نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

شهيد الدفاع عن المقدّسات مهدي محسن رعد (حيدر علي)


نسرين إدريس قازان


اسم الأمّ:
ماجدة رعد.
محل الولادة وتاريخها:
14/11/1999م.
رقم القيد:
72.
الوضع الاجتماعي:
عازب.
تاريخ الاستشهاد:
جرود عرسال 21/7/2017.


الشمسُ لاهبة والحرُّ شديد، وقلوبٌ أعارت لله جماجمها فبصرها كان حديداً. رموا ببصرهم أقصى القوم، لا مكان للتراجع في ذلك اليوم.. جرود مدّت أذْرعتها تعانق مَداس أقدامهم، فخبطُها على اليباس كنبض القلوب.. سنواتٌ عجافٌ من القهر لحدود الأرض، ورجال أبَوا أنْ يكونوا إلّا الأرض. إنّها معركة تحرير جرود عرسال التي أطلقها رسميّاً سماحة السيد حسن نصر الله (حفظه الله)، فلبّته الأرواح، وتسابقت إلى تلك البقاع لتفوز الفوز العظيم..


لم يكن قد مضى على نيْل مهدي الشهادة الثانوية بدرجة جيّد جدّاً إلّا أيّام، لكنّ وجه القمر كان يرمي إلى شهادة العزّ والفخر، وكما رفع هذا الشابُ رأس أهله منذ ولادته، أبى أنْ تكون خاتمةُ حياته إلّا وقد لامسَ فخرهم النجوم.


* نشاطٌ لا يهدأ
ابن بلدة بعلبك، في حياته الكثيرُ من بدايات كانت ترمي إلى نهاية واحدة اختارها هو ببصيرته النافذة منذ صغره، فمهدي إنْ أردنا وصفه، هو كتلة من نشاط وحركة لا تهدأ، في كلّ الأمكنة وفي كلّ المناسبات لا يغيب وجهه عن الحضور والمشاركة. حَبَك أوقاته بعضها ببعض حبْكاً يكادُ لا يترك فيها بين القطبة والأخرى متنفّساً له، وكأنّه كان يعلمُ في قرارة نفسه الصافية أنّ أيّامه بين جدران هذه الدنيا قليلة، فاشتغل على أن يُضفي على قلّتها الكثير من البصمات المتميّزة التي خُلّدت مع اسمه.

"مهدي" وما أجمله من اسم! وما أروعه من ارتباط وثيق بصاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف! هو ابن أسرة ملتزمة، وتعملُ جاهدة لتربية الأبناء ليكونوا من جيل الممهّدين لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وقد حرصتْ أمه على الكثير من المستحبّات أثناء حملها به، وهو لا يزالُ جنيناً في رحمها وتعاملتْ مع الأمر وكأنّه تكليفها في هذه الحياة، وقد رزقها الله قبل مهدي أربعة صبية، فتمنّى قلبها أنْ يكون الجنين فتاة، وخصوصاً أنّها رأت في منامها أنّها دخلت حديقة ورد وقطفت منها أجمل وردة، ولكنّها سرعان ما أدركت أنّ مولودها صبيّ، وأنّه حقّاً أجمل وردة.

* التزم الصلاة باكراً
أبصر مهدي النور، وترعرع في كنفٍ دافئ من الحبّ، وبانت على محيّاهُ الفطنة، وتدرّجت أيّامه على الأخلاق، حتّى صار مضربَ مثلٍ في سلوكه وتهذيبه، ولم يكد يكبر قليلاً حتّى التحق بكشّافة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، فصار بين مدرسة المهديّ في بعلبك والكشّافة يتغذّى القيّم والتعاليم الإسلاميّة الأصيلة، وقد التزم الصلاة قبل بلوغ سنّ التكليف، وكان يفرشُ سجّادته للصلاة بالقرب من أحد والديه ليُحاكي بقيامه وقعوده صلاتهم، في سلوكٍ روحيّ من فطرة نقيّة.

كانت أمُّه خازنة أسراره، ينظر في عينيها ويفضي بما في قلبه، وهل عسى أن يكون لابن السابعة عشر ربيعاً همّ؟! ولكن مَن كان مثل مهدي لا ريب في أنَّ لديه الكثير ممّا يحمل همّه؛ فهو يفكّر كيف يساعد ذاك ماديّاً، وكيف يخدم هذا، وكيف يخفّف عن الناس، فيغرق في تفكيره الصامت الباحث عن حلول بشكل دائم.

* قلبٌ محبّ
القلبُ المحبُّ لم يغمض له جفنٌ وفي الناس مُتعَبٌ، وكان له رفيق في المدرسة طرأت على حياته ظروفٌ خاصّة، أدت إلى تراجعه في الدراسة وإهماله لنفسه، فوقف مهدي بالقرب منه، واشتغل بمحبة عالية على جبرِ خاطره، والتخفيف عنه، ومساعدته للعودة إلى ما كان عليه، وبالفعل فقد أثمرت جهود مهدي نجاح الطالب.

* دعاؤه دوماً "اللهمّ بحقّ فاطمة"
التحقّ مهدي بالدورات العسكريّة أثناء إجازاته المدرسيّة وهو في الرابعة عشرة من عمره، وكالعادة، كانت نتائجه مميّزة.
للكثير من العطاء لا بدّ للروح من شحذ همّتها دوماً. التحق مهدي بمدرسة القرآن الكريم صغيراً، وحفظ خمسةَ أجزاء، وكان يواظب على الدعاء، وخصوصاً دعاء النُدبة وكما واظب على زيارة عاشوراء، أمّا في قنوت صلاته فكان يكرّر دوماً: "اللّهمّ بحقّ فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها أن ترزقني شهادةً مُطهّرة". وتجلّت هذه الروح الإيمانيّة على صفحات وجهه، فكان يأسرُ القلوب بمجرّد حضوره.

* تعلّم منه الصبر على البلاء
عاون مهدي أمّه في شؤون المنزل كلما سنحت له الفرصة، وكذلك الأمر مع أبيه؛ إذ كان رضاهُ فوق كلّ اعتبار، ولم يكن ليقدم على شيء، مهما يكن، إنْ لم يقبل والده به. وقد تأثّر مهدي كثيراً بإصابة والده بعد أن تعرّض لحادث مؤسف أقعده عن العمل، وتعلّم منه الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله.

في الوقت الذي كان فيه مهدي يستعد للالتحاق بالجامعة، التحق بالمجاهدين المتوجّهين إلى معركة الجرود. في تلك الليلة طلب مهدي إلى أمه أن ينام بالقرب منها، فاستغربت أمره، وأمضى ليلته الأخيرة كطفل صغير تضمّه أمّه إليها، وفي الصباح شرب القهوة مع والديه، ووضّب حقيبته واضعاً فيها كتاب القرآن وزيارة عاشوراء وصورة ابن خالته الشهيد السيد محمد إبراهيم. وقبيل أن يمضي سألته والدته إنْ كان يريد أن تعطيه حرزاً، فتبسّم قائلاً: "الحرز هو ربّ العالمين".

لقد كان مهدي واعياً جدّاً لخطورة هذه المعركة وحسّاسيتها، وكان دائمَ القول: "إذا وصل التكفيريّون إلينا ماذا سيجري علينا؟"، ولهذا كان شغوفاً بالالتحاق بصفوف المجاهدين المدافعين عن حرم السيدة زينب عليها السلام، والذائدين عن حرمة الأرض والوطن.

* علينا الآن أنْ ننصر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
ولأنّ مهدي بنى علاقة خاصّة مع إمام زمانه منذ نعومةِ أظفاره، كان يعلمُ أنّ لكل منّا ما يقوم به للتمهيد لحضرته، فقام بما عليه، بما يتناسبُ مع كلّ مرحلة عمريّة، ولهذا كان يقول: "إنّنا إذا لم نكن الآن.. الآن من أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ونصرناه، لن ننصره حتّى لو رأيناه بعيوننا"..

هناك في سماء ذلك الجرْد الممتدّ إلى السماء، وفي يوم جمعة مبارك، يوم صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، توّسد مهدي التراب مخضبّاً بدمه، في معركة ظنّها الكثيرون أنّها صعبة وقاسية، ولكنّها تكسّرت على سواعد المجاهدين.

ليس غريباً أن يرحل مهدي باكراً، فالنفوس الطاهرة لا ترتاحُ إلّا في مكانها المناسب، ومَن كان مثل مهدي فإن العالم الحقيقي لهذا الخلق هو مكانه، فهنيئاً له من شهيد في مقتبل العمر، وهنيئاً له من مجاهد يخرجُ من قبره ملبياً دعوة الداعي: "لبّيك يا صاحب الزمان".


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع