قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

من صفات المجاهدين


الشيخ أحمد وهبي


قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69) لذلك سنعمل في هذا البحث على أن نذكر الصفات التي ذُكرت جملة منها في القرآن الكريم والروايات الشريفة في خصوص المجاهدين في سبيل الله عزَّ وجلّ.


* أخلاق المجاهدين
من الآيات التي تبيّن أخلاق المجاهدين بشموليّة وجامعيّة، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 111-112).
1- التوبة: أولى الصفات التي ذكرتها الآية الشريفة هي التوبة، ومعناها العود إلى الله عزَّ وجلَّ، فالمجاهد عند لقائه العدوّ يعلم أنّه يواجه الموت؛ ويكون قد عاد بقلبه إلى الله وتوجّه إلى عالم الآخرة، نادماً على ذنوبه وتقصيره في أدائه لأوامر الله سبحانه.

2- النيّة الخالصة لله: عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا أغزى علِيّاً عليه السلام فيِ سَرِيَّةٍ، قالَ رجُلٌ لأخٍ لَهُ: "اغْزُ بِنا في سَرِيّةِ علِيٍّ لَعلَّنا نُصيبُ خادِماً أو دابَّةً أو شَيئاً نَتَبَلَّغُ بهِ"، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّما الأعمال بالنيّات"(1).

3- التوجّه للآخرة والزهد في الدنيا: لا شكّ في أن المجاهد والمقاتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ يكون تاركاً للدنيا ومختاراً لسعادة الآخرة على سعادة الدنيا، لذلك طلب الله سبحانه الجهاد ممّن باع دنياه بآخرته، قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 74).

4- اليقين ووضوح الرؤية: الطريق أمام المجاهد واضح، وكل ما كان في سبيل الله جميل، وكلّ ما يأتي من الله جميل ولو كان القتل، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).

5- الحبّ لله: عن الإمام الصادق عليه السلام: "بإنفاق المهج يصل العبد إلى برّ حبيبه وقربه"(2). وفي دعاء شهر رمضان يعلّم الله عباده أن يتمنّوا القتل في سبيله: "وقتلاً في سبيلك فوفّق لنا..." فلا يكون هناك شيء عند المجاهد أحبّ إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله.

6- العبادة والعبوديّة: من أهمّ علامات المجاهد أنّه يملأ وقته بالعبادة والذكر استعداداً للقاء الله عزَّ وجلَّ، وتظهر عليه سيماء العابدين الذين كساهم الله من نوره بسبب عبادتهم في الليل وسهرهم في العبادة. وهؤلاء يتوعّد الله بهم الكفّار ويغيظهم بهم، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح: 29).

7- الطاعة للوليّ الشرعيّ والقائد: إنّ طاعة الوليّ الشرعيّ، وليّ الأمر، المرجع والوليّ الفقيه هي من طاعة أولياء الله الواجبة طاعتهم، بل هي من أهمّ أسس النصر للمجاهدين في سبيل الله والهزيمة للعدوّ، وتعطي الفئة المجاهدة في سبيل الله، حتّى ولو كانت أقلّ عدداً من عدوها، قوّة على العدوّ، لأنها هي المدافعة عن دين الله، ووعدها بالنصر. وقد ضرب الله سبحانه مثلاً لهذا الأمر في القرآن الكريم في قصة طالوت الذي عيّنه نبيّ الزمان قائداً: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيـكُم بِنَهَـرٍ فَمَــن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249).

8- الدعاء والذكر: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ (الأنفال: 45). المجاهد في جهاده وقتاله يحتاج إلى القوّة الإلهيّة لنصره، لذلك هو في حالة ذكر دائم ودعاء واستعانة بالله سبحانه. فمن يستعدّ للقاء محبوبه في ساحة القتال والجهاد ويعلم أنّ كلّ قوة في الكون هي لله، فهذا فيه معنى الإقرار لله عز وجل بالقدرة المطلقة وبأنّ النصر من عنده. لذلك روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "إذا لقيتم عدوّكم في الحرب فأقلّوا الكلام وأكثروا ذكر الله عزَّ وجلَّ"(3).

9 - التسليم لله تعالى والتوكّل عليه: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 173 - 174)، فإنْ عزم المجاهد على القتال فلا بد أن يتوكّل على الله، ويكل أمره إليه.

10- السياحة: قال تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾. أشهر السياحة أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم ثمّ يقتل المشركون بعدها أينما وجدوا. والسياحة في الأرض تكون للاطّلاع على عجائب قدرة الله وهداية عباد الله والفرار من أعدائه وملاقاة أوليائه(4).

11- حفظ حدود الله: قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ﴾. المجاهد يجتنب المحارم ويؤدّي الواجبات الإلهية تعبيراً عن حبّه لله، وطاعة للمحبوب فيما يحبّ، وإلّا فلا يكون مجاهداً؛ لأنّ الجهاد كما عن أمير المؤمنين عليه السلام: "يقول الرجل هاجرت ولم يهاجر إنّما المهاجرون الذين يهجرون السيّئات ولم يأتوا بها، ويقول الرجل جاهدت ولم يجاهد، إنّما الجهاد اجتناب المحارم ومجاهدة العدو..." (5).

12- التقوى: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصة أوليائه وهو لباس التقوى"(6). فالجهاد هو لباس المتّقين والتقوى لباس المجاهدين.

13- النظم والانضباط: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4). هذا الأمر يجب أن يكون نابعاً من الإيمان بالله والالتزام بأوامره سبحانه، وبهذا المعنى يكون من لوازم التقوى.

14- الصبر: النصر من نتائج الصبر، مهما كان عدد المجاهدين في سبيل الله قليلاً. عن الإمام الحسن عليه السلام: أنّه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "أمّا بعد، فإنّ الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً ثمّ قال لأهل الجهاد من المؤمنين ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فلستم أيها الناس نائلين ما تحبّون إلّا بالصبر على ما تكرهون..."(7).

15- المحافظة على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم: والرحمة بين أفراد مجتمع المسلمين:
كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّ عليه السلام دائماً يوصيان بحفظ أموال الناس وحقوقهم وأعراضهم، فعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملَّة رسول الله، لا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها..."(8).

16- الثبات في المعركة: المجاهد في سبيل الله سبحانه لا يولي ظهره لعدوّه ويهرب، ولا يترك إخوانه في المعركة مكشوفين للعدو، بل يواسيهم بنفسه ويصبر معهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 15-16).


(1) الأمالي، الطوسي، ص618.
(2) جامع الأحاديث، البروجردي، ج13، ص16.
(3) عيون الحكم والمواعظ، ج1، ص120.
(4) بحار الأنوار، المجلسي، ج70، ص245.
(5) مستدرك سفينة البحار، الشاهرودي، الباب 440، ص1.
(6) نهج البلاغة، خطبة الجهاد.
(7) مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، ج7، ص10.
(8) الكافي، الكليني، ج5، ص27.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع