الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

شباب: أنا جائع


ديما جمعة فوّاز


ترجّلت ناديا من السيارة وبخطىً مسرعةٍ توجّهت نحو المطعم. وقفت أمام المحاسب وقد فتحت ورقة صغيرة كُتب عليها عشرات الوجبات وبدأت تتلوها كبيان دقيق لا تريد أن تنسى منه أيّ تفصيل: "وجبة كريسبي حرّ، من دون سلطة، سندويش إسكالوب مع خسّ وبطاطا.."... وبينما كان الشابّ يطبع فاتورة الطلبيّة، رمقت بطرف عينها امرأة تجلس على طرف الرصيف، بين يديها طفلة صغيرة نائمة، وولد في الخامسة من عمره يبكي.

*عينان هائمتان
لم تبال كثيراً، فقد اعتادت مؤخّراً رؤية المتسوّلين على نواصي الأرصفة. أنهت طلبيّتها وأخرجت هاتفها من الحقيبة الجلديّة السوداء وبدأت تطّلع على الرسائل التي وصلَتها. جميعها من أفراد أسرتها يطالبونها بالعجلة لأنّ الجوع أرهقهم. ضحكت من قلّة صبرهم، ورفعت عينيها عن الهاتف لتتفاجأ بالطفل ذي الخمسة أعوام يراقبها بعينين هائمتين أفقدهما التعب القدرة على التركيز. أشاحت نظرها عنه، وتذكّرت أنّها لم تطلب المشروبات الباردة، فطلبت من المحاسب أن يضيف إلى الطلبيّة مجموعة المشروبات المختلفة.

"الحساب، 53 ألف و750" قال المحاسب وهو يناولها ورقة الطلبيّة. ناولته 100 ألف وبقيت بانتظار أن يعيد لها بقيّة المبلغ. همس بها الفتى بشجاعة: "أنا جائع. اشتري لي وجبة". لم تفهم كيف يطلب منها أن تشتري له الطعام بهذه البساطة! نظرت إليه باستغراب وهي تفكّر في سرّ ثقته بنفسه، واكتفت بإدارة رأسها كأنّها لم تسمعه أو تفهم همساته.

*كان يعرف...
بعد دقائق، أمسكت ناديا الكيس المليء بالوجبات الساخنة واللذيذة، وبينما كانت تهرول نحو سيارتها، صدَمتها سيارة مسرعة فوقعت أرضاً وتناثر الطعام على الرصيف. رفعت رأسها وقد شعرت أنها تكاد تموت من الألم. انتفى كلّ إحساس لديها بالجوع والعطش، وتملّكها وجع قاس نهش جميع مفاصلها. وسرعان ما تجمهر حولها الناس محاولين مساعدتها، وسائق السيّارة ترجّل من سيّارته وهو يصيح معتذراً. كلّها مشاهد مرَّت كفيلم قصير أمام عينيها بينما رمقت ذاك الطفل يجمع الطعام بحرص شديد في الكيس. لم تقوَ على الكلام.

رفعها بعض المارّة وساعدوها في الركوب في سيارة السائق الذي دهسها كي يصحَبها إلى المستشفى. ألقت رأسها إلى الخلف وهي تشعر أنَّها تلفظ أنفاسها الأخيرة، وسمعت صوتاً صغيراً يهمس: "جمعتُ لكِ الطعام، ها هو..". نظرت إلى الطفل الصغير وهو يقف بهدوء ويمدّ لها كيس الطعام وحقيبتها الجلديّة السوداء. سألها أحد المارّة: "هل هذه الأغراض تخصّك؟" هزّت رأسها بالإيجاب وقد تناولت حقيبتها بهدوء: "هذه لي أمّا الوجبات فهي منذ البداية من نصيبك أنت". وكانت تلك هي الكلمات الأخيرة التي قالتها قبل أن تغيب عن الوعي لتستيقظ بعد ساعات في المستشفى وهي تردّد: "كان يعرف. كان يستجدي الصدقة ليدفع بها عني البلاء!".

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع