لماذا لا يُشجع العلماء على استئصال اللوزتين؟ كيف يهدّد الهاتف بصرك؟ كبسولات النوم في مطارات أوروبا فيتامين يخلّصك من دهون البطن إلى الأبد خبر سارّ للكرة الأرضيّة الوحدة قاتلة بالفعل! المضادات الحيويّة تزيد مخاطر حصوات الكلى الزيتون يكافح السرطان مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!!

لنربّيهم صادقين

فاطمة نصر الله(*)


ليس الصدقُ من الصفات الشخصيّة فقط، بل هو قيمةٌ إنسانيّةٌ وأخلاقيّةٌ ودينيّةٌ، يُجسّدها الإنسان في حركة حياته اليوميّة، العامّة والخاصّة. والصدق ملكةٌ يمتدحها العقلاء، ويتعاملون مع مَن يحوزها بتقدير عالٍ واحترامٍ بالغٍ؛ ذلك لِما للصدق من آثار اجتماعيّة على مستوى منظومة العلاقات الإنسانيّة. ولكنّ التحلّي بهذه الملكة وثباتها في الإنسان يحتاجان إلى تربيةٍ وعملٍ دؤوب من جهاتٍ عدّة، كالأهل والمدرسة، وإلّا كان طريق الكذب هو المآل.


* عوامل تَشكُّل شخصيّة الأبناء
تلعب عوامل عدّة دوراً هامّاً في تشكيل شخصيّة الأبناء، وإكسابهم قيمةَ الصدق؛ إذ إنّ الملامح الأولى التي تتشكّل في شخصيّاتهم تبدأ بالظهور منذ اللّحظات الأولى لقدومهم إلى هذه الدنيا. وهذا ما يتحمّل مسؤوليّته الوالدان من خلال الاتجاهات التربويّة المعتمدة من قبلهما. ومن هذه العوامل:
1- العوامل الاجتماعيّة: "الإنسان ابن بيئته". هذه المقولة تجعلنا ندرك -للوهلة الأولى- الأثر البالغ الذي يتعرّض له الفرد من خلال الواقع الاجتماعيّ المتمثّل بالبيئة التي ينشأ فيها ويترعرع. وتشكِّل الأسرة النواة الأولى لهذه البيئة.
ويبدأ تأثير الوالدين على الأبناء منذ المراحل التي يتمّ فيها اختيارهما للزواج؛ إذ إنّ عمليّة الاختيار هذه تحدّد الهُويّة التربويّة للوالد والوالدة، والاتجاه التربويّ الذي سيكون معتمداً من قِبلهما. كما أنّ للمحيط الاجتماعيّ وشبكة العلاقات الإنسانيّة أيضاً الأثر على تنشئة الفرد على قيمة الصدق ومفرداته؛ إذ يتأثّر الأبناء في مراحلهم العمريّة الأولى بالأشخاص الذين يتواصلون معهم بشكلٍ مباشر، كالأهل والأقران والأقارب، سلباً أم إيجاباً. وكلّما ازدادت أعمارهم تشعّبت مصادر التأثير وتنوّعت، لتشمل مؤسّسات المجتمع المختلفة، كالمدرسة والنوادي ودُور العبادة ووسائل الإعلام والتواصل، وغيرها الكثير.

2- العوامل النفسيّة:
ينقل الوالدان للطفل مقوّمات الصدق ضمن أبعادها الثلاثة (الصدق مع الله، الصدق مع الذات والصدق مع الناس) من خلال التعاطي فيما بينهما من جهة، ومع الطفل من جهةٍ أخرى. فالصدق مع الأطفال لا يكفي أن يكون من خلال اللّغة المنطوقة فقط، بل لا بدّ من أن تتعدّاها إلى السلوكيّات اليوميّة المباشرة، والتي يكون أقلّها نوع المفردات التي تُلقى على مسامعه، سواء أكان جنيناً أم حديث الولادة أم في مرحلةٍ من المراحل العمريّة المتتالية.
أ- ضرورة الوئام العائليّ:
إنّ الوئام والتوافق بين الوالدَين ينعكس إيجاباً على استقرار الصِحّة النفسيّة لدى الأبناء؛ إذ إنّ الخلافات الزوجيّة والتوتّرات الدائمة، ولا سيّما التي تحصل على مسمع ومرأى الأبناء، لها تداعياتها الكبرى على الوضع النفسيّ لهم، فيعبّرون عن ذلك سلباً من خلال الاضطرابات السلوكيّة المتعدّدة التي تظهر لديهم، كالكذب والسرقة والانزواء والعدوانيّة والشرود وغيرها.

ب- الوالدان ودَور الوعي التربويّ:
يلعب الوعي التربويّ لدى الوالدَين الدور الأساس في تعزيز الصِحّة النفسيّة عند الأبناء من خلال تفهُّمهما لخصائص مراحلهم العمريّة التي يتعرّضون فيها لمجالات النموّ المختلفة. فعلى سبيل المثال، يعتبر الحديث الخياليّ لدى الأطفال في مرحلة الطفولة الثانية ضروريّاً جدّاً لتعزيز النماء الذهنيّ والوجدانيّ على حدٍّ سواء. والأهل الذين يتعاملون مع أبنائهم على أنّهم كاذبون بما يتحدّثون به من مغامرات خياليّة أو ذكر أسماء لشخصيّات وهميّة، يشوِّهون مفهوم الصدق من جهةٍ، ويجعلون أبناءهم أمام تشتُّت وضياع عن الأسباب التي دعت الأهل إلى هذا النوع من ردّات الفعل من جهةٍ ثانية.

ج- مسؤوليّة المؤسّسات التعليميّة:
لا يقتصر تعزيز الصِحّة النفسيّة عند الأبناء على البعد الأُسريّ في حياتهم، بل يتعدّى ذلك إلى المؤسّسات كافّة التي يرتادها الأطفال كالمدارس وغيرها، بحيث إنّ أسلوب التعاطي من قبل القيّمين على تلك المؤسّسات مع الأطفال، كالاحترام والتقدير والمحبّة والحماية، كلّها أساليب من شأنها أن تقدّم الصورة النقيّة للطفل عن الصدق كقيمة، وعن المصداقيّة كتطبيق.

3- العوامل التربويّة:
التربية عمليّة مقصودة، وهي جزء من منظومة التنشئة العامّة للفرد، والتي تشمل نتاج المجتمع بفعاليّاته كافّة، ابتداءً بالمناهج المعتمدة في مؤسّسات الدولة الرسميّة، وبرامج التربية على المواطنة الصالحة، من خلال الخطط العامّة التي تطال شرائح المجتمع كافّة وَفق رؤى مستقبليّة تأمل منها الدول أن تحقّق طموحها في المُواطِن الذي ترغب في إعداده، والذي بدوره يعتبر الأداة الفعّالة لتطوّر وازدهار الأوطان ومستقبلها.
إنّ أولى المؤسّسات التي أخذت على عاتقها إعداد الفرد وتربيته بشكل مقصود وممنهج هي المدرسة، باعتبارها تمثّل المجتمع الخارجيّ بعناصره كافّة. وللقيام بدورها تحتاج المدرسة إلى التخصُّص الإداريّ والاحتراف الفنيّ-التربويّ كشرطَين ضروريَّين.
أ- تقديم النموذج النفسي للصدق:
إنّ المدرسة مطالبة وبشكل حازم بتقديم النموذج النقيّ للصدق، إنْ من خلال مناهجها التعليميّة والتربويّة، أو من خلال منظومتها في العلاقات الإنسانيّة المعتمدة بين الكادر التعليميّ والإداريّ والمتعلّمين. فعلى سبيل المثال، لا يصحّ للمعلِّم أن يمارس دوره التربويّ الإرشاديّ تجاه المتعلّمين، ولا سيّما في تعزيز مواقف الصدق، في حين أنّه يمارس عكس تعليماته وإرشاداته، فيتحول إلى نموذج سلبيّ مشوِّه لقيمة الصدق في وجدان الطلّاب.

ب- عدم تعزيز النماذج الكاذبة:
كذلك لا يحقّ للمدرسة أن تُضمِّن مناهجَها التعليميّة ما يعزّز الاقتداء بشخصيّات تاريخيّة أو غير تاريخيّة، وتقدّمها للطلّاب كنموذجٍ مثاليٍّ يُقتدى بأفعاله وسلوكه، في حين أنّ بعض هذه الشخصيّات المشهورة جدّاً، والتي تُعتمد من خلال تنفيذ بعض النشاطات التعليميّة المتنوِّعة، كالقصّة والأفلام وغيرها، تُعزّز وتروّج لفكرة الكذب، كشخصيّة "علي بابا" في القصّة المشهورة "علي بابا والأربعون حرامي"، حيث لم يكن "علي بابا" أفضل حالاً من الأربعين لصّاً، الذين سرقوا الذهب من المغارة، فهو أيضاً قد أصبح غنيّاً من خلال حصوله على الذهب (المجهول المالك)، ولجوئه إلى استخدام الكذب في تبرير غناه المفاجئ.
قد لا يتسع المجال للحديث عن الجوانب كافّة المحيطة بالعوامل التربويّة باعتبار أنّ الجهات المجتمعيّة التي تتعاطى مع الفرد لها تأثيرها البالغ في تعزيز أو تشويه منظومة الصدق في حياته، سواء على مستوى النظريّة أو التطبيق.

* الصدق ورضى الله
يعيش الإنسان الصادق حياته على قاعدة أنّ نفسه منه في راحة وبعض الناس منه في عناء. ذلك أنّ الصدق لا يرضي الجميع. فلو كانت نتائج الصدق -على سبيل المثال- لا تتماشى مع مصالح بعض الناس، فإنّهم سيعبّرون عن رفضهم لمواقف الإنسان الصادق ونعته بالقسوة أو العناد أو غيرها من الصفات والنعوت.
إنّ التوازي بين المظهر والجوهر هو من أهم الآثار النفسيّة التي يمكن أن تتحقّق لدى الإنسان الصادق، فهو يعيش حالةً من السكون النفسيّ والسلام الداخليّ التي تهوّن عليه التعامل مع الناس بما لا يُقلق حالته النفسيّة ويضعه في خانة الترقُّب من نتائج الكذب أو الأساليب الملتوية، فضلاً عن أنّ الإنسان الصادق يعلم علم اليقين أنّ الصدق هو إحدى السبل الأساسيّة التي ستقوده إلى رضى الله تعالى عنه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا راحةٌ واستقرار، وفي الآخرة فوزٌ ونجاة.

* صدقوا ففازوا
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقّب بـ"الصادق الأمين" قبل البعثة الشريفة. وصدقه وأمانته صلى الله عليه وآله وسلم كانا الرصيد الوافي الذي تكرّس في وجدان الناس، والذي كان من شأنه أن يكون تمهيداً لدعوة عظيمة كرسالةٍ هي خاتمة الرسالات.
وموقف آخر من مواقف الصدق هو ما انتهجه الحرّ بن يزيد الرياحي، الذي جعجع بالإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى الكوفة، فإنّه هو نفسه قد أعاد حساباته كافّة، وكان صادقاً مع نفسه؛ الأمر الذي جعله يتقدّم من الإمام الحسين عليه السلام، منكّساً سيفه، قالباً درعه؛ ليطلب منه العفو وتحقيق مصداقيّته كأوّل شهيد معه في كربلاء.


(*) مختصّة بالإدارة التربويّة والإرشاد.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع