نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

شـرح دعـاء العهد (12): واجعلني من المستشهدين من يديه


الشيخ محسن قراءتي


تصل بنا مقامات الرّكب المهدويّ في دعاء العهد إلى مقام المحامين عن الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف والسابقين إلى إرادته والمستشهدين بين يديه. يشرح سماحة الشيخ هذه المقامات الثلاثة، ويغرس فينا لهفة بلوغها.


* المقام السادس: وَالْمُحَامِينَ عَنْهُ
الشخص الذي تصطبغ حياته باللّون المهدويّ يدافع عن الإمام دفاع العارف العاشق. وأحد النماذج في حماية الدين والأولياء الإلهيِّين هو أبو طالب عليه السلام، الذي كان كبير مكّة وقريش، وقد حمى الرسول بكلّ ما لديه من قدرة. وقد افتقد أبو طالب عليه السلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مرة فلم يجده، فجمع الهاشميين، وسلَّحهم، وأراد أن يجعل كلّ واحد منهم إلى جانب عظيم من عظماء قريش ليفتك به، لو ثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أصابه شرّ. وقد تصوّر بعضهم أنّ كلّ ما قام به أبو طالب عليه السلام، إنّما كان لأجل كون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ابن أخيه. وقد غفل هذا القائل عن الآتي:
أولاً: إنّ عاطفة الإنسان على أولاده أشدّ منها على أولاد أخيه، ونحن نجد أنّ أبا طالب قد فدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بولده(1).

ثانياً: لو كانت العمومة سبباً لكلّ هذه المحبّة، فلماذا كان أبو لهب العمّ الآخر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كلّ تلك العداوة؟

ثالثاً: إنّ سائر بني هاشم هم من قبيلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبعضهم آمن به، وشاركه في محنه وابتلاءاته، إلّا أنّه لم يكن أحدٌ من هؤلاء كأبي طالب في الفداء والإيثار عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

وعليه، فلا يوجد أيّ تحليل أو تفسير آخر لكلّ هذا الإيثار في حقّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إلّا الإيمان القلبيّ به. هكذا كان عشق أتباع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لدينهم، فلا يحسبون للمسائل العاطفيّة حساباً، إلّا في الموارد التي يحثّهم الإسلام نفسه عليها. ولا بدّ للمنتظِرين أيضاً من أن يكونوا كذلك. فالمحور هو حجّة الله، وعليهم أن لا يحسبوا أيّ حساب لأيّ أمرٍ آخر في سبيل حمايته.

* المقام السابع: وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ
تتحقّق السرعة في الانتهاء من العمل. أمّا السبق فيتحقّق في عدم تضييع الفرص أو العمل نفسه. وهذان أمران من تعاليم هذا الدعاء للحياة المهدويّة. فمن الامتيازات الخاصة للمنتظِر: أن لديه خبرة جيّدة في الأعمال الحسنة، سَبّاق ومُسارع إلى الصالحات والخيرات. فالتأكيد على ﴿سَارِعُواْ﴾ (آل عمران: 133) و﴿سَابِقُوا﴾ (الحديد: 21) في القرآن والأحاديث، دليل على أنّ السرعة والسبق أساسان في كمال العبادة. فالمنتظِر سابق في عمل الخير، وكذلك المجتمع المنتظِر سابقٌ إلى الخيرات؛ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (المؤمنون: 61). وقد بيّن القرآن الكريم أنّ للسبق على الآخرين مصاديق عديدة، كالسبق في الإيمان؛ ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر: 10)، والسبق في الإنفاق والجهاد؛ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (الحديد: 10).

* السبق سبيلُ القرب
إنّ القرب من الله لا يحصل بمجرّد الادّعاء، بل له طريقه ونهجه ودليله، فاليهود كانوا يدّعون أنّهم مقرّبون من الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (المائدة: 18) لكنّ القرآن يقول: إنّ المقربين هم الذين يتقدّمون في الكمالات: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 10-11). والمراد بالقرب في هذه الآية هو القرب المعنويّ والمقام، لا القرب المكانيّ. وقد جاء ذكر هذه الفرقة مسبوقاً بفرقتين، ولعلّ ذلك لقلّة عددهم، لكن في مقام التجليل ابتدأت الآيات بتجليل ﴿السَّابِقُونَ﴾، ثم عطفت عليهم أصحاب اليمين وغيرهم؛ لأنّ مقام السابقين أعلى من مقام غيرهم.
وفي دعاء كميل، يدعو أمير المؤمنين عليه السلام بعبارة: "أَسْرَحَ إِلَيْكَ في مَيادينِ السّابِقينَ". ونقرأ في القرآن الكريم: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 133). وفي الأذان تدعو الجملتان: "حيَّ على الصلاة"، و"حيَّ على الفلاح"، المسلمين إلى المسارعة والسبق إلى الصلاة. والسبق حال المشتاق الذي لا يشتهي طعاماً ولا يلتذّ شراباً، ولا يأنس حميماً، حتى يصل إلى ما اشتاق إليه ويناجيه بلسان الشوق، كما أخبر الله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾(2).

* المقام الثامن: وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ
إنّ الشوق إلى الشهادة من خصائص الحياة والممات المهدويّين. وهذه الفقرة هي علامة على روح التسليم وقبول الحقّ وبذل الروح. وقد لا تتوفر للكثير في ميدان العمل، ويوم الظهور فرصة الحصول على إكسير الشهادة، إلّا أنّ وجود هذه الروحيّة للمنتظِر أمرٌ لازم.

* الاستعداد للشهادة
إنّ نيل الشهادة أمر، والاستعداد للشهادة أمر آخر، فالله تعالى لم يرد إراقة دم إسماعيل، لكنّه أراد الاستعداد الكامل من إبراهيم عليه السلام لتقديم ولده قرباناً. فمن الممكن لنا أن لا ندرك زمان ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، إلّا أنّ انتظار الظهور، والعشق والأنس والاستعداد للحضور في ركابه عجل الله تعالى فرجه الشريف أمرٌ لازم للحياة المهدويّة. وإذا أردنا أن يكون لنا حضور في زمان الرجعة، فعلينا أن نكتسب روحيّة الشهادة وأن نقوم بإعلانها.
وللشهيد والشهادة مقام مميَّز في الثقافة الإسلاميّة؛ يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169). وقد كان أئمّتنا شهداء، وكثير من الأنبياء وأتباعهم وأنصارهم كانوا شهداء أيضاً. وتفيض الروايات بالحديث عن الشهادة، ونكتفي بذكر نماذج منها:
- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "للشهيد سبع خصال من الله: أول قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، (...)، والثالثة يُكسى من كسوة الجنّة، والرابعة تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه، والخامسة أن يرى منزله، والسادسة يقال لروحه: اسرح في الجنّة حيث شئت، والسابعة أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد"(3).
- وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "فوق كلّ ذي بِرٍّ بِرٌّ حتّى يُقتَل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتِلَ في سبيل الله، فليس فوقه برّ"(4).
- ومع أنّ لأمير المؤمنين عليه السلام عشرات الفضائل: أول من آمن، وبات في فراش النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والوحيد الذي لم يُسدّ باب داره إلى مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والد الأئمّة عليهم السلام، زوج الزهراء عليها السلام ومحطّم الأصنام، صاحب ضربة يوم الخندق... إلّا أنّه لم يقل جملة: "فزت وربّ الكعبة" إلّا حين الشهادة.


1- الصحيح من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، السيد جعفر مرتضى العاملي، ج 1، ص 125.
2- مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق عليه السلام، ص 196.
3- وسائل الشيعة، العاملي، ج 10، ص 11.
4-الكافي، الكليني، ج 2، ص 348.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع