مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

نور روح الله: لقاء الله(*)


عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قلت: أصلحك الله، مَن أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومَن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه؟ قال: نعم. قلت: فوالله إنّا لنكره الموت، فقال: ليس ذلك حيث تذهب، إنّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يُحبّ فليس شيء أحبّ إليه من أن يَقدم على الله، والله تعالى يُحبّ لقاءه وهو يُحبّ لقاء الله حينئذٍ، وإذا رأى ما يَكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء الله، والله يُبغض لقاءه"(1).

* في شرح مفردات الحديث
"أصلحك الله". هو دعاء في الخير. ولا يلزم في الدعاء أن يكون المدعوّ له فاقداً لمضمون الدعاء، بل الدعاء مستحبّ حتّى وإنْ كان مضمونه حاصلاً في المدعوّ له. فيكون الدعاء للإمام الصادق عليه السلام بالصلاح والسداد هو ضمن الحدود المتعارفة.

قوله: "إنّا لنكره الموت". لمّا تصوّر الراوي الموت ملازماً للقاء الله أو كان مقصوده من لقاء الله نفس الموت، اعتبر كُره الموت كرهاً للقاء الله تعالى، فسأل هذا السؤال، فأجاب الإمام عليه السلام بأنّه ليس المقياس كراهة الموت بصورة مطلقة بل الميزان كراهة الموت لدى نزْع الروح عندما يرى آثار الملكوت والعوالم الأخرى.

قوله عليه السلام: "عند المُعاينة". المعاينة مصدر من باب المفاعلة. وعايَنتُ الشيء عياناً إذا رَأيته بِعَينك. ويسمّى حين النزع والاحتضار بالمعاينة؛ لأنّ الميّت يشاهد آثار عالم الآخرة بعينه، حيث تنفتح عيناه الغيبيّتان الملكوتيّتان، وتنكشف له نبذة من أحوال الملكوت، ويعاين بعض آثار وأعمال وأحوال نفسه.

* لقاء الله متيسّر
اعلم، أنّ الآيات والأخبار الواردة في لقاء الله صراحةً أو كنايةً وإشارةً، كثيرة، ولا يسع هذا المختصر الخوض في ذلك مفصّلاً. ولكنّنا نشير إلى بعضها بصورة مختصرة. لقد ذهب بعض العلماء والمفسّرين إلى سدّ باب السبيل إلى (لقاء الله) نهائيّاً؛ زاعمين بذلك أنّهم ينزّهون الذات المقدّسة، ومفسّرين جميع آيات لقاء الله وأحاديثه، بلقاء يوم الآخرة، ولقاء الجزاء والثواب والعقاب. وهذا التوجيه ليس ببعيد كثيراً، بالنسبة إلى مطلَق اللقاء وتجاه بعض الآيات والروايات، ولكنّه بالنسبة إلى بعض الأدعية المعتبرة والأحاديث المأثورة في الكتب المعتبرة، والأحاديث المشهورة التي ارتكز عليها علماؤنا العظام، موهون وبعيد جدّاً.

* بالتقوى التامّة وانصراف القلب
لا بدّ من أن نعرف أنّه ليس مقصود مَن أجاز فتح الطريق على لقاء الله ومشاهدة جمال الحقّ وجلاله، هو التعرّف على حقيقة ذاته المقدّسة، أو إمكان الإحاطة بها بالمشاهدة العينيّة الروحانية، وهو تعالى المحيط بكلّ شيء على الإطلاق، فإنّ امتناع الإحاطة بذاته المقدّسة بالفكر وامتناع الإحاطة بالبصيرة في العرفان، من الأمور البرهانية، ومتّفق عليه لدى جميع العقلاء، وأرباب القلوب والمعارف.

لكنّ المقصود لدى من يدّعي مقام لقاء الله هو: أنّه بعد حصول التقوى التامّة والكاملة، وانصراف القلب نهائياً عمّا سواه تعالى، والتجرّد من تبعات نشأة الدنيا والتجرّد من الأنانية والإنّيّة(2)، والإقبال الكلّيّ نحو الحقّ المتعالي، والانصهار في عشق ذاته المقدّسة وحبّه، وتحمّل جهد ترويض القلب؛ عندها يحصل صفاء في القلب لدى السالك يبعث على تجلّي وظهور أسمائه وصفاته من جهة [أن يرى الله في كلّ شيء؛ خالق كلّ شيء ومصدره، وهو الرازق، المعطي، المميت...]، وتُمزَّق الحجب الغليظة من جهة أخرى، ويتعلق القلب بعزّ قدسه وجلاله. وفي هذه الحال، ترتفع بعض الحجب بين روح السالك المقدسة والحقّ المتعالي.

* اتّصال روح المؤمن بالله تعالى
في الحديث الشريف المنقول عن (الكافي) و(التوحيد):
"إن روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح الله من اتّصال شعاع الشمس بها"(3). وفي المناجاة الشعبانية المقبولة لدى العلماء، والتي يدلّ مضمونها على أنّها من الأئمّة المعصومين عليهم السلام: "إلهي هبْ لي كمال الانقطاع إليك، وأنِرْ أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتّى تخرق أبصار القلوب حُجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك. إلهي، واجعلني ممَّن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك، فناجيته سرّاً، وعمِل لك جهرا"(4). وفي الكتاب الإلهيّ الشريف، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم: 8-9). ولا تتنافى هذه المعرفة والمشاهدة الحضوريّة القلبيّة، مع البرهان على عدم الإحاطة بالذات المقدّسة، ومع الأخبار والآيات التي تدلّ على تنزيه الحقّ جلّ وعلا عن كل عيبٍ ونقصٍ وحدٍّ؛ بل تكون مؤكّدةً ومؤيّدةً لها.


(*) مقتبس من كتاب "الأربعون حديثاً"، للإمام روح الله الخميني قدس سره، الحديث 28. بتصرّف.
1. فروع الكافي، المجلد الثالث، ص 134.
2. الأنانية: الإفراط في حبّ النفس وجعلها محور كلّ شيء، وهي حجاب ظلماني لكلّ إنسان. أمّا الإنيّة: فأن يرى وجوده الخاصّ نوراً مستقلاً غافلاً عن وجوده المرتبط بالله، وهي حجاب نوراني للمؤمنين.
3. أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب أخوة المؤمنين، ح 4.
4. مفاتيح الجنان، المناجاة الشعبانية.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع