نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*)


محمد لمع

تسلّق مصطفى الصخرة الكبيرة، فصار فوق النهر تماماً. هناك حيث اعتاد الجلوس منذ استشهد والده مظلوماً قبل أشهرٍ. اعتدل في قعدته فوق فسحةٍ ملساءَ، وأسند ظهره إلى نتأةٍ في الصخرة ومدّ قدميه. لم تكن أعوامه السبعة كافيةً لتجعل رجلَيه تصلان الأرض، فبقيتا حرّتين في الهواء. حرّكهما بسرعةٍ، فسقط خفّه البلاستيكيّ البنّيّ، ذو الزهرة البيضاء المنقوشة فوقه. ذلك كان خُفّاً للفتيات وليس للصبيان، لكنّه منذ زمنٍ بعيدٍ لم يعد يسأل عن مصدر الثياب ولونها وشكلها. كان الفقر قد غزا البيت منذ ما قبل ولادته، ولا ثيابَ جديدةً متاحة.


* خفّ الزهرة البيضاء
وهذا الخفّ تحديداً لم يكن على مقاس قدم أخته هدى، البنت الوحيدة بين عشرة صبيان، أصغرهم عبد الله، فناسب مقاس قدم مصطفى، وكان له، ولو أنّه للإناث، ولو تزيّن بتلك الزهرة البيضاء والرأس الحادّ! لقد تجاوز الخجل منذ زمن، وصار يقبل كلّ ما يُعرض عليه دون نقاش أو اعتراض. لم يرد أن يزيد همَّ أمّه، هو الذي يشعر بألمها وحزنها ويسمع زفرة التنهيد حين تخرج حارّةً من صدرها. لقد أَقسم أن لا يكون سبباً إضافيّاً في زيادة الحمل فوق كاهل أمّه، فرضيَ واقتنع بكلّ شيء.
لوّح مصطفى بقدمَيه مجدّداً، فسقطت الفردة الثانية، وظهرت أصابع قدمَيه الصغيرة والطريّة. تسلَّل الهواء بينها، فشعر بالبرد، وسرت قشعريرة في جسده الصغير. وبينما هو كذلك، بدا له كعبا قدميه السوداوين. ثنى رجله إلى جسده وراح يتفحّصها. ذلك الجزء الذي يخرج من الخفّ يتّسخ دائماً بتراب وزبل البيدر، حيث يلهو بين الدجاجات طوال النهار، وسيكون عليه غسل رجليه جيّداً قبل أن ينام في فراشه، ويلتحف الغطاء الأبيض الناصع.

* النهر وذكريات الأب الحنون
أعاد قدميه إلى أمامه، ثم أسند خدّيه بيديه، وسرح نظره في مياه النهر المتدفّقة بين جنبات صخور الوادي، ومن فوق السّدّ، حيث كان يصحبه والده للسباحة عندما كان طفلاً صغيراً. تذكّر كيف كان يضعه فوق كتفيه، ويمسك بيديه، وأحياناً كان يحتضن هو رأس أبيه كي لا يسقط إلى الأرض.
منذ استتشهاد أبيه، دأب مصطفى على زيارة السّدّ، غير محمولٍ على ظهر أحد. صار يكتفي بالوقوف أمام النهر دون أن يلمسه، ويحاول أن يرى صورة والده على صفحة المياه الجارية، فتنزل من عينيه الجميلتين دمعاتٌ يذبن مع الماء الذي شرب روح الأب الحبيب، ثمّ يسلكن طريقهنّ بين شجيرات الدفلى ناثراتٍ صوت رثاءٍ يملأ الواديَ حزناً لحزن الطفل اليتيم، فلا يبقى شجرٌ إلّا وينحني، ولا صخرٌ إلّا ويمشي...
طال به الوقت، ينظر إلى النهر، ثم جعل يعيد شريط ذكرياته عن اليومين الماضيَين، فأغمض عينيه، هرباً من مشهدٍ يؤذيه. اليوم هو ثالث أيّام عيد الفطر. هذا الفطر الأول بعدما صار يتيماً. تحسّس جيوبه فإذا هي فارغة، لم يدخلها قرشٌ منذ أيّام. نظر إلى ساقيه، فوجد ثقباً في سرواله الكحليّ، كانت أمّه قد رتقته بإبرتها، لكنّه ما زال ظاهراً. مدّ إصبعه تحت السروال حتى بلغ الثقب، ثم راح يخرجه منه. كيف يلبس الأطفال أجمل الأثواب صباح العيد، ويخرج هو بسروالٍ مثقوبٍ وجيوبٍ فارغة؟

* "سأخبر الله بكلّ شيء"
ومن مكانٍ غير بعيدٍ منه، كانت ضحكات أطفال البيدر تبلغ مسامعه. رآهم وهو في طريقه إلى الصخرة، يقفون قرب الأرجوحة الخشبية، يحمل كلّ واحدٍ منهم ربع ليرةٍ تخوّله الركوب مرّاتٍ عدّة. مرّ بجانبهم، فدسّ يديه في جيبيه، وتظاهر بعدم المبالاة، لكنّه انهزم من أمامهم، وقصد مخبأه ومستودع أحزانه.
جرت العادة أن يبثّ همّه إلى شتلة ورد تنبت بين مفاصل الصخرة، كان يأنس بها ويستودعها أشجانه وأحزانه، حيث كان يداعب أوراق أزهارها البيضاء في فصل الربيع، ويكلّم ما تبقّى من ساقها اليابس في الخريف والشتاء، على أمل اللقاء في ربيعٍ جديد. لكن هذه المرة، كان حزنه عميقاً وحاجته عظيمةً. لم يكلّم أحداً، ولا حتى وردته البيضاء..

"سأخبر الله بكلّ شيء".. خرجت كلماته من صدرٍ مشحونٍ بالحبّ و الحزن معاً. رفع رأسه إلى السماء. وجّه صوبها عينين أحزنت الملائكة عند النظر إليهما. كانتا بحراً أزرق تتوسّطه نرجستان.
وبيدين نديّتين جعلهما كمحراب، صلّى في سكون نفسه، وقال في قلبه: "أنت يا ربّي تحبّ الفقراء والأيتام، وتسكن في القلوب المنكسرة. أنا يا ربِّ، حزينٌ وفقيرٌ ويتيم. يا رازق الفقير بغير حساب، وكافل الأيتام.. أنا لم أذق حلاوة العيد، ولم ألبس ثوباً جديداً منذ مات والدي. أي ربّي، إذا كنت تُحبّني كما تقول أمّي دائماً، ابعث لي ليرةً كاملةً اليوم". ختم صلاته، فأمطرت عيناه ماءً زُلالاً ما نزل إلى الترابِ، بل حملته المزن صوب أرضٍ قاحلةٍ أراد الله إحياءها.

* سمع الله كلّ شيء
وهبّت رياحٌ داعبت الشعر الأشقر، وتسلّلت من ثقوب ردائه، لكنّه لم يرتجف أبداً. وفي قلبه رأى طريق حارات البيدر، وفي نهاية الدرب كان رجلٌ يقف باسماً وفي يده ليرةٌ.. ثمّ هدأت الريح، وعادت الشمس إليه.. لقد رأى برهان ربّه. وضع خفّيه في قدميه، وغدا يعدو كالأرنب البرّيّ..
"سأجمع كلّ أوراق الشوكولا والأوساخ من الطريق بين بيتنا والجامع، وإذا كان الله هناك فعلاً، سيضع لي ليرةً بينها".
راح مصطفى يرفع كلّ النفايات المجتمعة في زوايا الطريق، ويضعها في كيسٍ كبيرٍ. صار المارّة يثنون عليه: "شاطر يا مصطفى". ظنّوا أنّه يكنس الطريق، لكنه كان في عالمٍ ثانٍ.
وبعد ساعةٍ، كان على البيدر صفٌّ طويلٌ من الأطفال، يلبسون ثياباً جديدةً وأحذيةً مرتّبةً، وينتظرون دورهم ليركبوا الأرجوحة. وبينهم وقف صبيٌّ أشقر صغيرٌ، يلبس سروالاً مثقوباً سترَهُ بيدٍ، وحمل باليد الأخرى ورقة "الخمس ليراتٍ" خضراء.
لقد كلّم الله، وقد سمع الله كلّ شيء.


(*) مقتبسة من أحداث قبل الثمانينيّات.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع