قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

كونوا ليلة القدر

آية الله جوادي الآملي

إنّ ليالي القدر هي ليالٍ مصيريّة لنا. فليس المطلوب، في هذه الليلة، مجرد مغفرة ذنوب الأموات، وهي من المسائل الفرعية التي نطلبها في ليلة القدر، بل إنّ من جملة الأمور والمعارف التي تتصدّر ما نطلبه في هذه الليلة: انشراح الصدر، ظهور وليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، نشر الثقافة الإسلامية، إبعاد الحقد من القلب، وأيضاً مغفرة الذنوب. والأساس في دعائنا في هذه الليلة أن تمحى الذنوب وأن لا نكون بعدها من أصحاب المعاصي والذنوب.

*التحرّر من "ليلة القبر" سبيل "ليلة القدر"
نسأل الله تعالى إعطاءنا ذاك التوفيق، والمعرفة، والمحبة لنكون نحن أنفسنا ليلة القدر. ذلك أن الذين كانوا ليلة القدر هم قدوتنا. فقد جاء عن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أنها كانت ليلة القدر، وهذا الكلام من سنخ التمثيل وليس التعيين. وهذا يعني، أنّ كلّ واحد من الأشخاص الأربعة عشر المعصومين عليهم السلام هم ليلة القدر. وإذا كانوا هم كذلك، فبإمكان تلامذتهم أن يكونوا ليلة القدر في دائرة إيمانهم. يمكنك معرفة ليلة القدر إذا تمكّنت من الخروج من ليلة القبر.

كان كافة العظماء يقولون لنا: إذا تحرّرت من ليلة القبر أصبحت ليلة القدر! أن يكون الشخص ليلة القبر أي أن يكون باطنه قبراً للفتن، قبراً للغيبة، قبراً للآمال وقبراً للحرام، هذه "ليلة القبر" وليست "ليلة القدر"!

*خير من ألف شهر... من ألف شخص
إذا تحرّرت من ليلة القبر وأصبحت ليلة القدر، تصبح عند ذلك، ليلة القدر لك ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (القدر: 3)، ويصبح الشخص أفضل من ألف شخص، وأفضل من ألف مجموعة، وعند ذلك يكون ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ (البقرة: 249).
وهذا يكون عند التحرّر من ليلة القبر والتحوّل إلى ليلة القدر. هذه الأمور ليست كالأسماء الإلهيّة في كونها توقيفيّة! فعندما يقولون لنا: فاطمة الزهراء عليهاالسلامليلة القدر، هذا يعني أنكنّ أيتها النساء في العالم بإمكانكن أن تكنَّ كمولاتكنّ في دائرة إيمانكنّ. وإذا تجلّى القرآن في روح شخص، يمكن أن يكون في دائرة إيمانه الخاص ليلة القدر أيضاً.

*قلبٌ لا يعذّبه الله تعالى
نقل المرحوم أمين الإسلام الطبرسي ذيل الآية الشريفة: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا (النحل: 70) "من قرأ القرآن لم يُرَدّ إلى أرذل العمر وإن عمّر طويلاً"1. قلب الإنسان الذي يرى القرآن، لا يبتلى بالنسيان، ولا يعذّبه الله تعالى. لذلك يمكن القول إنّ مغفرة الذنوب هي واحدة من الفوائد الجزئية لهذه الأدعية. أما الأساس فهو نشر الإسلام وظهور وليّنا، والأساس هو رفع النفاق، والطلب من الله تعالى مئات الخيرات، والبركات الأخرى.

*لفتة قرآنية
إنّ ليلة القدر واضحة في الإسلام إلى مستوى أنّ صاحبها الأساس أي "ذات الإله المقدّس" ذكر فيها ضميراً من دون مرجع. تارة تقرأون: قل هو؛ هذه الـ (هو) قد ذُكرت من دون مرجع سابق في السّورة. والسرّ في ذلك أنه: لا يَلزم ذِكر اسم الله تعالى، ثم القول (هو)! بل بمجرّد أن يقال (هو)، يصبح المراد معلوماً مِنْ (هو). فالله تعالى معروف ومحبوب عند كل إنسان.

وفي مسألة ليلة القدر والقرآن أيضاً نفس الموضوع، فقد حددها القرآن بليلة القدر، من دون ذكر المرجع، فيعود الضمير إلى القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (القدر: 1). (هذه هي الآية الأولى من السورة بعد البسملة مباشرةً). لم يكن الكلام سابقاً حول القرآن أو عن الوحي، إلّا أننا نقرأ في الآية الأولى من سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. الواضح أن الضمير يعود إلى الوحي والقرآن!
فتكون ليلة القدر مشهورة إلى درجة أنها أصبحت ظرفاً للقرآن.
وبما أنّ القرآن كان محبوباً ومعروفاً عند الجميع، فليس من الضروري ذكر اسمه سابقاً ليعود الضمير إليه.

*الملائكة تسلّم على المؤمنين
القدْر يعني الشرف والفضيلة، ويعني أيضاً تدبير الأمور. الشرف والفضيلة في أن الملائكة يسلّمون باستمرار على الصائمين والصائمات.
تَنزّل الملائكة من أوّل الليل إلى مطلع الفجر، للسلام. إذا تمكّن الشخص من سماع سلام الملائكة هذا، فقد أدرك ليلة القدر. قالوا: هل هناك علامة تدلّ على ليلة القدر؟ قالوا: نعم، تحمل نسيماً لطيفاً مناسباً. قد يشعر الإنسان تارة بوجود نسيم، نسيم ربيعي. يشعر بالنسيم الربيعي سواء كان الفصل صيفاً أو خريفاً أو شتاءً. يقولون إنّ جميع هذه الأمور هي النفحة الرحمانية في ليلة القدر، ويكون هذا من أثر سلام الملائكة.

لا يكون هذا السلام مختصاً بالوجود المبارك لوليّ العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف. المختص به، هو أنّهم يقدمون إليه الحقائق والمقدّرات. إلا أن الملائكة التي تنزل تسلّم على كل مؤمن صائم. وإذا كانوا يسلّمون فهو لأنهم يقومون بإيصال سلام الله تعالى، أو سلام الملائكة حاملي العرش. جاء في سورة الأحزاب المباركة: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (الأحزاب: 43).

*سلام من الله للمؤمنين
وكما أن الله تعالى يصلي ويسلم على رسوله، فهو يسلّم على المؤمنين والمؤمنات أيضاً. قال: هو الذي يصلي عليكم وملائكته. الله تعالى يصلي عليكم والملائكة أيضاً تصلي عليكم ليخرجوكم من الظلمات إلى النور.
هل هناك كمال أفضل وأرقى من أن يَصل الإنسان نفسه إلى مقام يسلّم الله تعالى فيه عليه، وتسلِّم عليه الملائكة؟ إنّ ليلة القدر هي التي تعطينا هذا القدر والشرف في أن نكون من المخاطبين بسلام وصلوات الله، وحملة عرش الله، والملائكة الإلهيّين.

إذاً، القدر يعني الشرف والفضيلة ويعني أيضاً تقدير الأمور. نسأل الله تعالى حفظ مقدرات المجتمع الإنساني والإسلامي والشيعي ونطلب من الذات الإلهية المقدسة أن يمدّنا بالشرف والفضيلة وأن يحفظ ماء وجهنا في الدنيا والآخرة وأن لا يكلنا إلى أحد سواه.


1- جوامع الجامع، الطبرسي، ج3، ص809.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع