وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

شهيد الدفاع عن المقدّسات علي حسين رضا (حيدر)

نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ:
زينب جابر.
محلّ الولادة وتاريخها:
حاروف 18/5/1987م.
رقم القيد:
271.
الوضع الاجتماعي:
متأهّل وله ولدان.
تاريخ الاستشهاد:
رأس المعرّة 18/8/2014م.


وليس هناك أجمل من ذكريات مشاكسة الطفولة، فهي ترسم على الشفتين ابتسامةً تُسكت الكلمات، وتخبّئ دمعات الحنين. وكذا ذكريات "عليّ"، الطفل الذي لا يهدأ، فلا يتعب من لعب، ولا يملّ الإقدام -بفضوله- على كلّ شيء غير عابئٍ بالنتائج، فلا جرحٌ يعنيه، ولا وجع يؤخره، المهم عنده أن يكتشف ويتعلّم، فلم يكن يرضى أن يعجبه عمل فلا يتقنه، حتّى لو كان "جبلة باطون" أراد أن يساعد بها رجلاً وهو ابن عشر سنين، فاستغرب الرجل المتهاون بقدرة ولدٍ طريّ العظام راح يحمل الرفش ويقلِّبُ أمامه الباطون والماء بجدٍّ وتصميم، واستغرب الأهل كثيراً عندما أخبرهم الرجل بما فعله ابنهم وأتقنه.

* الرجل الصغير
هذه المشاكسة الطفولية صُقلت مع الأيام، إذ لم يعد الفضول مجرّد حشرية أو رغبة في التعلّم والمعرفة، بل سخّرها لخدمة الآخرين، فقد أخذت مساعدة الناس حيّزاً في حياته، فهو شخص اجتماعيّ ودود منذ الصغر يعرفه كل أهل قرية حاروف. من مميّزات شخصيّته أنّه عندما كان يعملُ لم يكن يلتهي بشيء، حتّى ولو كان حديثاً عابراً، فقد اعتبرَ أنّ كلّ دقيقة من عمله هي أمانة وحقّ للعمل، وحينما يساعد الناس فإن كلّ دقيقةٍ ثمينة بالنسبة إليه؛ لأنّ لها أجرها عند الله، وأمّا أجره من الناس فهو الدعاء له بالشهادة.
كثيراً ما كانت جرأته تزرع الخوف في قلب أمّه، فكيفما تلفّتت توصيه بالانتباه والحذر، وكيف لا تخاف عليه، وما إن خطّت قدماه الأرض حتّى بدأت دائرة اللهو واللعب الجريء، وفي الخامسة من عمره، تعرّض لحادث سيّارة، فحملته بين ذراعيها وهي تشدّ جرحه، وتتوسّل بأهل البيت عليهم السلام ليستنقذوها من محنتها التي انتهت على خير.

هم أهل البيت الذين تربّى "عليّ" في كنف حكاياهم وقصصهم، فيقوده قلبه إلى حيث هم. فاستئناسه بما يسمع من أحاديثهم وعلومهم، نحتَ في داخله المبادئ الأصيلة، والقيم الفاضلة التي جعلته ينتبه لأدقّ التفاصيل في تصرّفاته.
غلبتِ الجديّة على طباع "عليّ" الذي وجدَ صعوبة في تجاوز أيّ فعل فيه تهـــــاونٌ بالحكم الشرعيّ أو التهذيب، فيصارح الآخريــــن مباشرة، ولا ينتقد أحداً من وراء ظهره ولو على سبيل المحبة، وهو أيضاً عُرف بطيبة قلبه الكبير إذ كان يسارع إلى إرضاء من حوله، فلا يُذكر أنّه أزعج أحداً، بل كانت لديه شجاعة الاعتذار من الآخرين فيما لو أخطأ.

* بداية الطريق
في حرب تموز 2006م، كان "عليّ" في خدمة العلم ولم يوفّق لمشاركة المجاهدين في ساحة جهاد تمنّى في كلّ لحظة أن يكون جزءاً منها. وعندما أنهى خدمته عاد إلى حياته، فكان يساعد والده في عمله، إلى جانب عمله وخدمة الناس، ولكنّه قرّر فجأةً أن يغيّر حياته، فتزوّج ورزق بابنتين، وبموازاة ذلك التحق بالتعبئة العامّة، وقرن العمل الجهاديّ بحياته الشخصية، وصار الجهاد معياراً في اتّخاذه القرارات، فللجهاد عند "عليّ" قدسيّة خاصّة، عاشها أولاً مع والده، فأبوه هو الشخص الوحيد الذي كان ينكّس "عليّ" رأسه أمامه، ولم يكن يردّ له طلباً، وقد أحبه حبّان: حبّ الابن لأبيه، وحبّ المجاهد لقدوته، ومن ثمّ مع رفاقه المجاهدين الذي يرشحون بالإيثار والصدق.
لقد صار "عليّ" أكثر هدوءاً، وأكثر صمتاً، وأكثر تعباً وتحمّلاً للمسؤولية. فمسيرة عمله بدأت من عمر 13 سنة ليساعد أهله في تحمّل عبء الحياة، غير أنّ الظروف اختلفت، فكان يتحيّن فرصة مساعدة والده، ويجالس أمّه، "الخطّ الأحمر" في حياته، فرضاها وراحتها لهما الأولوية، وبين كفّيها ينسى تعب أيامه. أمّا زوجته وابنتاه، فهنّ مملكته الصغيرة التي سيّجها بأهداب عينيه، وحرص على رعايتهنّ بالحبّ والاهتمام الكبيرين، وقد أوصى زوجته دوماً بسماع القرآن هي وابنتاه لما في ذلك من أثر روحي جليلٍ عليهما.

* في سجلّ العاشقين
مع بدء الحرب في سوريا التحق "عليّ" بدورةٍ عسكرية، ومنذ ذلك الحين تغيّر "عليّ" الذي يعرفه الناس، فإن تحدّث بعد سكوت كان حديثه عن الآخرة، ولم يعد يولي أهميّة لأيّ شيءٍ، بل زهد بالدنيا وما فيها، أمّا في محيّاه فتقرأ الكثير من القصص عن الشهداء الذين سبقوه، وصارت ذكرياتهم عتاد الأيام القادمة..
لقد أخذت الحرب معها الكثير من الأحبّة، وليس هناك ما هو أصعب من رحيل الرفاق عندما يقاتلون في خندق واحد كتفاً إلى كتف، وكلما غاب رفيق، غاب معه جزء من الروح التي تجلببت بغربة البقاء..
بين المعسكر وجبهة الدفاع المقدّس، اختزل "عليّ" آخر أيّام حياته، فصار يتناوب بين القتال والتدريب، وخصوصاً أنّ المعركة صعبة وقاسية إن كان على المستوى الجغرافيّ أو البشريّ، ولكن من كان قلبه لله، ألان الله له الحديد، انتزع من نفسه كل شوائبها، وبدا واضحاً وجلياً أنّه جاهد كثيراً في الفترة الأخيرة، فمن يريد أن يكون من الشهداء عليه أن يعيش كالشهداء، وهذا ما عرفه "عليّ".

* خرَّ موسى.. وعرج عليّ
كان تلُّ موسى في "رأس المعرّة" في القلمون، قد وُضِع على لائحة المعارك القاسية، فسقوط تلك المنطقة الاستراتيجية بيد المجاهدين كان له أهميّة كبيرة في رسم المعارك اللاحقة، تلك المعارك البطولية التي لم يكن ليخوضها مجاهدو المقاومة الإسلامية لولا كوكبة من رفاقهم الشهداء الذين كان من ضمنهم "عليّ" الذي تميّز باندفاعه الشديد أثناء تحرير التلّ، وكأنّه هناك استعاد كلّ مشاكسات الطفولة والإقدام والجرأة والشجاعة، استعاد الفضول وحبّ الاستكشاف، ليتقدّم نحو النصر الذي رآه بأمّ عينيه، ولامسه بأطراف أصابعه التي حنّاها نجيعه والتراب، فسلام عليه بما عاهد وصدق، وسلام عليه يوم يعود مع صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع