مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!! زرع دماغ بشريّ للفئران خطر جديد للأجهزة الذكيّة! تضاعُف الميول الانتحاريّة لدى أطفال أمريكا بلاستيك يمكن إعادة تدويره إلى ما لا نهاية "جهاد" اسم ممنوع في فرنسا احذروا الدمى في أسرّة أطفالكم! ورق جدران يحذّر من الحريق! لبنانيّ يحصل على 71 مليون دولار من "فورد"

القادة الشهداء: رجل المهمّات الصعبة


إعداد: زينب صالح


حين وقف على محاذاة الشريط الحدوديّ عام 2000م، ما رأى من تلك المستعمرات إلّا أرضاً ستعود إلى فلسطين. كانت تلك هي خارطته. فلسطين كانت قبلته في كلّ خطواته، فكان يقول مخاطباً كلّ الأجيال التي عاينَتْه، وتلك التي ستأتي من بعده: "... ليس في الأمر جدل ولا مساومة، ونحن غير معنيّين بأيّ قرار يتّخذه أيّ طرف في العالم لمنح "إسرائيل" شرعيّة البقاء. ونحن لا نتحدّث عن شيء غير واقعيّ".


* انتفاضة حيّة حتّى بعد عروجه

كان زوال إسرائيل بالنسبة إليه حتميّاً لا جدل فيه: "وإلى جانب قناعاتنا الدينيّة لدينا كثير من الأسباب العلميّة التي تدفعنا إلى الاقتناع أكثر بأنّ زوال "إسرائيل" مسألة مرتبطة بما نفعله نحن، أهل فلسطين داخلها وفي محيطها وفي العالمَين العربيّ والإسلاميّ"..

رجلٌ لا تُرضيه تقهقرات العدو المتتالية أمام ضرباته؛ لأنّه رسم الخطّة أبعد بكثير من تصوّرات العالم. وما كان يرى من الكيان سوى حتميّة الزوال.. زوال إسرائيل من الوجود.. الحلم الذي سعى إلى خطّ استراتيجيّاته على صفحات حياته.. لتبقى انتفاضته حيّة حتّى بعد عروجه.. ويظلّ هو المنتصر الأكبر..

* ابن "بيت أبو عماد"

عماد هو ابن ذاك البيت المتواضع البسيط، بيتٌ استمدّ منه قوّته الداخليّة ورباطة جأشه، يوزّع بسماته في بيت "أبو عماد"، يرقب ردّ فعل الوالد المسنّ (رحمه الله) لدى سماعه خبر استشهاد الولد الثالث، الولد الأخير، فتظهر صور القوّة، ونرى صور "عماد" في كلام الوالد.. فعندما قالوا له: "لقد تعرّض الحاج عماد لحادث سير".. بكى طويلاً.. قائلاً: "ما كنت أتمنّى له نهاية كهذه"، حتّى جاء الردّ: "لقد استشهد في تفجير سيّارته في دمشق.."، فانفرجت أساريره قائلاً: "الله يطمّنكم طمّنتوني"..

* "الشباب شرحوا لي"
في يوم التحرير، اصطحب أمّه في جولة على الحدود، فما كان منها إلّا أن سألته: هل تظنّ أنّك تستطيع الآن التنقّل بحريّة؟ فقال لها: لا تهتمّوا بالتفاصيل. افرحوا في هذا اليوم. خلال الجولة كان الحاج عماد يشرح بعض التفاصيل عن جغرافيا المنطقة ووجود قوّات الاحتلال. استوقفته والدته: "وأنتَ من أين لك هذه المعلومات؟"، فأجاب: "الشباب شرحوا لي كلّ شيء!".

بعد شهادة أخوَيْه جهاد وفؤاد كانت تأنس به. سألها بعد شهادة شقيقه الثاني: "خبّروني إنّك كنتِ تعبانة"، فأجابته: "يعني هو الولد الثاني"، فقال: "وكيف بس يصيروا تلاتة ويروح عماد؟".

تلك الأم كانت تعرف.. فكانت تنتظر شهادته قبل سنوات كثيرة من اغتياله؛ أي عندما كان في السابعة عشرة من عمره. لكنّ العدوّ كان أضعف بكثير، وأكثر فشلاً وتشتّتاً رغم كلّ مخطّطاته؛ إذ بقي عماد يحرّك في عدوّه أجهزة المخابرات وشبكات العملاء وطواقم الرّصد طويلاً وهو يتنقّل بحريّة من مكان إلى مكان، يطلّ على بيته حيث ينتظره أولاده دائماً، فيحلّ "الحضور السحريّ" الذي يعوّض كل غياب. تقول ابنته فاطمة: "أمّي صوّرت لنا عمل والدي بأنّه الجنّة. نترقّب حضوره بشغف. وعندما كان يشكو أحدٌ من غيابه كان يجيبه وين انتظارنا للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف؟".

* "الروحيّة هي الأصل"
كما يقول المقرّبون عنه، الذين التقوا به وعرفوه: عماد مغنية لم يكن يهمّه ما يقول عنه الآخرون، وكيف يفكّرون. همّه الأساس هو المقاومة، وفلسطين، فكان يقول: "الروحيّة هي الأصل، والروح هي التي تقاتل فينا". لم يعنه صنع شخصيّة عنه، لا داخل البيئة اللّصيقة به ولا داخل جمهور حزب الله ولا حتّى على الصعيد العام. كان يدخل إلى أمكنة واحتفالات وفنادق وتظاهرات واجتماعات، يدخل دكاكين شعبيّة، يركب سيّارات أجرة، فانات، ولم يكن بحاجة خلال التنقل إلى أيّ نوع من الإجراءات. وكلّما كان يكبر الحزب، كانت تزيد مجهوليّته؛ لأنّ مسؤوليّته كانت تزيد.

* الرجل المسيطر
الكلّ يُجمع على أنّ عماد مغنية لم تعنِ له الأنا يوماً شيئاً، كان يعمل بإخلاص، من أجل الوطن والقضيّة، حتّى صار أسطورة تحفظها الأجيال والتاريخ. يقول وزير الدفاع الإيرانيّ دهقانيّ، في وصف عماد مغنيّة: "في الحقيقة أريد أن أقول إنّه كان مسيطراً على نفسه بكلّ ما للكلمة من معنى، ويقبل ببساطة أن يكون منفّذاً لأعلى وأقوى الإجراءات دون أن تُنسب إليه هذه الإجراءات، أو هذه الأعمال مطلقاً، أو أن يتصرّف بطريقة توحي للآخرين ارتباطه بتنفيذ هذا الأمر".

* هو "الإنسان"
يُخطئ من يحصر عقل الحاج عماد بمصطلحَيْ "عقل عسكريّ"، و"عقل أمنيّ"؛ لأنّه كان "عقلاً شاملاً، عقلاً يهتمّ بكلّ شي. كان يريد الاستفادة من كلّ الطاقات ومن كلّ المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة"، يقول السيد إبراهيم السيد، ويضيف: "إذا أجرينا مقارنة ما بين حجم المهام وحجم الإنجاز وحجم الظهور لدى الحاج عماد، فنحن أمام إنجازات كبرى وضخمة مع ظهور صفر..، رجل يستطيع أن يُخفي ذاته مع مهامه، هذه مسألة تربويّة وإيمانيّة عالية جدّاً، وهي في حدّ ذاتها مدرسة من مدارس الإسلام".

لم يكن موقع الحاج عماد حاجزاً بينه وبين أحد، ولم يكن يكلّف أحداً بأن يرتقي إليه، "فلم يكن يعيش عقدة الموقع مطلقاً مع أيّ شخص. هذا أعرفه تماماً عن الحاج"، يقول السيّد.

ويضيف: "الجانب الآخر وهو مهمّ جدّاً. لنفترض أنّه حصلت معي مشكلة وجلست في المنزل، لم يكن الحاج ليحكم عليّ غيابياً، ولا ليتجاهل غيابيّ. كان يبذل أيّ جُهد لحلّ المشاكل، وكان يرى إمكانيّة أن يُحلّ أيّ أمر. هذا مؤشّر على "طيب الذات".. ومؤشّر في المعنى الحقيقيّ على قوّة الذات. ولأنّ تواضع الأقوياء هو عزّة، حينما يساعد القوي الضعيف، أو الذي عنده مشكلة، فليس في ذلك إذلال، بل هو حرصٌ ومسؤوليّة وحبّ".

* إنسانيته دائماً قبل مهمّته
يستغرب المرء كيف برجل يحقّق كلّ تلك الإنجازات العسكريّة والأمنيّة، وفي الوقت نفسه يتمتّع بروح الإنسانيّة والرحمة مع جميع مَن يُعاشره، بل حتّى صار يُقال عنه: "ذابت مواقعه في إنسانيّته، فتراه إنساناً دائماً".

* عندما يتحدّث عنه العدوّ
عماد مغنية حتّى بعد شهادته ما زال يخيف عدوّه، وما زال الأخير يحلّل في شخصيّته ويحاول فكّ شيفراتها. وهذا في حدّ ذاته انتصار لا سابق له؛ إذ يقول "ديفيد بركاي"، مسؤول رفيع المستوى عمل سابقاً في وحدة الاستخبارات: "... هذا يخيفني بعض الشيء، وهو لا يزال يخيفني. لم يكن مغنيّة مخرّباً، بل كان استراتيجيّاً استخدم الإرهاب كجزء من استراتيجيّته".

أمّا "آمون شاحاك"، رئيس هيئة الأركان سابقاً، فيقول: "عماد مغنيّة كان جريئاً، وذكياً، ومثّل خطراً حقيقياً على دولة إسرائيل. فلنعترف بالحقيقة... مغنيّة كان عبقريّاً. لا يمكن نفي هذا عنه. بالنسبة إليه لم يكن هناك شيء لا يستطيع الوصول إليه في لبنان... كلّ شخص وكلّ مكان".

"أحد الأمور المدهشة هو صوره التي ظهرت على مواقع كثيرة على شبكة الإنترنت. في الحقيقة هذه المرّة الأولى التي أرى فيها الرجل يعرض نفسه لكاميرا، يرتدي نظّارات حديثة، قصّة شعر لطيفة، ولحيته مشذّبة، وينظر إلى الكاميرا كأنّه يقول: "أنا الآن شخص مشهور. وهذا لا يشبه أبداً عماد مغنيّة الذي عرفته"، يقول "ديفيد بار"، مسؤول سابق في الاستخبارات.

* المنتصر الأكبر
ما معنى أن يتمكّن العدوّ من اغتيال فردٍ واحد، بعد 25 عاماً من اللّحاق به من درب إلى درب؟ عماد مغنيّة كان واحداً، يتجوّل، يمشي في الطرقات وينتظر دوره في الساحات. كان رجلاً مفرداً، في عقله وهمّته وروحيّته، وكانوا جيوشاً يرصدون ملايين الدولارات كهديّة لمن يجلب خبراً عنه.. لكنّ أمّه كانت تدعو الله ألّا يموت إلّا شهيداً.. فاستجاب لها.. حتّى في الشهادة عرف مغنيّة كيف يستخدم أعداءه حتّى يكونوا له جسر العبور نحو راحته الأبديّة، ليقف من هناك ويراقب امتداد حُلمه، عزيمة الشباب التي نشأت من تحت يديه طيلة خمسة وعشرين عاماً، فيسجّل في معادلات القوة أسطورة بقائه.. ذاك المنتصر الأكبر الذي لن تنساه ذاكرة الأبد.

تحل علينا ذكرى القائد عماد مغنية، وقد رحل عنّا في هذه السنة والده أبو الشهداء الحاج فايز مغنيّة وبهذه المناسبة تتقدّم أسرة مجلّة بقيّة الله من عائلته الكريمة بأحر التعازي، سائلين المولى سبحانه أن يحشره مع النبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم والشهداء والصديقين.


1.المصادر: جريدة الأخبار، صباح المنار، القناة الثانية الإسرائيلية.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع