رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

قصة: لقد كنتُ هناك..


رقيّة كريمي

رأيت، لا لم أرَ. أُغمض عينيّ من جديد وأهزّ رأسي، أريد أن أعود إلى عَصرنِا. كأنني أتيتُ إلى عمق التاريخ، بعد غزوة بدر. لا، ليست هذه مدينة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أنا في تلك الأيّام! أنا هنا في وسط المعركة. أنظر إلى ملابسي، أرى بدلتي العسكريّة الدامية. هذا يعني أنني في عصرنا، وليس في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. لم يَبقَ شيءٌ مِن بدلتي. لم أجد شيئاً أثناء المعركة لتضميد الجرحى به، ولا يمكنني الانتظار. استخدمت حزام بنطالي مرّة، وشريط حذائي، ومرّةً اضطررت إلى أن أمزِّق بدلتي العسكريّة. کنتُ أرکض طوال الليل بين أزيز الرصاص، دون أيِّ سلاح. كنت متأهّباً طوال الوقت، أنتظر أن أسمعَ صراخاً بكلمة: "مسعف". لم ننمْ طوال الليلة السابقة؛ لأنّ النار كانت تتساقط على رؤوسنا كالمطر.

والآن أشرقت الشمس، ولو لم يكن السهل مليئاً بالجرحى والشهداء؛ لما تذكّرتُ شيئاً من الليلة السابقة. لقد انتهت العملية منذ أكثر من ساعة تقريباً، ما زلت أسمع أنين الجرحى. سأقترب من جريحٍ جرحه بليغ، وأحاول أن أسقيه قليلاً وأهون عليه: "اشرب قليلاً، قريباً سأسحبكم". أعرفُ أنّهُ سيُستشهد خلال دقائق، لكنّني أريد أن أسقيه. لم يسمح لي، بل هزَّ رأسه بصعوبة، ثمّ أبعده. فتح شفتيه اليابستين بصعوبةٍ أيضاً وقال: "أنا بخير. صديقي عَطِش". أغمضتُ عينيّ، وسألت نفسي من جديد: "هل أتَيتُ إلى عمق التاريخ؟"، ربّما جننتُ بسبب كثرة الانفجارات. ربّما من كثرة الشهداء... هززتُ رأسي، عدتُ إلى التساؤلات نفسها مجدّداً. وها أنا أرى القصّة كمسرحيّة جديدة أمام عينيّ، ولكنّني عندما أنظر إلى جراحهم أراها حقيقيّة، إنّها ليست مسرحية.

أَسرَعتُ إلى صديقه، كانت الرصاصة قد دخلت من خدّه، وخرجت من خلف رأسه. رفعتُ رأسَهُ قليلاً. وأدنَيتُ الماء من شفتيه، فتحهما بصعوبة، وقال بكلمات متقطِّعة: "أنا بخير أخي، صديقي عَطِش". كنتُ أريد البكاء. لم أصدّق ما يحصل أمامي! هل عُدتُ إلى التاريخ؟ أَيلعَب الزمن معي؟ أين نحن من غزوة بدر؟ ملابسهم من عصري، لا! هم يتكلمون بالفارسية.

نظرتُ في ساعتي ذات الزجاج المهشّم، ما زالت على معصمي، كسرت زجاجها شظية صغيرة. أنا هنا، في "شلمچه" وسط الحرب. أغمضتُ عينيّ من جديد، وضربتُ بأصابعي على جبيني. لعلّه كابوس مزعج. لقد أسرعتُ إلى صديقه أُناديه فلا أسمعُ صوتاً. لقد أغمضَ عينيه، واستشهدَ بثقب كبير في صدره! أسرعت بالعودة إلى الجريح الثاني، قلتُ بصعوبة: "صديقك ليس عطشاً الآن، اشرب أنتَ". لم يسمعْ صوتي، كان ينظر في عينَيَّ فقط. أغمضتُ عينَيه المفتوحتين، وأسرعت إلى الجريح الأوّل، وناديته فلم يرد. لقد بقيتُ وحدي مع قربة الماء، دون أن يشرب منها أحد. هذه القصّة لم أعرفها جيدّاً، سمعتها من جدّي عندما كان يسقي الورود في الحديقة، وأنا جالسٌ في حجر جدّتي. كان يحكي قصة غزوة بدر. وكنت أسرح في خيالي، فأذهب إلى المدينة، وأرى نفسي في معسكر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن أنا هنا، الآن أنظر إلى ملابسي من جديد، أُحاول أن أتذكر كل شيء، في أيّ سنة نحن؟ أين أنا؟ ها قد سمعت صوت جريحٍ آخر، سأُسرع إليه، أخاف أن يغمض هو الآخر عينَيه قبل أن يشرب قطرةً من الماء!

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع