وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

الافتتاحية: الدينُ المعاملة


رئيس التحرير


أمام عظمة المفاهيم الإلهية تصغر كل المفاهيم التي صنعها المخلوق وحيال مفهوم إلهي واحد تتضاءل مفاهيم الإنسان، ذلك أن الله تعالى هو الأدرى والأعلم بطبيعة البشر وصلاحهم، وبالتالي فإن الأخلاق التي بُعث نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم لإتمامها، هي التي تصنع المؤمنين وتبني الملتزمين وهي التي تُشكِّل علامة فارقة ومميزة لدى كل داعية وملتزم، وقبل أن يستشكل عليّ قارئي الكريم مستعرضاً بوناً شاسعاً بين الفرضية والواقع، أقول: إني أتحدث عن التعاليم الإسلامية والآداب الخلقية متجاوزاً الحالات التي عليها مضى كثير ممن يفترض بهم أن يتحلّوا بها ويتزينوا بحلّتها، وهذا ما حملني على الكتابة وحمّلني القلم لأكتب أسفاً ولوعة بسبب عدم الاستفادة من عظمة أخلاق الرسالة، ويحضرني دائماً الحديث النبوي الشريف "الدين المعاملة" لأجول بعد التمعّن في أبعاده،

 جولة مدانية على معاملة المسلمين، ولستهنا في صدد الحديث عن عباداتهم وصلواتهم وبكائهم في الليل والسَّحر، لأن الجولة حسب الاتفاق هي على المعاملة، فماذا عن العلاقة بين الزوج وزوجته وأي معاملة هي السائدة والحاكمة على سير سلوكهما؟ وماذا عن الوالدين والأبناء وعن معاملة الجيران؟ وكيف هي العلاقة بين التجّار الذين يحفظون أسماء الجلالة وأسماء الأنبياء والأولياء لتُستعمل في القَسَم واليمين لتكون سلعتهم
رائجة حتى ليخيّل لك أنها حُفظت لأجل مصالح آنية وضيّقة؟

وإذا ما سألنا عن أخلاقيات المسلمين ومعاملاتهم الحياتية نذهل للنتيجة التي نتوصل إليها وتكون كالصاعقة التي تصدم واقعنا وتجرح المشاعر الإسلامية الرقيقة التي حرص أهل بيت العصمة على اتباعهم أن يلتزموها فكانوا يؤكدون على شيعتهم بقولهم عليه الصلاة والسلام "كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً" و"كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم" وإلى آخر أحاديثهم التي تؤكد على الدعوة الصامتة البعيدة عن كل الضجيج والضوضاء، أما الواقع المرصود فكأنه مرصود لشياطين الإنس والجن. وأذكر هنا قولاً صادقاً لأحد الحكماء قاله بعد أن عاين واقعاً سيئاً فعبَّر عن مكنونات صدره بنفثة المصدور فقال: "أيها.. إن مراكبكم فرعونية وأوانيكم نمرودية وأموالكم قارونية وأحاديثكم شيطانية، فأين المحمدية؟".

وأذكر أني عالجت مشكلة بين زوجين مختلفين وكانت الزوجة تبدي استغراباً من زوجها لم تستطع تجاوزه حينما كانت تلّح بسؤالها قائلة: كيف يصلي وصلاته لا تغيّر ما فيه من معاملة خشنة؟ ولما سمعت مقالتها تفهّمت ما هي عليه، لأنها لم تكن تستوعب أن الصلاة تجتمع مع المعاملة السيئة ولما رحت أشرح لها معنى قول الله: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.." كانت تسأل عن صلاة زوجها التي لا تنهاه عن المعاملة المعهودة، وهذا السؤال وغيره يبقى برسم كل المصلين الصائمين والحجاج والملتزمين، فإلى متى تبقى الصلاة مجمّدة مع أنها مشروع حياة وحركة؟ وإلى متى تبقى العبادات في عالم بينما المعاملات في عالم آخر؟

هل كانت بعثة الأنبياء للأمور العبادية فقط؟ وهل القرآن الكريم تحدث عن الصلاة والصوم وغفل عن حقوق الناس ومعاملاتهم ومداراتهم؟
وهل كان الأئمة الأطهار يتغاضون عن معاملة الناس ومساعدتهم؟ ألم يذكروا (عليهم السلام) في أحاديثهم القول الشهير "خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله والنفع لعباده"، وألم يكن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر أن ميزان القرب من الله هو بالقرب من عباده والتقرّب إلى عياله (عزّ وجلّ)؟ وماذا عن الفقراء والمساكين في مدرسة الإسلام؟ وماذا عن المفاهيم الأخلاقية في الدستور الإلهي؟
وأخيراً، سؤال يطرح نفسه دائماً وبإلحاح، هل التديُّن محصور بالحالات العبادية ولا شأن له بالمعاملة؟ فإلى متى نحجّمه ونحصره ونسجنه في أقفاص وزنازين أفكارنا البالية والهشة؟. والتي لا تقدّم الإسلام وأخلاقه كما هي، وإنما تقدمه كما نحن، فلو تصورت النملة أن العالم كله هو بيتها فهل يمكن لهذا التصوّر أن يلغي عالمنا الرحب؟
ولو زعم بعض الناس أن الدين هو مجرد طقوس عبادية ليس إلاّ! فهل يمكن لهذا الزعم والخيال أن يغيّر واقع الدين وحقيقته وجوهره وكنه أسراره؟
 

أضيف في: | عدد المشاهدات: