مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

نور روح الله: ...والراحةَ عند الموت (*)



ينكشف للإنسان الذي أوشك على الرحيل بعض مقاماته وأحواله. وهذا ما نفهمه من الأحاديث الشريفة، ومتَّفقٌ مع البرهان، ومتلائم مع مكاشفات أصحاب الكشف والعيان. وباختلاف حال الإنسان في هذه الحال نجده إمّا راغباً في لقاء الله ومشتاقاً إليه، وإمّا ماقتاً لقاءه وكارهاً له.

* ستشاهد صور أعمالك!

إنّ الإنسان ما دام مشغولاً بتعمير هذا العالم، وقلبه متّجهاً نحو هذه النشأة، وما دام سُكر الطبيعة وعالم المادة قد أغماه وأفقده وعيه، والشهوة والغضب قد خدّرتاه وسلبتاه لُبَّه، فهو محجوبٌ نهائيّاً عن صور أعماله وأخلاقه، التي تكون آثارها مهجورةً في ملكوت قلبه. ولكن عندما تغشاه سكرات الموت وتواجهه صعابها وضغوطها، ويبتعد قليلاً عن هذه النشأة، فإذا كان من أهل الإيمان واليقين، وكان قلبه متعلقاً بهذه العوالم المادّيّة، اتّجه قلبه إلى ذلك العالم وانكشف له نموذج من عالم البرزخ، وتنفتح له من عالم الغيب كُوّة، فيرى بعضاً من حاله ومقامه، كما نُقل عن أمير المؤمنين عليه السلام: "حرامٌ على كلِّ نفس أن تخرج من الدنيا حتّى تعلم أنّها من أهل الجنّة هي أم من أهل النار"(1).

* برزخُك دليل آخرتك

ولا بدَّ من أن تعرف أنّ برزخ كلّ شخص، نموذج من نشأته يوم القيامة. والبرزخ عالم يتوسط بين هذا العالم وعالم القيامة، وتنفتح على هذا العالم كُوّة من الجنّة أو النار، "القبر إمّا روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران"(2).

فتبيّن: أنّ الإنسان لدى سكرات الموت والاحتضار يشاهد صور أعماله وآثارها، ويسمع من ملك الموت بشارة الجنّة أو الوعيد بالنار.

* خُذني إليك

فكما إنّ صور أعمال الإنسان تنكشف له قليلاً، كذلك تنكشف له الآثار التي تركتها أعماله وأفعاله في قلبه، فإنْ كان الإنسان من أهل الإيمان والسعادة، يستعدّ قلبه عند معاينة البرزخ لمشاهدة نفحات اللُّطف، والجمال، وتظهر فيه آثار تجلِّياتها، فيأخذ القلب في الحبّ للقاء الله، وتشتعل فيه جذوة الاشتياق إلى جمال المحبوب، فيتوق إلى الموت ولقاء كرامات الحقّ، ويرتحل من هذا العالم مع البهجة والسرور والرَّوح والريحان. ولا يعرف أحد إلّا الله مقدار اللذّات والكرامات الموجودة في هذا التجلّي والاشتياق. ولا تطيق الأعين المُلكيّة والذائقة الماديّة رؤيةَ هذه الكرامات ومشاهدة هذه البهجة والفرح.

* إلهي: امحُ شقوتي

إذا كان الإنسان من أهل الأعمال القبيحة والأفعال السيّئة، انكشف له بقدر نصيبه من دار الدنيا وما وفّره واكتسبه لنفسه منها من آثار السخط والقهر الإلهي، فيشاهد نموذجاً من دار الأشقياء، فيدخل الذعر والهلع في نفسه، فلا يكون شيء عنده أبغض من الرحيل من هذا العالم، فيُرَحَّل بكلّ عنف وقسوة وعذاب لا يعرف حجمها أحد إلّا الحقّ المقدّس.

ويستفاد من هذا البيان: أنّ الإنسان لدى الاحتضار والمعاينة يشاهد ما كان فيه وهو غير واقف عليه، رغم أنّه بذر بنفسه هذه المعاينة والمشاهدة في عالم وجوده.

* انظر: فبصرُكَ اليومَ حديد

إنّ الحياة الدنيوية كانت ستاراً ملقىً على عيوبنا، وحجاباً على وجه أهل المعارف. وعندما يزاح هذا الستار، ويُخترق هذا الحجاب، يرى الإنسان نموذجاً ممّا أعدّه، وممّا كان فيه.

إنّ الإنسان لا يرى في العوالم الأخرى من العذاب والعقاب إلّا ما وفّره وهيّأه في هذه الدنيا، ولا يشاهد في العالم الآخر إلّا صورة ما أنجزه في هذا العالم من الأعمال الصالحة والخلق الحسن، والعقائد الصحيحة، مع رؤيته لما يتفضّل عليه الحقّ المتعالي بلطفه من الكرامات الأخرى.

فلا بدّ من أن نعلم أنّنا إذا تعلّقنا بالحقّ المتعالي وأوليائه، ووضعنا في رقابنا حبل طاعة الذات المقدس، وجعلنا اتجاه القلب إلهيّاً وربّانيّاً، لظهرت أمامنا، حين النزع، الحقائق بعينها في صور بهيّة. وعلى العكس إذا كانت قلوبنا ذات صبغة دنيويّة، وانصراف عن الحقّ، فمن الممكن أن تُبذر فيها شيئاً فشيئاً بذور عداوة الحقّ والأولياء، وتشتدّ هذه العداوة، حين المعاينة، فتظهر آثارها الغريبة الموحشة.

* اجعلْ قلبي إلهيّاً

إذاً، فلنسعَ في سبيل تطوير حالة القلب، وجعلها إلهيّة، وتوجيهها نحو الحقّ المتعالي وأوليائه ودار كرامته. وهذا يحصل بالتفكّر في آلاء الذات المقدّس ونعمائه، والمحافظة على طاعته وعبادته. ولكن يجب أن لا يعتمد الإنسان على نفسه ومساعيه، بل يستعين بالله على ذلك في جميع الأحوال، وخاصةً في حالات الخلوة مع الله بكل تذلّل وتضرّع وبكاء، ويطلب منه أن يلقي حبَّه في قلبه ويضيئه بنور محبّته ومعرفته، ويخرج حبّ الدنيا وما عدا الله من قلبه. ولنلتفت إلى أنّ هذا الدعاء يكون في بدء الأمر صرف لقلقة لسان؛ لأنّ مطالبة زوال حبّ الدنيا من القلب مع كون الإنسان مفرطاً في التعلّق بها، مشكلٌ جدّاً، ولكن نرجو بعد التمعّن في ذلك، فترة من الزمن، والمراقبة، وإفهام القلب النتائج الحسنة لمحبّة الله، والنتائج السيّئة لحبّ الدنيا، أن يتحقّق ذلك إن شاء الله تعالى.


(*) الأربعـون حديــثاً، الإمــام الخميني قدس سره، تتمّـة الحــديث الخامس والعشرين.
1.علم اليقين للفيض الكاشاني، المجلد الثاني، ص 853.
2.سنن الترمذي، المجلد الرابع، ص640 باب 26 كتاب صفة القيامة.



 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع