وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

قصة: أجمل وردة في بيتنا


رقيّة كريمي


عن لسان والدة الشهيد مهدي رعد الذي استشهد في معركة عرسال.

أدخل إلى الحديقة، أرى وردةً جميلة، أنحني قليلاً لأتنشّق عطرها، فتملأ رائحتها الجميلة رئتَيّ، أتذكّر منامي تماماً! قبل سنوات، قبل ولادتك، رأيتُ في منامي أنّي قطفت وردةً جميلة، وعندما فتحت عينيّ مرّرت يدي على بطني، وابتسمتُ قائلةً لكِ بهدوء: "عزيزة ماما، أنتِ بنت، بلا شك".
لم أقم بالفحص ولا الصورة، كنت متأكدة، أنتِ وردتي، ابنتي الجميلة، أنتِ هدية الله، بعد خمسة صبيان.


* * *

‎لم أصدِّق! سألت من جديد: "‎أأنتَ متأكّد؟".
‎ضحك والدكَ وكُنتَ في حضنه، كان يُقبّلك ويضحك وأنت تبكي.
- "من يعلم؟ ربّما سيكون هذا الولد وردةَ حياتنا، من قال إنَّه يجب أن يكون بنتاً؟".
حين وقع والدكَ عن سطح البيت، كم كان عمرك؟ أظنّ أربع سنوات، يومها علقت سترته بالرافعة فوقع على الأرض وتكسّرت أضلاعه، رأسه، عموده الفقريّ، وقُطع نخاعه الشوكيّ، فبدأت أيّامنا الصعبة. كانت أيّاماً صعبةً على والدكَ وعليَّ، وعليكم أيضاً، بعد أربعة أشهر عدنا من المستشفى لكن على الكرسيّ المتحرك!
أتذكّر كيف أنّ كلماتك الطفوليّة أبكت والدك، وشعرتُ كم يودُّ أن ينهض ويأخذك ويضمّك إلى صدره. "يا ريت يا بابا بعرف إنّك شفيت وصرت تحرّك إجريك ورجعت مثل ما كنت".

* * *

‎كنت أراك صغير البيت. ذات مرّة أتيت ووقفت أمام والدك، كنت أَحيكُ سترةً وهو كان يقرأ الصحيفة. نظر إليك من خلف النظّارة وسأل: "إشْبكْ شي؟"، فقلت بعد برهة: "أريد الذهاب إلى الجبهة"، تغيَّر لون والدك، رأيتُ الجريدة ترتعد بين أصابعه، وأنا توقّفت عن الحياكة. كنتُ أنظر إليك بصمت. ابتسم والدُك وأخذ يديك الناعمتين بين يديه وقال: "ألا تريد إكمال الثانويّة والتخصّص مثل إخوتك؟ لن أمنعك من الجهاد، ولكن بعد أن تنهي شهادتك الثانوية، فهمت؟". لم تقل شيئاً، تركت غرفة الجلوس، شعرت أنّ والدك يكاد يطير من فوق كرسيّه من شدّة الفرح، وأنّه يريد أن يهتفُ "هذا البطل هو ابني، ابني أنا، ابني الصغير".

* * *


‎بعد تشييع محمد ابن خالتك، كنّا في طريق العودة إلى البيت، كنتَ تمشي بصمت، لكنّي رأيتُ عينيك المتورّمتين، اللّتين حاولت جاهداً أن تُخفيهما عنّي، قلت لك: "لا تبكِ يا عزيزي. محمد في الجنّة".
قلت بصوت خنقَته العبرة: "نحنا ستة شباب، (وبعدِك ما قدّمتي ولا شهيد بس شاطرين) تقولوا: يا ليتنا كنا معك يا أبا عبد الله. بدي شي فعلي مش حكي".
‎كنتُ أراقبك بصمتٍ حينها، كم كنت تشبه ابن خالتك الشهيد! وهذا الشبه، كان يُرعِبُني!

* * *

‎في ذلك اليوم، فتحت الغرفة حاملاً في يدٍ شهادةَ الثانويّة، وفي الأخرى ملابسك العسكريّة. ابتسمتَ، ابتسم والدك، وأنا، كنتُ أبتسم محاولة أن أقاومُ الدموع التي تسيل من عينَيّ دون استئذان، ‎قلتَ: "بدُّن شباب قنّاصين، أنا بدّي اطلع"، والدك لم يكن يستطيع الجلوس، جرّاء العملية "ما فيي أوقف بطريقك هيدا. الله يكون معك ويحرسك".
‎كنت أُوضّبُ حقائبك، والبيت غارقٌ في صمتٍ عجيب، قلتُ لك‎: "ماذا أضع لك أيضاً؟".
ابتسمتَ وحككتَ شعرك الناعم وقلت: "لا تنسي زيارة عاشوراء والقرآن، حفظت خمسة أجزاء، أخاف أن أنساها،".
‎تلك الليلة لم أستطع أن أنام، كنتُ أبكي في غرفتي ، سمعتُك تطرق باب الغرفة.
فتحتُ الباب، ورأيتُك تبتسم، قلت لك: "أتشكو من شيء يا حبيبي؟"‎ ابتسمت وقلتَ: "أريد أن أنام الليلة عندِك ماما، تضميني بقلبك"، ‎حضنتك قائلة: "ليش عم تعمل هيك ماما؟"، ‎فأجبتني: "عَمْ ودعِك"، حضنتُكَ بقوّة وكنتَ تسمعُ دقّات قلبي مثلَ قلبِ عصفورة تخاف من أن تدمّر العاصفةُ بيتها الصغير.
رأيتكَ حين وصلتَ إلى باب غرفة نوم والدك، تركتَ الحقيبة وجريت نحوه بسرعة باكياً، حضنتَه وقبّلتَه، وعندما كنت في حضنه طلبت منه أن يسامحك. كان يحضنك بصعوبة، كانت دموعه تجري دون أن يشعر، وبعد أن تركت البيت وضع يديه على وجهه، وأجهش باكياً.

* * *

كان ذلك يوم الثلاثاء، رافقتُك إلى السيدة خولة عليها السلام. وقفنا أمام المقام. وضعت يدك على صدرك، وقرأت أنا المعوذتين، وصرتُ أردّد: "يا رادّ يوسف إلى يعقوب، رُدّ لي ابني مهدي"، قبّلتُك للمرّة الأخيرة، كنت تسير مبتعداً، وأنا أراقبك، أُحصي خطواتك كأنني أردتُ أن أركض وأحضنك، أن أُوقفك وأقول لك مرة أخرى: "انظُرْ إليّ ماما، اضحك لي، اسمح لي أن أنظر إليك". ولكنني وقفتُ في مكاني، أراقبك تبتعد بهدوء، والدموع تسيل من عينيّ إلى الأرض.
‎لم ننم حتّى الصباح، بدأت معارك عرسال. وصل خبر شهادة صديقك ياسر شمص، لم أكن أعرف ماذا أفعل. والدك كان صامتاً صمتاً مطبقاً، كنت أعرف أنّه يصمت عندما يقلق، رحت أقرأ القرآن، زيارة عاشوراء، الجوشن الصغير في الليل. ووالدك، لم يتحرّك من أمام شاشة الأخبار، وأنا أرى قلق العالم في عينيه، قلت له: غداً سأذهب لأتبرّع بالدم للمجاهدين الجرحى، نظر إليَّ بصمت، لكنّني سمعت صراخاً من صمته: "ربّ احفظ ابني، وأرجعه إليّ".

* * *

‎لم أتفاجأ، عندما سمعت خبر شهادتك، مع أنّني لم أستطِع ألّا أبكي. وردتي الصغيرة، ألستَ وردتي الصغيرة وهديّة الله إلى حياتنا؟ مذ طرقت باب غرفتي تلك الليلة، وطلبت أن تنام عندي ووضعت رأسك على صدري، فهمت أنك ستستشهد. وذلك الثلاثاء، قرب مقام السيدة خولة عليها السلام عندما وضعتَ يدك على صدرك للمرّة الأخيرة، عندما كنت تشبه ابن خالتك الشهيد "كأنّك هو".
كنتُ أبكي وأنا أسمع صوت والدك يردّ بقوة عندما لامه أحدهم قائلاً: "لماذا سمحت له أن يذهب؟!"، فردّ يومها بكلّ حزم: "إذا كل أب بدُّو يمنع ابنه من الذهاب والمقاومة ويْخَلّيه بحضنه بتصير داعش ببيوتنا".
‎لم يخبرني أحد كيف استشهدت، ولكنني أردت أن أعرف ذلك. قال لي صديقك يومها، حين كنّا عند قبرك، إنّكم في ذلك اليوم من أيّام تموز وفي طقسٍ درجة حرارته عالية جدّاً كنتم تقاومون ببسالة وقد نال العطش من الجميع، وقمت بتضميد جرح صديقك ثم أمّنت له الغطاء لتحميه وتسحبه، وكان القصف ينزل على رؤوسكم كالمطر، وأنت تقول له: "اصبر عزيزي، سأسحبك"، وبعد ثوانٍ، استشهدت، عطشانَ، وصديقك الجريح يبكي، يناديك، وأنت تغمض عينيك، عطشانَ، مثل شهداء كربلاء!
رائحة الوردة تملأ رئتي، أقطفها وأضعها فوق قبرك، أرى عينيك الجميلتين الضاحكتين في الصورة، وابتسامتك الجميلة، أتذكّر حُلمي من جديد، قبل ولادتك، عندما كنتُ أنتظر بنتاً ورزقني الله بكَ، أبتسم وأقول: "أنت أجمل وردة في بيتنا".

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع