مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

الاقتراض: ثقافـة استـهلاكيّـة أم ضرورة حيـاتيـة؟

سحر مصطفى(*)

لطالما كانت تُوجَّه الانتقادات لمقولة "اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب"، كونها تعبيراً عن سوء التدبير في المعيشة، وكونها خلاف المنطق الطبيعي للأمور الذي يفرض أن يحسب الإنسان حساباً للطوارئ في الحياة... ولكننا اليوم بدأنا نترحّم على هذه المقولة بعد سيادة ممارسة "اصرف ما في الغيب يأتك ما في الجيب"، من خلال الاقتراض بأنواعه المختلفة...

*عروض... والقرض واحد
تتنوع القروض وتختلف أشكالها، وتتفنن المصارف وجِهاتٌ أخرى في تقديم العروضات. وقد شهد لبنان، مؤخراً، زيادة ملحوظة في هذا المجال(1)، حيث تتنافس البنوك في تقديم باقات من القروض تحت عناوين مختلفة، كلها تقوم على اللعب على عوامل نفسيّة مهمة، عند الأفراد، تدفعهم لإشباع توقهم نحو اقتناء كل ما يتمنّونه.

فنجد، على سبيل المثال، أحد البنوك يطرح قرضاً تحت عنوان "أمنية"، وبحسب الإعلان "فإن القرض يتوافق مع حاجات المستهلكين، حيث أصبح ممكناً الحصول على تمويل الأفراد بأسهل الشروط وبأقل التكاليف".

*قروض ومغريات لذوي الدخل المحدود
تتوجّه المصارف التجارية من خلال القروض الشخصيّة الاستهلاكية إلى ذوي الدخل المحدود، الذين يحلمون بالسفر والزواج والتعلّم أو حتّى الترفيه عن أنفسهم، ويحتاجون للسيولة المالية لتحقيق ذلك. وتتنوع القروض بين القرض السكني، والـــقـرض الشخصي، وقرض السيارة، وقرض التعليم، وقرض التجميل، وقرض الخصوبة، وما إلى هنالك من العروضات التي تطالعنا يومياً، بشكل متجدد، وتتنافس المصارف للإعلان عنها.

ناهيك عن بطاقات الائتمان التي تمكّنك من سحب ما يزيد على راتبك بضعف أو ضعفين، وحتى التي تمكنك من سحب مبالغ دون أن يكون لديك أيّ رصيد مصرفي، وتقوم بتغطية المبالغ المسحوبة فيما بعد طبعاً مع زيادة المبالغ التي ترتبها الفائدة... والنتيجة النهائية واحدة، دفعات شهرية لجهات مختلفة، دون حساب إمكانية إيفائها في كثير من الأحيان.

*ثقافة عالميّة
والواقع أن ثقافة الاستدانة هي ثقافة عالميّة. ففي سويسرا مثلاً: أسرة من أصل عشرة هي أسرة مستدينة، و5 % من السكان لا يستطيعون السيطرة على هَوسهم الشرائي(2).

أما على صعيد العالم العربي، فنذكر إحصائية أجريت في تونس(3)، تبين بنتيجتها أن 85 % من التونسيين مدينون للبنوك و32 % للأقارب. وقد استُعمل حوالي 80 % من تلك القروض لشراء مسكن أو تحسين مسكن، وتوجه الباقي في اقتناء سيّارة وأمور استهلاكية. وقد أشارت الدراسة نفسها إلى أن التونسي يأتي على كل راتبه الشهري قبل الخامس عشر من كل شهر، وذلك بإنفاقه أكثر من دخله، لا لشيء إلّا لمجرد الإنفاق ولرغبته في ذلك حتى يتسنى له "إثبات وجوده"...

وفي ظل غياب دراسات شاملة على صعيد لبنان نذكر عيّنة من معلومات حصلنا عليها من أحد البنوك اللبنانية الكبيرة، تفيد أن 35 % من عملاء البنك لديهم قروض، غالبيتها قروض شخصية لأمور استهلاكية...

*من الضروريات إلى الكماليات
وتطول لائحة الأرقام في مختلف الدول، كلّها تشير إلى اتجاه عام عند الناس نحو الاقتراض، وأن هذا الاتجاه بدأ يتحول بشكل كبير من الضروريّات إلى الكماليّات، فالناس يندفعون للاقتراض تحت تأثير نمط الحياة المنفتح، وتحت ضغط الإعلانات والعروض الترويجيّة للكثير من المنتجات والسلع الاستهلاكية، في ظل سهولة الحصول على القروض والتمويل.

لا يمكننا، في كل الأحوال، أن نغفل أن الوضع الاقتصادي للكثير من الأسر صعب، وأن الإنفاق، في الدول التي نعيش فيها، على الأمور الأساسية مثل الطبابة والتعليم والمسكن، مرتفع وخاصة مع غياب رعاية الدولة. ولكن هل الاستدانة هي الحل الوحيد والأنسب؟ وهل نسأل أنفسنا دائماً عند الاقتراض إذا كان هذا القرض هو لحاجة حقيقية أم لحاجات وهمية يخلقها الإعلان والتسويق الاستهلاكي؟

*عبءٌ على الفرد وباءٌ في المجتمع
مع الأسف فإن الاقتراض يدفع الناس للاعتقاد بأنه يمكنهم بسهولة تحسين مستوى حياتهم ورفع مكانتهم الاجتماعية. ولكن هذا الاعتقاد زائف، لأنّ ذلك يتحقق لفترة مؤقتة، يغرق بعدها المدين في بحر من الأقساط الشهرية التي تُثقل كاهله بما يفوق قدرته على السداد، ويوقعه في الكثير من المشاكل.

وثقافة الاستدانة تتعدّى تداعياتها الأفراد لتتحوّل إلى وباء اجتماعي، يهدّد الأسر ويقلّص إنتاجيّة الفرد، وينشئ جيلاً غير مسؤول. هذا ناهيك عن القلق والتوتر والاكتئاب الذي تعيشه الأسر المَدينة نتيجةً لضغط السداد الشهري، وبخاصة عندما تكون القروض لسلع تستهلك، فتذهب متعة شراء الأشياء الجديدة ليبقى عناء الدفع مستمراً لأشهر وحتى لسنوات، مع الأعباء الإضافية التي تفرضها الفوائد المصرفية...

تطالعنا يومياً أخبار أشخاص يعلنون إفلاسهم، أو يصبحون مكشوفين أمام البنوك، مع ما يستتبع ذلك من مآسٍ على صعيد أُسرهم والدائرة المحيطة بهم، وللأسف نعتقد دائماً أن الأمر يحصل مع غيرنا ولا يمكن أن يحصل معنا.

*لمواجهة ثقافة الاستدانة
وحتى نواجه هذا المد الكبير لثقافة الاستدانة لا بد لنا من:

1 - القيام بوضع موازنة شهرية نحتسب فيها ما يرِدُنا ومصاريفنا، ونحاول التوفيق بين المداخيل والمصاريف.
2 - تحديد سلّم لأوليّات مصاريفنا، وإعداد لائحة للضروريات وأخرى للكماليات.
3 - الابتعاد عن شراء أيّ منتج كمالي بالتقسيط.
4 - في حال وجدنا ضرورة ملحّة للاقتراض، يجب دراسة الموضوع دراسة وافية ودقيقة، حتى لا نقع ضحيّة البنوك التي لا تعلن كل التفاصيل في ترويجها لبرامج قروضها.
5 - الابتعاد عن الدفع من خلال بطاقة ائتمان إلّا عند الضرورة، لأن هذا يعيق احتسابنا الدقيق لوضعنا وقدراتنا الشرائية، وبخاصة بطاقات الائتمان ذات الرصيد المفتوح التي تسمح لك بسحب ما يفوق راتبك الشهري.
6 - تعزيز مفهوم القناعة، فهو فعلاً كنز لا يفنى في هذا المجال، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال إشباع التّوق نحو الكماليات التي تتزايد يومياً ويصورها الإعلان على أنها أساسيات.
إن خلاصة علاج موضوع الاقتراض العشوائي، تكمن في المقولة الشعبية "على قد بساطك مد رجليك"، وأن نردد مع الإمام الكاظم عليه السلام: "إن كان يغنيك ما يكفيك، فأدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس شيء من الدنيا يغنيك"(4).


(*) مسؤولة الدراسات في مركز أمان للإرشاد السلوكي والاجتماعي، دكتوراه في العلوم الاجتماعية.
1- حتّى شهر حزيران الماضي، زادت القروض للقطاع الخاص بنسبة 12 بالمئة على أساس سنوي، 26 بالمئة من القروض شخصية.
2- KEHRLI Christin et KNOPFEL Carlo, Manuel sur la pauvreté en Suisse, Editions Caritas, Lucerne, 2007, p.99
3- دراسة أجراها مكتب الدراسات التونسي المتخصص في دراسة الأسواق بعنوان "المستهلك التونسي أمام نفقاته"، على عينة شملت 900 شخص في آب من العام 2010.
4- من وصية الإمام الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم، بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص139.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع