نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه


الشيخ علي رضا بناهيان

"العشق" مفردة تطلق في الأغلب على الحبّ الشديد. وغالباً ما تصطبغ بصبغة معنويّة عرفانيّة، أكثر من الصبغة الدنيويّة الماديّة؛ لأنّ العلائق الماديّة والدنيويّة لا تحلّق عالياً، وإذا حلّقت سرعان ما تهبط. ولو لاحظنا مفهوم هذه الكلمة في الأدب العرفاني، لوجدناه يطلق على الحبّ الشديد، وعلامته الرئيسة هي التضحية والإيثار. فإن اشتدّت المحبّة بحيث أدّت إلى الإصرار على التضحية من أجل المحبوب، هنا يتولّد العشق. ومن أفضل استعمالات هذه المفردة، هو المحبّة الشديدة للإمام المهدي (أرواحنا فداه).

وبغضّ الطرف عن أنّ محبّة الإمام المهدي لا يمكن أن تكون "قليلة"، وكلّ من تعلّق بالإمام قلبيّاً وعاطفيّاً ستشتدّ محبّته إليه شيئاً فشيئاً، فنحن أساساً بحاجة إلى من نودّه عن عشق، ونهب من خلاله لحياتنا الروح والحيويّة. ولا يمكن أن تتعلّق هذه المحبّة الشديدة إلّا بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما لا يمكن لنا أن لا نتعلّق به. ولو لم تصل محبتنا له إلى المستوى المتقدّم، فلنعلم أنّ الإشكال في أنفسنا، وإلّا فإن محبوبيّته أعلى من أن توصف.
وبما أنّ المحبّة الشديدة لا تحصل إلا من خلال المعرفة والعمل الصالح والإيمان الراسخ، فإنَّ أفضل طريق لردع أضرار المودّة السطحيّة، هو المودّة العشقيّة للإمام. فإنّ من أهم معالم المودّة السطحيّة هـو كونـهـا سطحيـّة وقلـيـلــة، وهو الثمرة الطبيعية لفقـدان المعرفة والتقوى. وللابتعاد عن أضرار المودّة السطحيّة، لا بدّ من تعزيزها وتقويتها، حيث قال تعالى: ﴿ وَالَّذينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ (البقرة: 165).

* فوائد المودّة العشقيّة للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
أشرنا حتّى الآن إلى ضرورتَيْن وفائدتَيْن لمودّة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف العشقيّة: إحداهما، حاجتنا إلى هذه المحبّة الشديدة لبثّ الروح والحيويّة في حياتنا، والأخرى ثمرة المودّة العشقيّة بصفتها أهم طريق لردع أضرار المودّة السطحيّة والسبيل الوحيد للنجاة من النزعة السطحيّة فيما يرتبط بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف. وقبل الإشارة إلى بعض الفوائد المهمّة الأخرى، حريّ بنا أن نتعرّض أكثر إلى الضرورة الأولى، وهي حاجتنا إلى المودّة العشقيّة للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف.

* حاجتنا إلى العشق
نحن بحاجة إلى العشق في حياتنا، إلى عشق يصنع لنا محرّكاً قويّاً في جميع مراحل حياتنا، على ضوئه ندرس، ونعمل، ونشكّل عائلة و... إلخ. ولو لم يكن مثل هذا العشق ظهيراً للدافع في أعمالنا، فسرعان ما سينتابنا اليأس والقنوط، ونقع عرضة للمخاطر والأضرار المتفشية في الحياة؛ كالتعدّي على حقوق الآخرين، والتمرّد على الأوامر الإلهيّة، فتسوء أخلاقنا، ونفقد توازننا. فلا بدّ من أن ندرس ونعيش بعشقٍ يمكنه أن يحلّ محلّ كلّ الدوافع الرائجة والمتداولة.
ومن جانب آخر، فإنّنا بحاجة إلى سلوة، وبحاجة إلى أن نكون فرحين. وأفضل أنواع الفرح والتسلية هو أن نعشق أحداً، بحيث يملأ هذا العشق كلّ كياننا ويُحرق قلوبنا. فمن لم تُحرق قلبه حرارة العشق والمحبّة، سيحترق بالإدمان على المخدرات. فما هو الشيء الذي يريد إحراق وجودك؟ وما هو الشيء الّذي يريد تنشيط طاقتك الشبابيّة؟
نحن لسنا حمقى حتّى نعشق أحداً بهذا المستوى بلا سبب، ولا تنقصنا المحبّة حتى نغترّ بهذه العلائق الضئيلة ونتصوّرها كبيرة. إذاً، لا يُكتسب العشق بسهولة، ولكن من المهمّ والضروري للإنسان أن يكون عاشقاً.

* معشوقٌ يزيدنا عشقاً
ومن الواضح أنّ من أهمّ الطرق للوصول إلى العشق، هو العثور على معشوق يأخذ بمجامع القلوب، ويكون أهلاً لعشقنا، ولا يكون قادراً على حفظ هذا العشق فحسب، بل يستطيع أن يزيده حرارةً لحظةً بعد أخرى. وقد وضع الله طريقاً للوصول إلى العشق، ومهّد سبيلاً لسهولة اكتسابه، حيث جعل في كلّ زمان إنساناً عظيماً باسم "الإمام"، ليتأتّى عشقه وحبّه. وهذه من أهم خصائص الإمام.
والإمام الخاتم الّذي نعيش عصر غيبته، يتّصف بهذه الخصيصة أيضاً. فالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف -كما يظهر من إشارات وكلمات أهل البيت عليهم السلام أنفسهم- واحد من أكثر أولياء الله محبوبيّة(1). ومن الطبيعيّ أنّ من تحلّ محبّة مثل هذا الإمام في قلبه، سيترنّم بأروع نغمات الحب والعشق. ومن لم يحصل على مثل هذا العشق للإمام، فعليه أن يلوم نفسه. ولا يمكننا أن نكون عاشقين عبر لقلقة اللّسان والادّعاء الواهي، بل لا بدّ من أن نصل إلى مرتبة نقول عندها لإمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف من سويداء القلب: "هجرك دون هجر الناس لا يسعني، وفقدك قد أحرقني"، فلو لم نكن صادقين في مقالنا، ستقول الملائكة في جوابنا: "إنّك غير صادق، وسواء كان الإمام حاضراً أم غائباً، فإنّك ماضٍ في حياتك، مُشتّت القلب، وقد صنعت لنفسك ما يُلهيك عنه؛ بحيث لا يصل الدور إليه، فضلاً عن أن تحبس نفسك عليه".

* آثار عشقه
إنّ من أهم فوائد وضروريّات هذا العشق، أن تقوم لنشر الدين بعد بيان بُعده المنطقيّ والعقلانيّ، بإظهار ما أوقده الدين من العشق في قلبك للآخرين، ليرى الجميع كيف استطاع الدين الّذي اعتنقته أن يملأ قلبك حبّاً لهم، وإلى أيّ حدّ جعلك تلتذّ بدينك، وتلتذّ بصلاتك وعبادتك وولايتك، واليوم تريد دعوة الآخرين إلى هذا الدين نفسه.
والناس يسألونك دون كلام: إن كنت تعرف إمام زمانك وتحبّه، فكم استطاع مولاك أن يُسخّر وجودك؟ ما هو أثر الولاية الّتي تتحدث عنها فيك؟ كم استطاعت أن تميّز حياتك عن الآخرين؟ كم وهبت لك من النشاط والطاقة والطمأنينة في حياتك؟ فإن لم أكن -أنا الذي أدّعي الانتظار- أملك جواباً جديراً عن هذه الأسئلة، سوف لا يسعني أن أكون مبلّغاً جيّداً للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، بل سيكون وجودي وادّعائي مضادّاً للتبليغ لوجوده المقدّس.
ومن الآثار الأخرى لتوطيد علاقتنا بالإمام، بالاستناد إلى تلك الرواية نفسها التي تشير إلى انقطاع مودّة العوام(2)، هو أنّ الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يتقبّلنا ويختارنا أنصاراً له؛ لأنَّه يرى محبّتنا له مضمونة ثابتة. وليس من المعلوم أن يختار لنصرته من تكون محبّته متزلزلة.

إذاً، لا يسعنا أن نستهين بهذه المودّة، ولا أن نحتمل قلّتها، فإنّ المودّة النابعة عن عشق، تمثّل عصارة المعرفة والكمال المعنوي للمنتظِر. علماً بأنَّ المنتظِر، وإلى جانب عشقه للإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، يموج في قلبه حبّ شديد لـ"الفرج" أيضاً.
فإذا كان الحضور في هذه المنزلة العامّة بدائيّاً وإجبارياً وسهلاً، فإنّه في تلك المنزلة الخاصة اختياريٌّ وصعبٌ. ولصُلَحاء العالم من أجل الوصول إلى تلك المنزلة الرفيعة تضرّع وابتهال كثير.


1- عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "... فَبَعَثَ اللَّهُ رَجُلاً مِنْ عِتْرَتي أَهْلِ بَيتي يُحِبُّهُ ساکِنُ الأَرْضِ وَساکِنُ السَّمَاءِ". معجم أحاديث الإمام المهدي، ج 1، ص 84؛ شرح إحقاق الحقّ للمرعشي النجفي، ج 13، ص 152.
2- وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في حديث المعراج: "...فَتَقَدَّمْتُ أَمَامِي وَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَ... وَالْحُجَّةُ الْقَائِمُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ فِي وَسَطِهِمْ. فَقُلْتُ: يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَهَذَا الْقَائِمُ يُحِلُّ حَلَالِي وَيُحَرِّمُ حَرَامِي وَيَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي، يَا مُحَمَّدُ أَحْبِبْهُ فَإِنِّي أُحِبُّهُ وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ". الغيبة للنعماني، ص93.
3- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "مَودَّةُ العَوامِّ تَنْقَطِعُ کانْقِطاعِ السَّحابِ، وتَنْقَشِعُ کما يَنْقَشِعُ السَّرابُ". غرر الحكم، ح 1129.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع