لماذا لا يُشجع العلماء على استئصال اللوزتين؟ كيف يهدّد الهاتف بصرك؟ كبسولات النوم في مطارات أوروبا فيتامين يخلّصك من دهون البطن إلى الأبد خبر سارّ للكرة الأرضيّة الوحدة قاتلة بالفعل! المضادات الحيويّة تزيد مخاطر حصوات الكلى الزيتون يكافح السرطان مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!!

شرح دعاء العهد (8): صلواتٌ بزِنة العرش

الشيخ محسن قراءتي



ورد في دعاء العهد السلام على الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها مع عدم الاعتناء بالبعد الجغرافي الخاص، حيث نقول في الدعاء: "اللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلانَا الْإِمَامَ الْهَادِيَ الْمَهْدِيَّ الْقَائِمَ بِأَمْرِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ الطَّاهِرِينَ عَنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا وَعَنِّي وَعَنْ وَالِدَيَّ مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللَّهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ...".

* وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا
كم هو مربٍّ هذا الدعاء! بقراءة هذا الكلام أُعلن أنّي أستحضر بفكري الجميع: في البرِّ والبحر، في السهل والجبل، في المشرق والمغرب، وهذا يعني بتعابير مختلفة، وجميلة جداً: أنّ العلاقة بالآخرين لا يحدّها حدّ.

* وَعَنِّي وَعَنْ وَالِدَيَّ
إشراك الوالدين في الأدعية والزيارات هو من الأمور الجميلة في مذهبنا، فأنا أسلِّم على إمام الزمان عنّي وعن والدَيّ؛ ما يعني أنّ العلاقة لا تقف عند تاريخ محدّد، فأرسل إليه عبق السلام عنّي وعن أجدادي الذين عاشوا ومضَوا سابقاً.

* مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللَّهِ
العلاقة بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يمكن حصرها وإحصاؤها؛ لأنّ هذا الدعاء يتحدّث عن علاقة الصلوات بزِنة عرش الله، حيث لا أحد يعلم عن ذلك شيئاً.
يا إمام الزمان، السلام عليك بعدد زِنة العرش، بعدد كلّ شيء أُحصي في الكتاب، بعدد كلّ شيء أحاط به علمه تعالى.
نحن عندما نشكر الله نقول: اللهمّ أشكرك مائة ألف مرّة. مائة ألف مرّة ليست بشيء، هي بمثابة ما يوضع في كفّ اليد. وأنت القائل: أشكرك مائة ألف مرّة، تريد أن تقول: اللّهمّ انظر كم رفعنا الشكر إليك، بقدر مائة ألف مرّة، وهذه المائة ألف ليست بشيء.
إحدى بنات الإمام الحسين عليه السلام الصغيرات عندما أُدخلت على ابن زياد ويزيد، وسئلت عن حالها لم تقل: الحمد لله مائة ألف مرة، بل قالت: الحمد لله عدد الرمل والحصى. طفلة صغيرة تقول: بعدد الرمل والحصى، ونحن ماذا نقول؟ مائة ألف مرّة، فما أصغر فكرنا إذاً!

* ما هو العرش؟
أُشير في القرآن الكريم عشرون مرّة إلى "عرش الله". وفي اللغة "العرش" بمعنى المكان ذي القوائم المرتفعة المعدّ للجلوس، و"الكرسي" هو المقعد ذي القوائم المنخفضة المعدّ للجلوس.
عندما نقرأ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، يعني كرسيّه يسع هذا الوجود، فكيف بعرشه؟
و"العرش" إمّا كناية عن مركز "القدرة الإلهيّة"، وإمّا عن مركز صدور "الأحكام الإلهيّة". والمراد من حاملي العرش الملائكة الذين عددهم ثمانية، كما تحدّثت الآية الكريمة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: 17).
قيل: إنّ حقيقة العرش ليست واضحة لدينا، ولكن من مجموع الآيات يمكن استفادة هذا المعنى:
إنّ عالم الوجود له مركز، والله سبحانه لديه إحاطة كاملة بهذا المركز: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54). وإجراء الإرادة الإلهية يكون عن طريق الملائكة المحيطين بمركز الأمر.
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: "العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله"(1).

ذكرت الآيات التي تعرّضت للعرش أموراً إلى جانبه، توصل الإنسان من خلال جمعها إلى مركز الأمر، نظير:
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54)، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ (يونس: 3)، ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾ (الرعد: 2)، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ (الحديد: 4).
تبديل الليل بالنهار، وتدبير الأمور، وتفصيل الآيات، والعلم بجميع ذرّات الوجود، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، دليل على أنّ جميع هذه الأمور تقع في العرش الإلهيّ.
يقول المرحوم العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله: "العرش حقيقة من الحقائق العينيّة، وأمر من الأمور الخارجيّة"(2). ويعتبر رحمه الله أنّ العرش مركز تدبير أمور العالم.

* ومِداد كلماته
يقول تعالى في سورة لقمان (الآية 27): ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
لعلّ المراد بسبعة أبحر في هذه الآية الكثرة، ولا خصوصيّة للعدد، يعني لو أنّ جميع ماء البحار مُزج بعضه ببعض، فلا يمكن أنْ تنفد كلمات الله أيضاً.
إنّ منهج الأنبياء هو إخراج الإنسان من السذاجة والمحدوديّة، وربطه باللّامتناهي.
وفي (الآية 109) من سورة الكهف، نقرأ أيضاً: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.

* معنى "كلمة الله" في القرآن
أما كلمة الله التي وردت في هذا الدعاء، فقد أُشير إليها في القرآن الكريم في الموارد الآتية:
1- النعم الإلهية: ﴿لوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
2- السنن الإلهية: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات: 171-172)، و﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾(الشورى: 21).
3- المخلوق الإلهي الخاصّ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ (النساء: 171).
4- الحوادث التي يُبتلى بها الإنسان: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (البقرة: 124).
5- الآيات الإلهيّة في حق السيّدة مريم عليها السلام: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ (التحريم: 12).
6- أسباب انتصار الحق على الباطل: ﴿وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (الأنفال: 7)، و﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ (الشورى: 24).
نستفيد من جميع ما تقدّم، أنّ المراد من "الكلمة" ليس اللّفظ فقط، بل المراد السُّنن، والمخلوقات، والإرادة والألطاف الإلهية التي تتجلّى في الوجود.

وفي الرواية عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال: "نحن الكلمات التي لا تُدرك فضائلنا ولا تُستقصى"(3).
نعم، إنّ أولياء الله هم وسائط الفيض من جهة الذات المقدّسة، وكلّ لطف أو كمال يصل إلى الآخرين إنّما هو بوساطة هؤلاء العظماء.


1- معاني الأخبار، الصدوق، ص 29.
2- تفسير الميزان، الطباطبائيّ، ج 8، ص 156- 158.
3- تفسير نور الثقلين، الحويزيّ، ج 5، ص 788.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع