نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

الروتين: أنت تربّي قاتلك!

حوراء مرعي عجمي


"يقتُلُني الملل"، "ليس لديّ رغبة في القيام بأيّ عمل"، "كل شيء كنت أحبّه بات يفتقد المتعة"، "أشعر أنّ الروتين يضيّق عليّ منافس الحياة"... وغيرها من العبارات التي نردّدها كثيراً ونستشعرها في فترات حياتنا. فأحياناً نفتقد لذّة كل شيء في حياتنا، فنشعر أنّ كل ما حولنا بات رمادياً، وأنّنا نعيش في مسرح الحياة كممثلين بارعين، نُتقن أدوارنا ونفتقد بهجة حقيقتها.

* ما هو الروتين؟
ببساطة، يمكننا تعريف الروتين بسلوك يومي متكرّر يحدّه عنصران أساسان: الزّمان والمكان، فتكرار الأشياء مع الزمان وانحصار حركة الإنسان بمكان محدّد يقضيان على التفاعل المفترض بين خياله ووجوده، ويسلبانه روْنق الاستمرار بنشاط وحماس.
فكما أننا نتنفس بشكل لا إرادي، كذلك الأحداث المتكرّرة الأخرى في حياتنا تصبح لا إرادية مع مرور الوقت كوظائف الجسم الحيوية، وما إن يدخل التصرّف حيّز الروتين نفقد القدرة الحقيقية على الاستمتاع به وتقديره، ثم بعد مدّة ربما تطغى الرتابة على أنفسنا، فنعجز عن الاستمتاع بالحياة وتقديرها؛ لأننا أصبحنا حبيسي أنماط محدودة من التصرفات.

والروتين لا يقتصر على فئة عمريّة أو طبقة من الناس دون أخرى، بل يتسلّل إلى العامل كما العاطل عن العمل، وإلى الصغير كما الكبير... من أيّ نافذة سمحتَ له بالعبور وجدتَ نفسَك أسير ضغطه، تتراكم من حولك الهموم وأنت لا تدري لها سبباً.

* مظاهر الروتين في حياتنا
تستيقظ في الموعد نفسه، تشرب قهوتك على عجل كي لا تتأخر على دوامك، تسلك الطريق المعتاد إلى عملك، تجلس في مكتبك، تقابل الوجوه ذاتها، تغرق في مهامك وتترقّب الساعات لتعود إلى منزلك، ولعلّ أقصى ما يمكن أن يرفّه عنك تنفيخ سيجارة إن كنتَ من المدخّنين، تتناول غداءك، تقوم ببعض مهامك الأسرية، تتصفّح بعض مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الإخبارية، تُشاهد التلفاز، ثم تغرق في ساعات النوم منتظراً يوماً جديداً رتيباً كسابقه... وهكذا تمضي الحياة.
لا شكّ في أنّ معظم ما تقوم به خلال نهارك من عملٍ ومهامَّ أسريّة وغيرها هي أسسٌ لا يمكنك التخلّي عنها، تتساءل بينك وبين نفسك: كيف أكسر هذا الروتين؟ أترك عملي؟ لا أستطيع. أتخلّى عن واجبي تجاه أسرتي؟ من يقوم به؟

إذاً، المشكلة ليست هنا، الروتين ليس في تأديتك واجباتك التي لن تستمرّ حياتك دونها بالشكل المطلوب، فلننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، ولنحاول التغيير بشكل طفيف في المشهد أعلاه.

* ماذا لو؟
1- غيّرتَ موعد استيقاظك مرّة في الأسبوع، وقرّرت أن تذهب إلى عملك مشياً هذه المرّة!
وأنت في طريقك راقِب الحياة عن كثب. حتماً ستُدهشك تفاصيل لم تكن لتلحظها في سيارتك وسْط أزمة السير الخانقة وتفكيرك المشدود للوصول إلى العمل!

2- قرّرتَ اليوم أن تُنجز عملك في مقهى، بعيداً عن السكون القاتل بين جدران مكتبك. لعلّها تبدو فكرة غريبة، ولكن وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة "أبحاث المستهلك"، إنّ الضوضاء المعتدلة كالتي في المقاهي، تعزّز الأداء في المهام الإبداعيّة أكثر من الضوضاء المنخفضة أو العالية المحيطة.

3- مارستَ بعض الحركات الرياضية الخفيفة لمدّة عشر دقائق قبل انغماسك في العمل؛ إذ سيمكنك التفكير بشكل أفضل لمدة ساعتين بعد ممارسة التمارين الرياضية؛ لأنها تتيح وصول الجلوكوز والأوكسجين إلى الدماغ.

4- خُضتَ معركة السباق مع الزمن؛ فالمنافسة حافز كبير، لا سيّما مع نفسك، لأنّك تعرف أنك تستطيع تقديم الأفضل، لذلك فإنّ ضبط المنبّه، ولو لمدّة عشر دقائق، يمكن أن يعزّز الإنتاجية. كما أن لعبة الفوز على الزمن تخلّصك من المماطلة والتسويف. وحتماً سيضيف هذا الانتصار جرعة معنويّات إيجابيّة إلى نهارك.

5- بدّلتَ استراحة السجائر اليوم إلى لعبة تحفيز لدماغك. فلا شكّ، كجميع العضلات، في أنّ عقلك يحتاج لممارسة الرياضة. ما رأيك بحلّ الكلمات المتقاطعة أو سودوكو الألغاز مثلاً؟

6- حوّلتَ فرصة التواصل الاجتماعي من شاشة إلى واقع. إنّ خروجك مع صديق قديم لمدّة نصف ساعة وتناول فنجان من الشاي مع استرجاع ذكرياتكما الجميلة سيُنعش فيك روح التواصل بشكل لن تجده على أيّ صفحة إلكترونية. ليس لديك وقت؟ إذاً ما رأيك أن تُخرج ألبوم صورك القديم تُشارك أولادك ذكرياتك الجميلة؟

7- ختمتَ نهارك بسهرة عائلية، سيفرح والداك بزيارة خاطفة، أو بدعوتهما إلى منزلك. فإضافة إلى أجر البرّ بهما، أثبتت الدراسات أنّ مَن يتواصل مع أهله وأقاربه يشعر بالسعادة، حيث يتم فرز مادة دوبامين المسؤولة عن الإحساس باللذة والرضا. كذلك يستفيد الأبوان من هذه العاطفة فيتحسّن أداء نظام المناعة لديهما.

لقد كان نهاراً مختلفاً، حافلاً بالنشاطات المميّزة، مع أنّك أدّيت كل ما هو مطلوب ولكن هذه المرّة بأسلوب مختلف.

* ارسم حياتك بأسلوب مختلف
والآن، أياً كان دورك في هذه الحياة، ارسم مشهدك، وأضف إليه لمساتك الخاصّة. فالحياة مليئة بالأنشطة، العمل، الضحك، الأصدقاء، الاهتمام بالآخرين والعطاء... وإذا قمت باستغلال وقتك بالشكل الصحيح، المتوازن، ستشعر بالرضا، والسعادة والنجاح. وهذه كلّها وسائل دفاع لمنع وصول الملل إلى نفسك وتسرّب الروتين إلى منعطفات حياتك.
وتذكّر جيّداً، أنت أفضل مؤلّف لقصّة حياتك؛ فتخلّص من القصة السابقة وحاول إيجاد نُسخة جديدة، وستلمس الفرق.

*فكر خارج الصندوق
عادة نألف التفكير ضمن حدود نقوم نحن بوضعها، لذلك يتحول تفكيرنا إلى مسار مكرر ومغلق (صندوق). من المهم أن نفكر خارج هذا الصندوق ونسأل: لم لا نفكر بطريقة مختلفة؟

هذه بعض القصص التي تبين أهمية التفكير دائماً خارج الصندوق والخروج عن الروتين القاتل:


القصة الأولى:
واجه روّاد الفضاء الأمريكيون صعوبة في الكتابة، نظراً لانعدام الجاذبية، وعدم نزول الحبر إلى رأس القلم! وللتغلب على هذه المشكلة أنفقت وكالة الفضاء الأمريكية ملايين الدولارات على بحوث استغرقت عدة سنوات لتتمكن في النهاية من إنتاج قلم يكتب في الفضاء، وتحت الماء وعلى أرقّ الأسطح وأصلبها وفي أي اتجاه. بالمقابل تمكن رواد الفضاء الروس من التغلب على المشكلة نفسها؛ باستخدام قلم رصاص!

القصة الثانية:
تلقت شركة صناعة صابون يابانية شكوى من عملائها لأن بعض العبوات خالٍ، فاقترح مهندسو المصنع تصميم جهاز يعمل بأشعة الليزر لاكتشاف العبوات الخالية أثناء مرورها، وسحبها آلياً. وقد كان الحل مناسباً رغم تكلفته، بالمقابل وضع أحد عمال التغليف في المصنع مروحة كبيرة، باتجاه السير الذي تمر عليه عبوات الصابون، حتى تطير العبوات الفارغة قبل وصولها إلى صناديق التعبئة.

القصة الثالثة:
اتصلت سيدة بصديقتها لتسألها عن وصفتها الخاصة بإعداد السمك. فشرحت لها الطريقة مشددة عليها أن تقوم بقطع رأس السمكة وذيلها، سألتها عن السبب، لكن الصديقة أجابت: لا أعرف، ربما ستكون أشهى، فقد رأيت والدتي تفعل ذلك. دعيني أسألها!
اتصلت الصديقة بوالدتها وسألتها، أجابت الوالدة: الحقيقة أنني لا أعرف، فقد كنت أرى جدتك تفعل هذا، فدعيني أسألها! فاتصلت الوالدة بالجدة وسألتها. ضحكت الجدة: لم يكن لدي سوى مقلاة صغيرة، لا تتسع لسمكة كاملة.

* همسة
لا يوجد في قاموس الحياة مصطلح اسمه عطلة، بل هي فرصة لتجديد النشاط الروحي والفكري والنفسي والجسدي.
اغتنم أيام فرصتك بما لا تستطيع تحصيله في الأيام العادية، واحرص أن يكون لحاجاتك الروحية حيّز، كالسفر إلى مراقد المعصومين عليهم السلام، أو المشاركة في نشاطات خيريّة وتطوّعية لما في ذلك من أثر نفسيّ وأجر معنويّ.

* على الهامش
قبل الختام، لا بُدّ من أن نذكر أنّ لبعض الروتين فوائد قد لا تدركها، فالقيام بالسلوك نفسه أوتوماتيكياً كلّ يوم يريح الذهن من عناء التفكير بأسلوب أو طريقة القيام بأمرٍ أصبح، لدى المُعتاد عليه، بديهياً. وعندما يرتاح الذهن يكون أكثر قدرة على الاهتمام بما هو أكثر ضرورة مثل القضايا العامّة، أو حل المشكلات التي تحتاج إلى التأمُّل والتفكير. كما يقلّل الروتين فُرص الإصابة بالتوتر، ويُساعد على إفراز هرمون الأندورفين المسؤول عن الاسترخاء والنوم الجيد.
إذاً، لا يوجد شيء بلا فائدة، كلّ ما هو مطلوب الموازنة بين متطلّبات نفسك للاستمتاع بالحياة وبين أدائك لمتطلّبات الحياة بالشّكل الأدقّ والأفضل دون تعارض بين الاثنين.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع