموا أنّ هذا توفيق إلهيّ يتوجّب عليكم شكره، ويجب أن تحافظوا عليه"(10).

- من الآثار الأخرويّة
1- الرحمة ومغفرة الذنوب: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (آل عمران: 195). وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "وإنّ الغبار الذي يصيب المجاهدين في الدنيا لا يجتمع مع دخان جهنّم"(11).

2- يشهد للمجاهد -يوم القيامة- كلّ ما يصيبه: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "إن جبرائيل أخبرني (...): من غزا غزوة في سبيل الله من أمّتك فما أصابه قطرة من السماء أو صداع، إلّا كانت له شهادة يوم القيامة"(12).

3- للمجاهدين باب خاصّ في الجنّة: عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "للجنة باب يقال له: باب المجاهدين، يمضون إليه فإذا هو مفتوح والمجاهدون متقلِّدون سيوفهم، والجمع في الموقف والملائكة ترحِّب بهم"(13).

4- يرزقون الرزق الحَسَن: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (الحج: 58-59).

5- الفوز والبشرى والرضوان والنعيم المقيم: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ (التوبة: 20-21).

6- قادة أهل الجنّة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة، والمجاهدون في سبيل الله قوّادها والرسل سادة أهل الجنّة"(14).

أخيراً، نختم بأثر خاصّ أرقى من كلّ خير الدنيا والآخرة، يحوزه المجاهدون في سبيل الله، وهو محبّة الحقّ تعالى لهم، كما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

جعلنا الله من المجاهدين في سبيله.


1- الجهاد من وجهة نظر الإمام السيد عليّ الخامنئي دام ظله، نقلاً عن www.khamenei.ir
2- جواهر الكلام، الجواهري، ج 21، ص 3، من التعريف الاصطلاحيّ لمعنى الجهاد.
3- ميزان الحكمة، الريشهري، ج 2، ص 1515.
4- مستدرك الوسائل، النوري الطبرسي، ج 2، ص 244.
5- نهج البلاغة، الخطبة 27.
6- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 15، ص 21.
7- سلسلة في رحاب الوليّ الخامنئيّ دام ظله، الجهاد، ص36.
8- التربية الجهادية، ص 50.
9- سلسلة في رحاب الوليّ الخامنئيّ دام ظله، الجهاد، ص13.
10- سلسلة في رحاب الوليّ الخامنئي دام ظله، الجهاد، ص13.
11- مستدرك الوسائل، (م.س)، ج 2، ص 143.
12- وسائل الشيعة، (م.س)، ج 11، ص7.
13- (م.ن).
14- (م.ن)، ج15، ص10.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع