وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

تربية: اعدلوا بين أولادكم(1)


الشيخ سامر توفيق عجمي(*)


"اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم"(1). رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثمّة مشكلات تربويّة عديدة تعيشها مجتمعاتنا داخل الأسرة أو المدرسة أو النادي الرياضيّ أو غيرها من المؤسّسات المعنيّة بشؤون تربية الطفل، من أبرزها ظاهرة التمييز بين الأطفال، حيث نلاحظ مثلاً أنّ بعض الآباء يفضّلون ابناً على آخر، أو يقدّمون الذكر على الأنثى، كما نلاحظ أيضاً أنّ بعض المعلّمين والأساتذة يهتمّون بتلميذ أكثر من آخر.

ومن الضروريّ أن نتساءل: هل لهذا النمط من التمييز بين الأطفال ارتدادات خطيرة؟ وهل العدالة تشمل العاطفة بين الأبناء؟ وكيف يُمكن أن يكون التمييز أحياناً من مقتضيات العدالة التربويّة؟

* التفضيل يورث العداوة
لا شكّ في أنّ لهذا النمط من التعامل ارتداداتٍ خطيرةً؛ إذ يساهم في إيجاد مناخ تسود فيه مجموعة من القيم السالبة في العلاقات بين أعضاء الأسرة الواحدة، فيحسد بعضهم بعضاً، أو يتكبّر بعضهم على بعض، أو يبغض بعضهم بعضاً، أو يعتدي بعضهم على بعض... إلخ.
لذا، يقول الشهيد الثاني في تعليل كراهة تفضيل بعض الأبناء على بعض: "... لأنّ التفضيل يورث العداوة والشحناء بين الأولاد، كما هو الواقع شاهداً وغابراً، ولدلالة ذلك على رغبة الأب في المفضَّل، المثير للحسد، المفضي إلى قطيعة الرحم"(2).

وقد أسّس المنهاج الإسلاميّ أصلاً تربويّاً نستطيع بتطبيقه أن نواجه هذه الظاهرة ونعالج آثارها، وهو "العدالة التربوية".

* أبعاد العدالة التربويّة
تنطوي العدالة التربويّة على بعدين:
الأول: موجِب، ويكون بإعطاء كلّ ذي استعداد ما هو مستعدّ له من الكمال.

والثاني: سالب، وهو عدم التمييز السلبيّ بين الأطفال في التربية والتعليم...
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أبعد الخلق من الله رجلان: رجل يُجالس الأمراء، فما قالوا من جور صدّقهم عليه، ومعلِّم الصبيان لا يواسي بينهم..."(3).
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله تعالى يُحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل"(4). وعن الإمام الصادق عليه السلام: "نظر رسول الله إلى رجل له ابنان، فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال له النبي: فهلّا واسيت بينهما؟!"(5).

وهذا الأصل (أي العدالة) مبدأ قرآنيّ ينبغي أن يظلّل الحياة الإنسانيّة في مختلف خطوط علاقاتها، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (المائدة: 5).

* العدالة في العاطفة أم السلوك؟
جَبلَ الله سبحانه وتعالى الإنسان على حبّ الأطفال بأصل الخلقة، وعجن في قلب الوالدين الميل العاطفيّ تجاه أبنائهم، إلّا أنّ لهذا الحبّ مراتب، تختلف شدّة وضعفاً، وقد لا يتحكّم الإنسان بدرجته في الكثير من الحالات. لذا نلاحظ أنّ الفقهاء وفلاسفة الأخلاق قد ميّزوا بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، معتبرين الأولى، كالحب والبغض والحسد والوسوسة، غير واقعة تحت اختيار الإنسان وإرادته الحرّة دائماً(6).

وبناءً عليه، نسمع من بعض الأهل أو المعلّمين أنّ شدة حبّي لهذا الطفل أو ذاك خارج دائرة سيطرتي، فلماذا تحاسبونني على أمر غير اختياريّ بالنسبة إليّ؟

لا ينبغي التعامل بذهنيّة التبسيط مع هذا السؤال، بل تجب الإجابة عنه بنحو يرفع الالتباس الحاصل على هذا الصعيد؛ إذ على المربّي أن يلتفت إلى أنّ الحديث عن العدالة يكون في مجالين:
الأول: العدالة القلبيّة في العاطفة والحبّ والشوق...
والثاني: العدالة السلوكيّة في خطّ علاقة المربّي بالمتربّي وتعامله معه.
وإذا افترضنا أنّ النحو الأوّل من العدالة غير اختياريّ للإنسان إلّا أنّ النحو الثاني واقع تحت إرادة الإنسان واختياره.

وفي هذا السياق، نفهم مثلاً ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطّيرة، والحسد، والظنّ. قيل: فما نصنع؟ قال عليه السلام: إذا تطيّرت فامضِ، وإذا حسدت فلا تبغِ، وإذا ظننت فلا تُحقّق"(7). صحيح أنّ النهي قد لا يتعلّق بأفعال القلوب كالحبّ والشوق مباشرة، ولكنّه يتعلق بمقدّماتها أو ما يُترجم عنها من سلوكات معيّنة.

وإذا أردنا أن نضرب مثلاً قرآنياً لتقريب الفكرة، لا نجد أجمل من حديث القرآن عن العدالة بين النساء حال تعدّد الزوجات في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ (النساء: 126)، حيث حمل الفقهاء نفي استطاعة العدالة على العدالة القلبية في المحبّة، كما ورد في بعض الروايات(8)، دون العدالة في السلوك وترتيب الأثر الخارجيّ(9).

وكذلك الأمر في ما يتعلّق بتربية الأطفال، فإذا كان الإنسان غير قادر على التحكّم بمشاعره القلبيّة وأحاسيسه الوجدانية تجاه أطفاله وأولاده، إلّا أنّه قادر على التحكّم بتصرّفاته تجاههم.

* العدالة بين التمييز الإيجابيّ والتمييز السلبيّ
وقد يُثار سؤال آخر أيضاً، وهو أنّ طبيعة الأطفال مختلفة ومتنوّعة حسب الجنس أو المرحلة العمريّة أو الخصائص النمائيّة أو استعدادات الذكاء...، والعدالة تعني إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه وكلّ ذي استعداد ما هو مستعدّ له من الكمالات، وهذا يستدعي أن يكون هناك تمايز في التعامل على ضوء الفروقات الفرديّة بين الأطفال، وبالتالي التمييز بين الأطفال في المعاملة لا يعارض العدالة التربويّة، بل هو جزء منها، فكيف نطالب بعدم التمييز بين الأطفال؟!

يكمن الجواب عن هذا السؤال الوجيه في تقسيم التمييز إلى نوعين:
الأول: التمييز السلبيّ، وهو نقيض العدالة ولا يجتمع معها. لذا، يكون التعامل مع الأطفال على ضوء هذا النمط من التمييز ظلماً بحقّ بعضهم، وله آثار سلبيّة على الأسرة.
والثاني: التمييز الإيجابيّ، وهو مقتضى العدالة، وينبغي أن يتصرّف المربّي في ضوء معطياته.

فكلّ مرحلة عمريّة لها خصائصها ومميزاتها، فمثلاً الطفل ابن سنة يحتاج إلى أن يحمله أهله ويهتمّوا بنظافته الشخصيّة وإطعامه ووضعه في سريره بأيديهم... إلخ، في حين أنّ الطفل ابن خمس سنوات مثلاً ينبغي أن يؤدّب بنحو يأكل الطعام بنفسه، ويغسل يديه بنفسه، ويذهب إلى سريره بنفسه. والطفل الذي لديه استعدادات ضعيفة من الذكاء وصعوبات تعلّم يحتاج إلى عناية خاصّة، وبالمقابل فإنّ الطفل الذي لديه استعدادات ذكاء أفضل لا يحتاج إلى ذلك. وبناءً عليه، لا يكون معنى العدالة التربويّة هنا هو أن يقوم المربّي بالمساواة؛ لأنّ هذا خلاف مقتضى التربية التي تُريد أن توصل الطفل إلى كماله اللائق بحاله من الاعتماد على ذاته وإكسابه المهارات اللازمة لإدارة حياته... إلخ.

* خصوصيّة الطفل تقتضي العدالة
وبهذا، يتبيّن أنّ المقارنة إنّما يُمكن أن تحصل بين الطفل الأول والثاني في ما يُمكن الاشتراك فيه لا في ما هو مورد للتمايز والاختلاف، بمعنى أنه على الأب أو الأم مثلاً أن يُظهرا للطفل الآخر أن مزيد اهتمامهم ورعايتهم بالأول هو لخصوصيّة فيه، إمّا سلبيّة كالمرض والإعاقة وصعوبات التعلّم... وإما إيجابيّة كحسن الخلق والجد في الدراسة و... وعليهم جعل الخصوصيّة الأولى مورداً لتعاطف الطفل الثاني مع الأول، وأن يشركاه معهم في التمييز الإيجابيّ مع الطفل المريض مثلاً، بحيث يصدر عنه الاهتمام به ورعايته، ويشجعانه على ذلك، ويمدحانه، ويقدّرانه... بأن يُقال له مثلاً: اهتمّ بأخيك أو أختك، تكلّم معه ولاعبه، أطعمه طعامه... وبهذا الشكل لا يشعر بأنّ التميُّز الإيجابي لصالح الطفل الآخر ظلماً بحقّه.

وفي الخصوصية الإيجابية، تقتضي العدالة إعطاء كلّ ذي حقٍّ من الأبناء ما هو مستحقٌّ له على ضوء كمالاته الاختيارية التي يسعى لتحصيلها، من المعرفة والخلق الكريم والمهارات الحسنة... والتي تجعله متميّزاً فيستحقّ المعاملة المميّزة مكافأة له وثواباً وتشجيعاً وتحفيزاً للتسامي، مع التنبيه إلى جعل الطفل الآخر يعي أنّ مثار التميُّز ليس لأخيه أو أخته من حيث ذاته، وإنّما بسبب سيره في خطّ التكامل.


(*) مدير مركز التحديات الثقافية المعاصرة، ومؤلف وباحث تربوي، وأستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالمية، فرع لبنان.
1.كنز العمال، المتقي الهندي، ج16، ص445.
2.مسالك الأفهام، الشهيد الثاني، ج6، ص28.
3.ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ص2543.
4.(م.ن)، ج4، ص3673.
5.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج3، ص483.
6.بدائع الأفكار، حبيب الله الرشتي، ص385.
7.بحار الأنوار، المجلسي، ج55، ص320.
8.سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عليه السلام عن معنى الآية المذكورة، فقال عليه السلام: "يعني في المودّة". الكافي، الكليني، ج5، ص363.
9.فقه الصادق، محمد صادق الروحاني، ج22، ص228.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع