مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

الحجاب: هل يشكل عائقاً أمام الزواج؟


ثمة ظاهرة اجتماعية لافتة تستدعي التوقف عندها طويلاً بالبحث والتدقيق والدراسة... وهذه الظاهرة تلاحظ بقوة في مجتمعنا لإسلامي وخاصة في صفوف طائفة من الشابات المسلمات اللواتي قطعن مرحلة بعد سنة التكليف ووصلن إلى حدود سن الزواج، وهي ظاهرة أحجامهن عن الحجاب بحجة أنه يشكل عائقاً أمام الزواج... وقبل الخوص في عرض مفردات هذه الظاهرة لا بد من تحليل بعض مقدماتها.

من المعلوم أن عمليات التغريب الثقافي والتخريب الاجتماعي تقدمت بشكل كبير في لبنان بسبب جملة من المعطيات السياسية التي جعلت من هذا البلد بلداً ذا جاه غربي في نظمه الثقافية والتربوية والإعلامية، وتكفلت القوانين والأعراف الرسمية بالرعاية الحقوقية لهكذا نظم مما انعكس سلباً على أنماط العيش والقيم الاجتماعية السائبة.

وليس غريباً لقول إن جانباً من الحملة الغربية والعلمانية على النهضة الدينية المتجددة والمتراكمة في العقدين الأخيرين يعود لطروحات هذه النهضة القيمية والتربوية وتأثيرها على بيئة المجتمع الثقافية والتربوية عبر نجاح برامجها الإصلاحية وتركيزها على بناء الإنسان المتوافق مع ذاته ومع مجتمعه المنيع أخلاقياً والناضج سلوكياً دونما تضليل أو إكراه..
ويتميز الإسلام في هذا المجال بأنه يركِّز بشكل كبير على المواصفات الدينية والأخلاقية العالية التي يجب أن تتمتع بها المرأة باعتبارها ركناً أساسياً في المجتمع الإسلامي، وبوصفها مؤشراً للحصانة الذاتية.
فيصرف جهداً مضافاً في تربيتها وتهيئتها لتحمل مسؤولياتها الكاملة في سن التكليف الذي يأتي مبكراً بأقل من أربع أو خمس سنوات من الرجل.

وفي هذا المجال وما أن تخضع الفتاة للتكليف حتى تخضع لعدد من التكاليف الواجبة التي تحفظ لها شخصيتها كأنثى وتؤمن لها دورها الطبيعي والسليم في المجتمع، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتوجب على الفتاة التي تبلغ سن التكليف أن تتقيّد بلباس محتشم يميزها عن الرجل ولا يجعلها مجرد أداة لإثارة الغرائز والشهوات الدنية.

أول شروط هذا اللباس هو الحجاب وهو ما يغطي الرأس وباقي مفاتن الجسد الذي تتميز به الأنثى والذي يفرقها عن الرجل، وعلى المرأة أيضاً أن تخضع قدر الإمكان لنظام يحجبها عن الاختلاط حتى لا تتحول إلى أداة في يد العابثين وما أكثر ما يتحول الاختلاط إلى دعوة لاستثارة غرائز الجنسين الذكر والأنثى مع خطورة أعظم في حالة الأنثى التي تنجرف بسرعة إلى هاوية الخطأ أو الفساد كونها الكائن البشري الأكثر عاطفة والأقوى غريزة بفعل الدافع الفطري والتكويني الفيزيولوجي والنفسي لخلقتها المفطورة على الأمومة والإنجاب،

 وثمة واجبات عديدة ينبغي أن تتكلف بها المرأة حال بلوغها لا يتسع المجال لذكرها الآن..

وإكراماً للأنثى فقد فرض الإسلام الحجاب عليها وتكاليف الستر والعفّة لكي تكون إنسانة تسعى للكمال وليس سلعة للعرض والتداول الرخيص... وفي هذا المجال يحضرنا مثل ملموس يكاد يطابق ما أسلفناه...
فالصائغ الذي يبيع الذهب والفضة والجواهر والألماس في حانوتة يعرض عادة بعض المصوغات الرخيصة في الواجهة أما الأشياء الثمينة والقيِّمة فيحرص على وضعها في مكان أكثر ستراً وحجباً عن الأعين الفضولية ويخبؤها في الغالب في خزائن حديدية وفولاذية لأنها تصبح عرضة للضياع والتلف والسرقة إذا ما وضعت كغيرها في متناول الجميع.. وهذا شبي تماماً للحجاب فجوهر العفة "الماس" لا يمكن إلا أن يحمى داخل ساتر حصين بيداً عن أين الفضوليين وعبثهم...

مما تقدم ندخل إلى صلب موضوعنا لنحاول تلخيص بيئة ومؤثرات بعض القيم اللبنانية العامة على الفتاة ومدى تأثير هذه القيم على الفتيات. فلبنان كما أسلفنا هو بلد مشرَّع على غزو ثقافي غربي كبير، وفيه من التأثيرات الثقافية الغربية المباشرة ما يكفي لاجتياح العائلات في عقر دارها بمفاهيم خاطئة وشاذة تخرج عملياً على شكل آراء خاطئة تظهرها فتياتنا عملياً على مظهرها الخارجي تحت عناوين عدة منها "التحرر، التبعية العمياء للمظاهر النسوية في الغرب - المساواة بين الرجل والمرأة. حقوق المرأة. عدم مماشاة الدين لمتطلبات العصر".
وتتحمل العائلة والبيئة التربوية من مدرسة ومحيط اجتماعي ووسائل الإعلام جاباً أساسياً من تشكيل العقلية العامة للفتيات..

فغالباً ما تنشأ هذه الفتيات في كنف عائلة محافظة أخلاقياً في غالبها غير ملتزمة دينياً فتتباهى العائلة بجمالها بنفس القدر الذي تحرص فيه على عفتها ولكنها لا تركز في تربيتها على تحصينها تحصيناً كاملاً، في مجالات التربية الدينية الكاملة فتتساهل معها في الصلاة والصيام وبعض الحدود حتى تصل إلى العمر الخطر وهو العمر الذي تحتاج فيه هذه الفتاة إلى مواكبة دقيقة ومتفهمة من العائلة وخاصة الأم ذات التربية التقليدية المتشددة وذات المنشأ التعليمي والثقافي الضعيف.

لقد فرض الإسلام الحجاب على المرأة إكراماً لها ولكي تكون إنساناً يسعى نحو الكمال لا سلعة للعرض والتداول الرخيص وثمة العديد من الأسئلة التي تطرحها الفتاة في فترة التحول هذه تثير القلق والخوف في داخلها فهي تتحول وبسرعة كبيرة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج الكامل والتهيؤ للأمومة.. ولا تجد في الحض الدافئ الذي كان يشملها برعاية أمومية كبيرة أي جواب عن هذ التساؤلات بل قد يكون الجواب زجراً في بعض الأحيان...
عندها تبدأ هذه الفتاة بالتفتيش عن الجواب خارج العائلة بل خارج النمط الاجتماعي الذي تحيا فيه الأسرة.. وغالباً ما يكون الجواب عند مجموعة من الفتيات تقودهن الأكبر سناً بثلاث أو أربع سنوات، ويشوب هذه العلاقات الكثير من السرية والعبث البريء والخطر في آن...

ويلعب الخيال والوهم دوراً كبيراً في هذا المجال في إدخال الفتيات في عبادة صنمية الشكل الخارجي حتى يطغى على كل شيء يغذي هذا الخيال وهم ما يسمى بالقصص العاطفية المصرة المقروءة وغيرها التي أثبت تحقيقنا أن أكثر من ستين في المائة من الفتيات بين سني الخامسة عشرة والثامنة عشرة تحرص على اقتنائها بشكل دوري، دون أي تأثير من العائلة التي ترى في هذه الروايات (التي تغذي صرة "الفتاة الدمية" لدى هذه العيّنة من الفتيات) كتباً للمطالعة.. وتدخل المجلات النسائية في هذا المجال لتحرض الفتاة على تفريغ ذاتها وشخصيتها وقرارها بمواضيع غثة سطحية وساذجة محورها فساد المجتمع "المخملي"، وأهل الفن من راقصات ومغنيات.

عموماً، تعتمد هذه المجلات "ذات الرواج" على المغري والمثير في آن وعلى تصوير تافهات المجتمع وساذجته من "راقصات وغيرهن" بصورة النموذج والمثل، وتعتمد هذه المجلات كذلك على عملية غسل منظمة لأدمغة "القارئات" في ما يتعلق بالقيم الشرقية وعادات المحافظة والعديد من المثل الأخلاقية والسلوكية السليمة..
يضاف إلى ذلك عامل البرامج التلفزيونية والتي أدخل عليها مؤخراً عنصر جديد هو المسلسلات المكسيكية والفنزويلية والبرازيلية المطوّلة..
كل تلك الأمور المتقدمة يضاف إليها النمط التربوي في لبنان والذي يشجع الاختلاط ولا يحتوي على برامج رعائية خاصة بالشباب تسعى إلى ترشيدهم اجتماعياً وضبط تمرّدهم وفي اللامبالاة المزدوجة عائلياً ومدرسياً تنشأ الفتاة المسلمة هذه على أفكار ناقصة أو مشوهة، يمثل رأس قائمتها ضبابية الصورة التي ترتسم في مخيلة "الفتاة الدمية" ول الحجاب ومواصفات الفتاة المسلمة الملتزمة، كأن تأخذ موقفاً سلبياً منه لأنه برأيها يحجب جمالها ويحجزها بل ويشكل عائقاً في وجه زواجها...

واللافت في كثير من الحالات التي صادفاها أن الفتاة قد تكون مصلية صائمة ذاكرة تالية للقرآن وفيها الكثير من المواصفات الإيمانية إلا أنها تحتج لدى طرح موضوع الحجاب عليها بأنها ستلتزم به بعد الزواج، وبعض المتزوجات يتحجبن بأن أزواجهن قد لا يرضون بالموضوع.
هذه الإشكالية لا تستعصي على الحل بل يكاد يكن حلها بسيطاً يلزمه بعض الصبر والهمة والقربى إلى اللَّه عزّ وجلّ، وقد يتهم العاملون في مجال التبليغ الإسلامي من الجنسين بأنهم مقصّرون في هذا المجال نظراً لعوامل عدة منها:
أ) تهميش هذه الطائفة من الفتيات المسلمات من أنشطة أو حوارات.
ب) الحساسية المفرطة وغير المبررة في بعض الأحيان من نفس هذه الفتيات.
ج) تلكؤهم عن الواجب الشرعي الذي يفترض بهم المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما أن العائلة متهمة أيضاً والمدرسة كذلك إلا أن الواجب يفترض على الجميع أن يرعوا هذه الظاهرة رعاية خاصة تتوخى صيانة شريحة ملحوظة من الفتيات من المفاهيم الخاطئة والملتبسة، وتركيز فكر الحجاب في المجتمع الإسلامي وأول الطريق يبدأ من تعميم قناعة الحجاب منذ الصغر بدءاً من سن التكليف الشرعي لأن الذي يشب على شيء يشيب عليه..


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع