رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

حربنا محراب عبادة

الشيخ مهدي أبو زيد(*)




"إنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَه اللَّه لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِه"(1). أمير المؤمنين عليه السلام. إنّ العمل الذي يحظى بهذه الأهميّة لا ينبغي أن يكون عملاً عاديّاً ومتيسّراً للكلّ، فهو معقود لخاصّة الأولياء، ومن الطبيعي أن لا يكون مبنيّاً على الجهد البدنيّ أو الجهاد بالسلاح فقط، فالمسألة أعمق ممّا نتصوّره بكثير.

* الجهاد سمة الأولياء
إنّ مقارعة الظالمين قيمةٌ من مجموعة قِيَم تتشكّل منها شخصيّة وليّ الله، الذي تُفتح له أبواب كرم الباري ودار قربه، ورأس ذلك أن يصوغ الإنسان نفسه لتكون مفردة الجهاد إحدى سماتها. وهذا ما نفهمه من استقبال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك السريّة العائدة من مواجهة عسكريّة على أنّهم أهل الجهاد الأصغر، وتكليفهم بمهمّة جديدة هي الجهاد الأكبر. "قيل: يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس"(2).

* الشهيد بحسب هدفه
شهد التاريخ أنّ فقدان التربية قد يُخسر الإنسان تلك القيمة؛ إذ قد يقاتل شخص في أقدس الساحات، ثمّ يمضي من أجل حمار. وفي المقابل، قد يكون الإنسان في بيته ويحسب ممّن جاهد بين يدي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أشار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الأمر لمّا خرج إلى غزوة تبوك، قائلاً: "إنّ بالمدينة أقواماً، ما قطعنا وادياً، ولا وطئنا موطئاً يغيظ الكفّار، ولا أنفقنا نفقة، ولا أصابتنا مخمصة، إلّا شاركونا في ذلك، (......) حبسهم العذر، فشاركونا بحسن النية"(3)؛ لأنّ ما يمتلكونه من مقوّمات إخلاص وصدق نيّات، خوّلهم أن ينالوا مراتب الجهاد حتّى لو خذلهم الميدان. في المقابل، فإنّ رجلاً من المسلمين خرج مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجاهد معه، وتكبّد الجهد والعناء، لكنّه في لحظة غفلة ناتجة من نقصان منسوب التربية الجهاديّة لديه (قوانين الجهاد الأكبر)، قاتل كافراً لأجل حماره، ومات على تلك النيّة، فسُمّي بين المسلمين "قتيل الحمار"(4).

* مجاهدة القوى الغضبيّة
من المتيسّر أن نتمرّن على حمل السلاح، وأن نُتقن فنون الرماية، ونتسلّط على استعمال أدواتها، ولكن هل بإمكاننا أن نجعل قوانا الغضبيّة وأهواءنا، تأتمر للعقل، الذي يعمل بمقتضى الشريعة الغرّاء وينقاد لتوجيهاتها، بحيث يصل أحدنا إلى عدوّه الذي يتفل في وجهه، فيتركه حتّى تهدأ فورة غضبه الشخصيّ، ثمّ يعود ليقتله بكلّ خلوص، تقرّباً إلى الله تعالى كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام مع عمرو بن عبد ودّ العامريّ، في معركة الأحزاب؟ "وكان عليه سلب (ثوب أو درع) بألف دينار -لم يسلبه ما عليه على الرغم من قيمته العالية- كراهة أن يكشف سوأته"(5).

* وصيّة للقادة: تقوى الله
المعركة ميدان لجهاد مزدوج، يقارع المجاهد عدوّاً لفترة محدودة، ويرابط على ضفاف النفس ويبقي لجامها بين يدي العقل. وتوجيهات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لسرايا الجهاد تؤكّد ذلك، فقد كان "يجمعهم ثمّ (...) يوصي أمير الجيش بتقوى اللَّه في خاصّة نفسه، وبمن معه من المسلمين"(6). فالقائد قدوة وأكثر الناس عرضة لمرمى نيران العدوّ والأهواء. لذا، لا بدّ له من الرقابة المشدّدة والالتزام الدقيق في نفسه أولاً، كما أنّه مُطالَب بأن يراعي في نفسه أضعف جنده من حيث الإمكانيّات، ليكون أكثر شعوراً وتحسّساً لما يجري عليهم(7).

* قيمُ الجهاد وأخلاقه
في الإسلام مجموعة من القيم الجهاديّة التي جاءت كتوجيهات من المدرسة النبويّة والعلويّة أيضاً، منها:
أولاً: قيمٌ للمجاهدين: لا يمكن أن يقاتل الرجل من أجل قِيَم الدّين، ثمّ يعتدي عليها في الوقت نفسه، لذلك كانت الوصايا:
1- لا تغدروا.
2- ولا تغلوا.
3- ولا تمثّلوا(8).
4- عدم البدء بالقتال: "لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة، وكفكم عنهم حتى يبدأوكم حجّة أخرى".

ثانياً: قيمٌ للتعامل مع العدوّ:
1- "وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح"؛ فقد صار في حضانة الإسلام الذي لَحَظَ له حقّاً.
2- "وإذا هزمتموهم فلا تتّبعوا مدبراً"؛ فإنّ فراره إقرار منه بالعجز والانهزام أمام الحقّ.
3- "ولا تكشفوا عورة"؛ فالستر مأمورٌ به على كلّ حال.
4- "ولا تمثّلوا بقتيل"، فإنّ للموت حرمة لا ترفعها العداوة، والتكليف محصور بدفعهم عن حياض الحقّ(9).
فحقّ الانتصار على المجاهد، ثباته في ميدان جهاد النفس. وهذه العيّنة من التعاطي تكشف عن شيء من الانضباط النفسيّ المطلوب في الإسلام.

ثالثاً: قيمٌ للتعامل مع الميدان والطبيعة:
1- "ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تحرقوا زرعاً؛ لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه".
2- "ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه، إلّا ما لا بدّ لكم من أكله"(10).
فالاقتصار على الضرورة في موارد الطبيعة من أدب الجهاد الرساليّ، الذي يكنّ احتراماً لكلّ ما خلق الله تعالى.

رابعاً: قيمٌ للتعامل مع مجتمع العدوّ:
1- "ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا امرأةً"(11)؛ هؤلاء الضعفاء.
2- "ولا متبتّلاً في شاهق"؛ أي العابد الذي اعتزل الناس(12).
3- "ولا تدخلوا داراً"، فإنّ للمنازل حرمةً حتّى في دار العدوّ.
4- "ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً"؛ فما أبيح من الأرواح فلِبَغي أصحابها فقط.
5- "ولا تهيّجوا امرأة بأذى، وإن شتمنَ أعراضكم، وسببنَ أمراءكم وصلحاءكم، فإنّهن ضعاف القوم والأنفس"؛ لأن منطلق النساء في ذلك العاطفة، فلا يؤخذنّ بذلك(13).

هذا كلّه بعد أن تفرض المواجهة نفسها، إلّا أنّ ذلك كلّه مسبوق بمهمّة عظيمة وهي الدعوة إلى دين الله وقيمه الشريفة وإلقاء الحجّة على الخصم(14). فالأصل في مواجهة الباطل السعي لاستنقاذ القدر الممكن من عباد الله من براثن إبليس وإغوائه.

* لا أفعل ما فعله الجاهلون
لقد امتنع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن قطع الماء في خيبر(15)، وكذا فعل أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن أخذ الماء من معاوية: "خلّوا بينهم وبين الماء، فإنّ الله نصركم ببغيهم وظلمهم". وقال عليه السلام: "خلّوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون"(16).

فحجب الموارد الأساسية عن البشر بغي وجهالة، حتّى في مواجهة العدو. والهدف في المدرسة الإسلاميّة، ليس إزهاق الأرواح، بل طاعة الله تعالى والدعوة إليه. لذا، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول لجنده: "لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد الله على حجّة"(17).

* علامَ نقاتلهم؟
إنّ حضور الأخلاق والقِيَم في الحرب يكون على اعتبارها محراب عبادة، فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام مشغولاً بالحرب والقتال في صفّين، وهو مع ذلك يراقب الشمس للصلاة، فاستغرب ابن عبّاس ذلك وقال: وهل هذا وقت الصلاة؟ إنّ عندنا لشغلاً بالقتال عن الصلاة، فقال عليه السلام: "علامَ نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على الصلاة"، قال ابن عبّاس: ولم يترك صلاة الليل قطّ، حتّى ليلة الهرير(18)-(19).

هذا نذر يسير ممّا بُني عليه الجهاد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، نتربّى عليه لنحصّل الجدارة المطلوبة للتوطئة لدولة العدل والتمهيد لصاحب الأمر |. فإنّه الميدان نفسه الذي ننشر فيه تلك القيم، الذي عبره مولى المتّقين عليه السلام إلى رحاب "فزت وربّ الكعبة".


(*) أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم - فرع لبنان.
1- نهج البلاغة، الخطبة 27.
2- الوافي، الفيض الكاشاني، ج 15، ص 62.
3- الكافي، الكليني، ج 5، ص 12.
4- يراجع: المحجّة البيضاء، الفيض الكاشاني، ج 8، ص 104.
5- عوالي اللآلي، الأحسائي، ج 2، ص 239.
6- المحاسن، البرقي، ج 2، ص 355.
7- يراجع: الأسير في الإسلام، عليّ الأحمدي، ص 32.
8- المحاسن، (م.س)، ج 2، ص 355.
9- وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 15، ص 92.
10- (م.ن)، ج 11، ص 44.
11- المحاسن، (م.س)، ج 2، ص 355.
12- الوسائل، (م.س)، ج 11، ص 44.
13- (م.ن)،7 ج 11، ص72.
14- المحاسن، (م.س)، ج 2، ص 355.
15- البحار، المجلسي، ج 21، ص 31.
16- شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج 3، ص 331.
17- وسائل الشيعة، (م.س)، ج 15، ص92.
18- ليلة الهرير: كانت في وقعة صفّين، وإنّما سمّيت بذلك لكثرة أصوات الناس فيها للقتال.
19- يراجع: وسائل الشيعة، (م.س)، ج 4، ص 246.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع