"حزب الله" صورة العام أوّل حبّة دواء رقميّة في العالم اليمن على حافة مجاعة مرعبة إطلاق أوّل قناة تلفزيونيّة إسلاميّة في كينيا توظيف الغربان "عمّال نظافة" في شوارع هولندا! الجنود الروس ممنوعون من التقاط "السيلفي" المُحَلّيات الاصطناعية خطر يهدّد الأطفال إنتاج الكهرباء من الدموع البشرية! رائحة البلاستيك تُحاكي غذاء الأسماك قلبك سيكون كلمة السرّ!

مجتمع: الكوميديا الهابطة...تخطّت الحدود


تحقيق: زهراء عودي شكر


بعد العشاء، تجتمع العائلة بصمت أمام الشاشة لتشاهد برنامجاً كوميدياً ساخراً يخفّف عناء الحياة، وإذ بالأمور تتفلّت ليبدأ الأبناء بالاستفهام عن معاني تلك الكلمات التي يسمعونها وقد أضحكت "الكبار" أو أثارت سخطهم، فيتنبّه الأهل إلى أنّ تلك الألفاظ "النابية" قد دخلت منزلهم للتوّ عبر برنامج اعتقدوا أنّه سيضحكهم فقط، وفاتَهم أنّه أحياناً: شرّ البليّة ما يُضحك.

لنتساءل: ماذا حصل؟ ولمَ أضحى النقد الساخر على شاشاتنا مبتذلاً سفيهاً؟ ولمَ غاب النقد البنّاء؟ أَلِضعف الإعلام أم لِهشاشة الفهم؟


* شرّ البليّة ما يضحك
راجت البرامج الكوميديّة التلفزيونيّة على شاشات القنوات اللّبنانية كما العربية، ويُعزى رواجها إلى مشاكل الوضع السياسيّ، بالإضافة إلى الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ ليشكّل أرضاً خصبـــة للنقد الساخر، الذي أضحــى متنفّساً للهروب من واقع مريـــر متخم بالأزمات والمشاكل المزمنة.

لكن اليوم، مع تنوّع وسائل التواصل الاجتماعيّ، وغياب المعايير الأخلاقيّة والدينيّة، وكذلك المحاسبة القانونيّة وانعدام الرقابة، خرجت هذه البرامج عن إطارها الطبيعيّ وهدفها النبيل، المنوط بوضع الإصبع على الجرح، ومحاولة إيجاد حلول بأسلوب فكاهيّ راقٍ، يرسم البسمة على وجه المشاهد وينفح قلبه بالفرح، وبتنا نشاهد برامج كوميديّة مبتذلة تخدش الحياء، وقد وصل تفلّتها إلى حدّ الوقاحة إلى درجة أنّ تلك العبارات البذيئة أضحت أمراً مألوفاً، لا يستدعي الخجل!

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يصعب على البرامج الفنيّة الكوميديّة أن تؤدّي هدفها المرح دون الخروج عن السياق الأخلاقيّ؟ وهل الفكاهة تعني النقد اللّاذع الذي يحمل عباراتٍ مسيئة، كالشّتم والكذب والإساءة وتصيّد الأخطاء وعدم مراعاة الحرمات؟ وهل باتت الفكاهة تهدف إلى إثارة الغرائز بدلاً من حلّ المشاكل؟

* المُشاهد بين الإقبال والرفض
تتسمّر شريحة واسعة من اللبنانيّين أمام برامج الكوميديا المتلفَزة على أنواعها. وبين هذا وذاك تختلف الآراء، فالحاجة فاطمة (ربّة منزل)، تعمل على تحصين أولادها من برامج التلفاز ككلّ ومن برامج "الكوميديا" على وجه الخصوص، وتقول: "لا أدري إلى أيّ مدى سأتمكّن من ضبط الوضع، فأولادي يكبرون، وسيأتي يومٌ قد لا أستطيع منعهم فيه من سماع نكات هذه البرامج البذيئة أو حمايتهم من المحيط الاجتماعيّ، الذي يهوى بطبعه أجواء هذه النكات".

وعلى العكس، تجد يوسف الشابّ العشرينيّ، مندفعاً نحو هذه البرامج ويعتبرها مصدر سلوى له ولأترابه، ولا يهمّه مدى بذاءتها، فعلى حدّ تعبيره: "بطبعي أهوى المرح والمزاح، وأجد نفسي في (السكتشات) الفكاهية". وبالنسبة إلى تمرير بعض المشاهــد الإيحائية أو العبـــارات النابية، يقول: "ليس لديّ مشكلة، فأولاً أنا راشد، وثانياً لا نكهة للنكات دون تمرير بعض الإيحاءات الجريئة".

أمّا الحاج أبو حسين (بقّال)، فيشكو ممّا يسمعه من نكات الأولاد التي تتجاوز أعمارهم ويتعجّب: "كيف يسمح الأهل لأطفالهم بمشاهدة هذه البرامج؟! كلّ ما أفهمه أنّ هذه البرامج تزيد أخلاق أبنائنا سوءاً".

* تصنيفها "للكبار" ليس حلّاً
لا يمكن إنكار أنّ وسائل الاتّصال الحديثة والهواتف الذكيّة ومواقع التواصل والفضائيّات، باتت الرفيق المقرّب لأفراد العائلة كباراً وصغاراً، وما لا يمكن مشاهدته على التلفاز، أصبح لقمة سائغة بمتناول اليد في أيّ وقت "بكبسة زرّ" وهذا أخطر ما في الأمر، بالنظر إلى فئة الأطفال والشباب، الذين عادةً ما تستهويهم الفكاهة، وتستميلهم هذه البرامج.

أمّا تحديد الفئة العمرية التي يُسمح لها بمشاهدة هذه البرامج وتصنيفها بأنّها "للكبار فقط"، فلا يُسقط الملامَة عن أكتاف صنّاع هذه البرامج؛ لأنّه ليس هناك ما يضمن عدم متابعة الأطفال والمراهقين لها؛ وفي هذه الحال، تكون هذه البرامج شريكة في المشاكل الاجتماعيّة، بدلاً من أن تكون وسيلة فكاهيّة تطرح الحلّ. وكذلك المشاهد يُعتبر شريكاً في هذا الخطأ؛ إذ يجب عليه أن يقف بوعي ويرفض ما لا يليق به وبدينه ومجتمعه، والأهمّ أن يراقب أبناءه ويعمل على توعيتهم.

* "الكوميديا السهلة" ليست ذكيّة
أمّا عن واقع الفكرة والإنتاج، فنتساءل: ألا يملك المعدّون أهدافاً لهذه البرامج؟ هل غاب عنهم البرمجة الفكرية التي يخضعون الناس لها؟ فإن كانت البرامج الكوميديّة مربحةً بكل أنواعها، فلِمَ الهبوط والابتذال؟ للإجابة عن ذلك أعددنا لقاءً مع الإعلاميّ في قناة المنار الحاج "أنور جمعة"، الذي قال -ونتيجة اطّلاعه ومراقبته للبرامج الكوميديّة-: "نشهد منذ فترة فَورة في البرامج الكوميديّة التي يأمل أصحاب المحطّات التلفزيونيّة أن ترفع نسبة المشاهدة لدى محطّاتهم، ما يفسّر التنافس بينها في خوض غمار هذا العالم الاحترافيّ بامتياز. لكن السؤال: إلى أيّ مدى يرافق الاحتراف هذه البرامج؟ ففي الأغلب اعتمد المنتجون على النصّ الكوميديّ بنسبة عالية على حساب الأداء الكوميديّ. واعتمد اللّون الكوميديّ في الغالب على السفاهة والانتقاد الساخر، وهذا ما يُعبّر عنه بـ"الكوميديا السهلة"، وليس الذكيّة، وهنا الفرق بين الكوميديا التي تُضحك مختلف الأذواق ببراعة واحتراف، والكوميديا التي لا يستذوقها إلّا من يمتّعه التهريج".

* تخطّي الحدود: ضعف وهشاشة
وبالنسبة إلى استعمال العبارات والمشاهد المسيئة للأخلاق، يعتبر الحاج "أنور" أنّ هذا النوع "ينخرط في مجال الكوميديا الهابطة التي تثير الضحك لجرأتها على تخطّي الحدود الأخلاقيّة وهو ما يلجأ إليه مَن لا يُتقن فنون الكوميديا المتعدّدة، وبالتالي يصبح هذا النوع من الكوميديا مقتصراً على ذوّاقين من فئة معينة، دون شريحة من المـشاهــدين تحــرص عـلـى رُقيّــــها الأخلاقيّ".

كما أشار الحاج "أنور" إلى "أنّ هذه الكوميديا هي على عكس الكوميديا الراقية والمبدعة التي تُضحك مختلف الأجيال، وتبقى حيّة مع مرور الزمن؛ لاعتمادها على مختلف فنون الكوميديا نصّاً وإيحاءً وتمثيلاً، بما يتقبّله الجميع". أمّا تأثير هذه البرامج في المشاهد، فقد نبّه إلى أنّ "التلفزيون له دور هامّ على المستوى التربويّ سلباً أم إيجاباً، لما له من تأثير على تثبيت المفاهيم لدى الناشئة، فإن تحدّى المفاهيم الأخلاقية كان دوره سلبيّاً، وإن لم يفعل كان دوره إيجابيّاً. وفي عالم الكوميديا الخطورة مضاعفة؛ لأنّ برامج الضحك تجد سبيلها إلى القلب بطريقة أسرع من أيّ برنامج تربويّ".

* لكوميديا مُبدعة راقية
ويضيف الحاج أنور جمعة: "لا يخفى على أحد أنّ مهمّة تخطّي هذه البرامج والتخلّص من تأثيراتها أمر صعب؛ نظراً إلى قدرة البرامج الكوميدية على اختراق القلوب والنفوس، الكبار والصغار؛ ما يلقي على عاتقنا مسؤولية كبيرة للمواجهة، تتمثّل بالسعي في كلّ ما يساهم في بناء الشخصيّة الأخلاقيّة، على أنْ يتلاءم هذا السعي مع اللغة العصرية المنسجمة مع لغة الشباب". أمّا عن البديل، فلفت "جمعة" إلى "ضرورة عدم إهمال البرامج الترفيهية في منظومتنا الإعلامية الملتزمة، بما فيها الكوميديا المبدعة الجذّابة، التي من شأنها أن تحوز اهتمام الجمهور أكثر من غيرها، وتتفوّق على تلك الهابطة، ولا يمنع أن تتضمّن الانتقاد الساخر، شرط أن تستند إلى المعلومة الصحيحة دون النزول إلى مستوى التجريح والابتذال، إذ إنّ الجديّة المفرطـــة من ناحية ما، قتلــــت شاشاتنا وأبعدت الجمهور عنها، فإنْ أردنا إيصال أفكارنا إلى الناس، يجـــب أن نجعـــل الابتسامــة اللطيفــة مـن بيــن مكوّنات برامجنا".

* لا تجوز مشاهدة برامج التفلّت
في ما يخصّ رأي الشرع في هذه البرامج، يقول سماحة السيد فيصل شكر: "لا بدّ لأيّ برنامج تلفزيونيّ كوميديّ أو توجيهيّ من أن يخدم الحركة التربوية والأخلاقية والسلوكية للمجتمع بأطيافه كافّة، ومن هنا تكون المعادلة: بقدر ما يخدم البرنامج السلوك الأخلاقيّ والتربويّ للأفراد، بقدر ما تكون وجهته الشرعيّة صحيحة. أمّا عندما يؤدّي إلى التفلّت الأخلاقيّ والتفكّك الأسريّ، فإنّه يعتبر شرعاً حراماً مطلقاً على كلّ صعيد، إنتاجاً ومتابعةً".

ويعتبر السيّد: "أنّ الكثير من البرامج الكوميديّة، التي تعرض على الفضائيّات خارجة عن الإطار الشرعيّ والقانونيّ والأخلاقيّ؛ إذ إنّ مفهوم الضحك أصبح مرتبطاً بالكلام البذيء والتعليقات السخيفة، ولعلّ من نتائج ذلك التفلّت الأخلاقيّ الواضح ومستوى الكلام والحديث المتدنّي الرائج حاليّاً بين الناس، وما يؤدّي إلى آثار سلبيّة واضحة تعصف بالمجتمع، بدءاً بالتفكّك العائلي والفساد الأسري. من هنا أتوجّه إلى الفئات الشابّة من الإخوة والأخوات لينظروا إلى ما ينفعهم على صعيد مستقبل حياتهم بكلّ أشكاله العلمية والسلوكية والمكانة الاجتماعية، ولينظروا إلى ما يحقّق لهم سعادة الدارَين".

* حرمتها لمنافاتها الأخلاق
يوضّح مدير عام مكتب الوكيل الشرعيّ للإمام السيّد عليّ الخامنئي دام ظله في لبنان الشيخ محمد توفيق المقداد الحكم الشرعيّ لمشاهدة هذه البرامج، قائلاً: "تحرم مشاهدة البرامج الكوميديّة البذيئة؛ لمنافاتها للعرف الاجتماعيّ العام وللعادات والتقاليد المأخوذة من الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة. فالشرع الإسلاميّ يحرّم كلّ ما من شأنه أن يساعد على إشاعة الفحشاء والمنكر في المجتمع. وقيم هذه البرامج ليست من تراثنا الإسلاميّ الأصيل، وإنّما ثقافةٌ مستوردةٌ، منتشرةٌ في عالم الغرب. وإذا كانت مشاهدتها حراماً شرعاً فمن باب أولى أن يكون إنتاجها محرّماً بكلّ تفاصيله ومفرداته، بدءاً بالممثّلين والمموّلين والمخرجين، وتحرم إعانتهم من أيّ شخص أو جهة في أيّ تفصيل من تفاصيل الإنتاج، وصولاً إلى مرحلة العرض التلفزيونيّ أو المسرحيّ بلا فرق. وحرمة المشاهدة تشمل الجميع بلا استثناء، الزوجين أو الراشدين، ومهما كان العنوان الذي قد يتذرّع به بعضهم لمشاهدة هذه البرامج؛ فهي مبرّرات لا قيمة لها ولا يصح التذرّع بها إطلاقاً. فهذه البرامج حرام وهي منافية للأخلاق الحميدة، وتذهب بالحياء الذي يتميّز به الإنسان السويّ عن غيره من المجرّدين من إنسانيتهم وفطرتهم السليمة، التي تنفر من هذه البرامج الساقطة أخلاقيّاً وتربويّاً.

أخيراً، لا شكّ في أنّ احتلال البرامج الكوميدية مساحة من الفضاء التلفزيونيّ، يُشكّل متنفّساً للمشاهد، ويأخذ بيده نحو عالم ملؤه الضحك والابتسام ولو لدقائق معدودة، ولكنّ الأهمّ من ذلك كلّه أنْ يعتمد مضمونُ هذه الرسائل الكوميدية الواقعية والأمانة، والتسلية أيضاً، وأن يكون مبدعاً على مستوى الفكرة، راقياً بمستوى المشاهد. وهنا تحديداً يعرف المشاهد نفسه، فسوق العرض فيه الغثّ والسمين، فحاول أن تختار ما يشبهك وما يليق بك.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع