لماذا لا يُشجع العلماء على استئصال اللوزتين؟ كيف يهدّد الهاتف بصرك؟ كبسولات النوم في مطارات أوروبا فيتامين يخلّصك من دهون البطن إلى الأبد خبر سارّ للكرة الأرضيّة الوحدة قاتلة بالفعل! المضادات الحيويّة تزيد مخاطر حصوات الكلى الزيتون يكافح السرطان مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!!

شهيد الدفاع عن المقدّسات عبد حسن عيسى (عيسى)


نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ: ليلى علّو.
محلّ الولادة وتاريخها:
جبشيت 22/6/1979م.
رقم القيد:
139.
الوضع الاجتماعي:
متأهل وله ثلاثة أولاد.
تاريـخ الاستشـهاد:
القصير 20/5/2013م.



البيوت ليست حجارة.. البيوت ذكريات عابقة بالحبّ والحنين.. وبيوت الفقراء مُسدلةٌ عليها ستائر القناعة التي تفوح منها رائحةُ الألفة والمحبة، والقناعة والرضى، تراها في الكادّين ليل نهار جهاداً أمام أولادهم.. هكذا كان منزل أهل الشهيد عبد عيسى في قرية جبشيت.. غرفة صغيرة، ضمّت عائلة كبيرة، وضجيجاً من قصص مضت ولا تزالُ ماثلةً في البال..


* بضحكته تحدّى الاحتلال
كان عبد بين إخوته السبعة فتىً شقياً، لا يتعبُ من اللعب والتنقّل بين الحقول والبساتين، وكأنّه كان يتحدّى الخوف والاحتلال بضحكاته البريئة، وكأنّه كان بركضه بين دبابات العدوّ الإسرائيلي يقول لها: "هذه الأرض بسمائها وترابها ومداها لي..".

أشرقت على وجهه الطفولي أولى خيوط فجر المقاومة، فعاش -كما أبناء تلك الحقبة- في عيَني الشيخ راغب حرب، يلوذ بعباءته وينهل من فيضه؛ ما ذكّى فيه روح التمرّد على العمرِ، فتحيّر كيف يمكن أن يكون من تلك الثلة التي يسمع عنها؛ قلّة أرعبت الجنود الصهاينة وقهقرتهم رويداً رويداً.. اغتيل الشيخ راغب حرب، ونما دمه في شرايين الأمّة، وصار عبد يخترعُ العمليّات العسكرية التي تتناسب مع عمره وقدراته، فإذا غاب عن البيت عاد ممزّق الثياب، حافي القدمين إلّا ممّا تبقى من هيكل الحذاء...

* بين قسوة الحرب وغدر الاحتلال
خرج عبد إلى معترك العمل باكراً جدّاً، فشهد عليه ندى الفجر وهو يشتلُ ما لا يعرف إنْ كان سيحصده، فقد كانت المدافع الإسرائيلية من المواقع المشرفة، تحرق تعب الجنوبيّين وكدّهم، وقد ولّد هذا الأمر في نفسه غضباً لم يُسكته شيء سوى أخبار عمليّات المجاهدين وانتصاراتهم.

كان عبد محبّاً لخدمة الناس. لم يؤخّره شيء عن خدمتهم ومساعدتهم، فما يجنيه من المخرطة حيث يعمل لا يتقاسمه مع الآخرين فحسب، بل يكاد لا يبقي لنفسه إلا النّزر اليسير، وكانت أمه -من حرصها وخوفها عليه- في بعض الأحيان تلومه على عدم تفكيره في تأمين مستقبله، فكان يُطيّب خاطرها بكلامه الليّن والحنون، ويطلب إليها ألّا تحمل همّه، فهو يعرف كيف يتدبّر أموره، فكان متّكلاً على الله، لا يخشى همّ الغد، ولا يحسب له حساباً، فاللهُ هو الرزّاق ذو القوّة المتين.

* مع الدفاع المدني... منقذاً
اجتمعَ البأس مع الحنان المفرط في قلب عبد، ولذلك تطوّع مع الدفاع المدني، حيث أمضى سنوات عرف فيها بشجاعته وإقدامه، وخصوصاً في الحروب الشرسة التي شنّها العدوّ الإسرائيلي على القرى الآمنة، وكم كان يتألّم فؤاده إذا لم يُوفق في إنقاذ أحد وسبقته المنية إليه!

من أجمل مغامرات عبد وأخيه، رغبتهما في اصطياد السمكِ من النهرِ في قرية مجاورة لجبشيت، وكان الوصول إليه صعباً محفوفاً بمخاطر قذائف العدوّ الإسرائيلي.. فعبر وأخوه الضباب وصقيع الفجر ونزلا في منحدر صخري طويل وجد فيه الشوك حرية التمدد، حتى إذا ما وصلا إلى الضفة، رأى عبد الأسماك تتراقص في صفاء الماء، فسلبه المشهد لبّه، وجلس متفكراً في روعة الخَلق، ولم يوقظه من تلك الحال إلّا خطأ أخيه الذي رمى صاعقاً في الماء فأصدر صوتاً مدوّياً دفع العدو إلى استهداف المنطقة، فاختبآ في جذع شجرة، وانتظرا الهدوء الذي ما إن أسدل على المكان، حتّى سارعا إلى الصيد عوضَ الهرب، فعادا عند الصباح، بصيدٍ وفير، ليجدا الناس في هرجٍ ومرجٍ عَرفا أنّ سببه اندحار العدوّ الصهيونيّ..

* يوصل الدواء بين القذائف
في سنوات السلم، قلّب عبد حياته بطمأنينة وسكينة، حتى إذا ما دقَّ نفير الحرب في تموز من العام 2006م، رابط مع المجاهدين كتفاً إلى كتف، وكانت تلك الأيام مليئة بالمشاهدات التي جذبت روح عبد إلى المجاهدين، وعرّفتهم بالمقابل إلى بطل مقدام، يمشي على حافات الموت لاستنقاذ الحياة.. وكان بين فترة وأخرى يقطع مسافة على دراجته الناريّة تحت عيون الطائرات وبين القذائف ليوصل دواءً إلى مريضةٍ تسكنُ في جوار منزل أهله منعها المرض من مغادرة القرية.

* مبادرٌ متفانٍ رغم الخطر
ما إن انتهت حرب تموز حتى تطوّع عبد في الدفاع المدني للمقاومة الإسلاميّة، وتحققت أمنيته التي راودته منذ أن كان طفلاً، فخضع لدورات عديدة زادت من خبرته في إنقاذ الناس. وقد عُرف بين رفاقه بالمبادرة والتفاني، ولكنّه في حدّة الخطر واشتعاله، لم يكن ليؤثر أحداً على نفسه، بل كان يقف في المقدّمة، ويشقُّ عباب المخاطر والأهوال، وهذا ما حصل عند استهداف أحد مخازن المقاومة، فبينما كانت الذخيرة تنفجر، قصد المكان لينقذ ما يستطيع ولو رصاصة..

تزوّج عبد وأسّس عائلته الصغيرة، غمرها بالحب الذي يفيض منه، وربّى أولاده على الخصال التي رأوها فيه، فهم تعلّموا التديّن الأصيل والحب والخير والشجاعة منه، فكان نعم المربّي بأفعاله.

* أريد أن أُدخلكِ الجنّة
ما إن بدأت حرب الدفاع عن المقدّسات حتّى كان عبد أوّل الملتحقين بالمجاهدين، ضمن اختصاصه، وسعى جهده كي يُفرز بين المجاهدين المقتحمين. وبعد عدة مرابطات بدأ يمهّد لأمّه خبر استشهاده، فهو أدرى بقلبها الرقيق المحبّ، وكم خشيَ عليها من لحظةٍ ينصدع فيه ما بين ضلوعها، ولكنّ الخاتمة الواضحة بالنسبة إليه، جعلته يمضي قدماً في ذلك التمهيد، فكان دائماً يقول لها: "أريد أن أُدخلكِ الجنّة".

* الطريق إلى الله
وتبدّلت ملامح ذلك الضحوك المحدِّث، وصار الصمتُ أكثر سكناً على شفتيه، وتغيّرت أحواله، فانقطع إلى الله في أغلب الأوقات، وكان في كل مرّة يضعُ فيها شهيداً في سيارة الإسعاف ويمضي به، يسأل نفسه: متى يحين دوري؟!

كانت المعاركُ حامية الوطيس، وكلما جُرح أحد المجاهدين، أو ارتفع أحدهم شهيداً، يبادر عبد إلى الدخول إلى ساحة الخطر وسحبه، وكلّما انتهى دوره وحان وقتُ المسعف البديل، أخّره عبد لموعد آخر، إلى أن تدخّل مسؤوله في العمل وطلب إليه الترجّل من السيارة وتسليمه المفاتيح ليذهب الأخ البديل، ويمنح عبد نفسه قسطاً قليلاً من الراحة، فلم يكن من عبد إلّا أن أصرّ على الذهاب كمرافق للأخ بحجّة أن يرشده إلى الطريق..

كان عبد يعرف الطريق جيّداً.. كان يدرك أنّها توصله إلى الله.. كان قلبه يخفق بشدّة وهو يمضي، وفاضَ البِشرُ من وجهه، وكأنّه كان يعلم أنْ لا رجوع بعد هذا المفترق.. وسكتَ قلبه إثر رصاصة قنصٍ، فارتاحت نفسه، وأخذ لنفسه بعد أيّام من الجهاد قسطاً طويلاً من الراحة.. التي لم يسعَ إلّا لها..

لقد افتقد المجاهدون برحيله أخاً حنوناً، ونموذجاً لرجلٍ كان يبذل كلّ ما في وسعه لإنقاذ الأرواح، وبذل كل ما في وسعه ليفتدي بروحه الإسلام المحمّدي - الحسينيّ- الزينبيّ الأصيل.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع