مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!! زرع دماغ بشريّ للفئران خطر جديد للأجهزة الذكيّة! تضاعُف الميول الانتحاريّة لدى أطفال أمريكا بلاستيك يمكن إعادة تدويره إلى ما لا نهاية "جهاد" اسم ممنوع في فرنسا احذروا الدمى في أسرّة أطفالكم! ورق جدران يحذّر من الحريق! لبنانيّ يحصل على 71 مليون دولار من "فورد"

أعراس لا تتجاوز الحدود

الشيخ محمد توفيق المقداد(*)

أقرّ الإسلام الأعراس لما فيها من مظاهر الفرح والسرور وإدخال البهجة على النفوس والقلوب، لأنّ الأعراس هي المفتاح للشخصين اللذين يدخلان إلى عالم الزوجية من خلال مظاهر الفرح لإضفاء السعادة على بداية دخولهما إلى نمط جديد من الحياة بعدما كانا منفردين كلٌّ في منزل أهله أو في من كان يرعى كلّاً منهما. لكنّ إباحة الإسلام للأعراس ليست مطلقة إلى الحدّ الذي يذهب إليه أهل العروسين من خلال تجاوز الحدود الشرعية، والاعتبارات الأخلاقية والسلوكية والتربوية، وهي أيضاً ليست مغلقة بالمطلق على أنواع من الفرح والسرور يلازمان كل عرس بحسب العرف والعادة.

*أعراس تتجاوز الحدود

من الواضح جداً لأيّ ناقد، من منظور إسلامي وشرعي، أنّ كل الأعراس التي تنتشر اليوم في ساحتنا الإسلاميّة ليست متطابقة مع أغلب الشروط الشرعية والمواصفات المطابقة للأحكام الفقهيّة، سواء من ناحية الشكل، كالأعراس التي صارت تُقام في الصالات المعدّة لذلك، أو من حيث المضمون كمظاهر الزينة التي صارت خارجة عن حدود المتعارف، أو كطريقة التعاطي داخل الصالات من جهة اللباس غير المحتشم الذي ترتديه النساء إلى حدّ تعتبر فيه الأعراس أنها صارت معارض للألبسة. فضلاً عن تصوير الأعراس وما قد يؤدي في الكثير من الأحيان إلى تسرُّب الصور مع ما فيها من هتك الحرمات وخصوصاً بسبب انتشار الهواتف القادرة على التصوير.

أضف إلى ذلك ما يرافق العرس من مظاهر التفاخر والتباهي أمام الآخرين بأن العرس الذي أقمناه هو الأحسن وما شابه، إلى ما هنالك من قضايا أخرى سنتعرّض لها.

*زينة وإسراف

وأول مظهر سلبي سنتحدّث عنه هو "الزينة" حيث تقضي العروس ساعات عند "المزيّنات" مع ما يكلّف ذلك من مال ووقت، وكذلك بالنسبة إلى العريس، فضلاً عن أرحام العروسين وأصدقائهما، وما يرتّبه حضور العرس من شراء لملابس جديدة لكل واحد من هذه الأعراس؛ فإذا لاحظنا تكاليف هذا المظهر السلبي وحده، نجد أنّ نفقاته تصل إلى حدود "الإسراف" و"الإنفاق الخارج عن المألوف" وإن حاول البعض أن يبرّر أن هذا الأمر صار متعارفاً وعادياً، وهذا غير صحيح، لأن الخطأ في التصرف ولو كان شائعاً لا يصير حلالاً وهو محل إشكال من الناحية الشرعية، بل يصبح محرّماً لأن الله تعالى يقول:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(الفرقان: 67)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (الإسراء: 29).

*مطلق الغناء حرام
وثاني مظهر سلبي في الأعراس هو "الغناء والموسيقى"، فقد انتشرت هذه العادة انتشاراً واسعاً جداً في الأعراس، وصار هناك فِرقٌ من المغنيات متخصّصات بالغناء في الأعراس، وللأسف خرجت هذه الحالة عن كل الضوابط الشرعية سواء من ناحية الغناء، أو من ناحية الموسيقى المحرّمة التي صار فيها استعمال آلات الموسيقى أمراً عادياً، وبدونه لا يكون "العرس عرساً، بل مجرّد تجمّع للنساء لا أكثر" كما تقول عنه غالبيّة النساء اللواتي يحضُرن الأعراس.

ومع ما يترافق مع الغناء من الرقص المتعارف عند راقصات أهل الفسق والفجور، بحيث لم يعد الفارق موجوداً سوى في مجرد التسمية بأن الرقص في الأعراس يعتبرونه حلالاً لا حرمة فيه، بينما الراقصات يرتكبن العمل المحرّم، وهذا مورد اشتباه كبير، مع أن فتاوى مراجعنا العظام تجيز الرقص بمعنى مجرد التمايل وإظهار الفرح من دون الوصول إلى ما هو المتعارف عند راقصات أهل الفسق والفجور.

ولذا، نرى أن الإمام القائد السيد الخامنئي حرّم الغناء مطلقاً حتى في الأعراس، لأن هذا الأمر خرج عن كل الضوابط الشرعية التي كانت تنظّم وتشرِّع الغناء، وكذلك حرّم الغناء عدد آخر من مراجعنا العظام أيّدهم الله تعالى حتى في ليلة الزفاف، ووفقاً للروايات الدالّة على تحريم مطلق الغناء من دون استثناء الغناء في الأعراس.

*شبهة الاختلاط في الأعراس
وثالث مظهر سلبي هو "الاختلاط" وحجّة ذلك أنه ولو حصل الاختلاط إلّا أن النساء يلتزمن الحجاب الشرعي وكأن هذا الأمر وحده كافٍ ليصبح الاختلاط جائزاً أو مباحاً، وهنا يوجد اشتباه كبير أيضاً، لأن النساء اللواتي يحضرن في العرس المختلط يظهر على وجوههن آثار الزينة من المساحيق وأدوات التجميل وهذا الأمر يكون ظاهراً للجميع حتى للرجال الأجانب عن تلك النسوة، ومن المعلوم عندنا في الفقه والأحكام الشرعية أن المرأة لا يجوز لها إظهار الزينة أمام الرجال غير المحارم، ومجرّد ارتداء الحجاب لا يكفي، ومن هنا يصبح الاختلاط حراماً في الأعراس لأنه مورد للوقوع في المحرّمات والشبهات الشرعية، وبدلاً من أن يكون العرس أمراً مباحاً ومستحباً يصبح أمراً محرّماً.

وخلاصة القول: إن معظم أعراسنا لم يعد متناسباً مع ذوق الشريعة الإسلامية وصار محرماً لما يحتويه من محرمات في: الزينة، واللباس، والغناء، والموسيقى، والرقص، والإسراف والتبذير في صرف المال، فقط لمجرّد التباهي والتفاخر والتشبّه بأهل الدنيا، وأهل الفسوق والفجور. وليس القول إن هذا العرس للملتزمين يجعله حلالاً، لأن العِبرة في التصرّفات لا في التسميات.
ومن كل ما سبق نقول: "إن العرس الموافق لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء يجب أن تراعى فيه كل الضوابط الشرعية التي ذكرها فقهاؤنا الحاليون والسابقون أيضاً".

*عرس الزهراء عليها السلام قدوة لنا
ويمكن أن نأخذ مثالاً على الزواج الإسلامي المؤاتي للحدود الشرعية زواج السيدة الزهراء عليها السلام من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والذي أشرف عليه رسول الله صلى الله عليها وآله وسلم، وكان على الشكل التالي:

أولاً:
الوليمة، وهي من المستحبات المؤكَّدة في العرس الإسلامي، وهي البديل المناسب عما يُقدَّم في أعراسنا اليوم ويمكن أن تكون تكاليفه أقلّ، وليس من الضروري أن تكون الوليمة متضمّنة لأنواع كثيرة من الطعام، بل يمكن الاكتفاء بنوع واحد مع توابعه، أما الوليمة التي أقامها النبي صلى الله عليها وآله وسلم، فقد أمر بنحر جملين وجعل من لحمهما وليمة وأطعم الناس.

ثانياً: ركوب "العروس" في سيارة مثلاً، كما أركب النبي صلى الله عليها وآله وسلم الزهراء عليها السلام على فرسه "الشهباء"، والسيارة هنا محلّ الجمل وفق تطوّر وسائل النقل، ثم تسير وراءها السيّارات التي يركب فيها أهل العروسين والمدعوّون، والقيام بجولة سيارة من دون إزعاج الناس بأبواق السيارات كما يحصل اليوم للأسف، ما يسبب إزعاجاً للناس وإقلاقاً لراحتهم.

ثالثاً: مكان العرس، وهنا ليس من الضروري أن يكون العرس في "الصالات" التي تكلّف المبالغ الطائلة، بل يمكن أن يكون في بيت "أهل العروس" مع التخفيف من أعداد المدعوين للتمكّن من القيام بواجب الضيافة على الوجه الجيّد والحسن، ويجتمع "أهل العريس" في منزلهم مع مدعويهم، وعند مجيء الموعد ينطلق أهل العريس إلى منزل أهل العروس، وينطلق الجميع في جولة سيّارة إلى "منزل العروسين"، وأن يكون والد العروس، أو من هو من أرحامها المقرّبين آخر من يودّعهما كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زفاف السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

رابعاً: الإنشاد، وهنا يمكننا أن نستعيض عن الغناء والموسيقى المحرّمين بمدائح في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته المعصومين عليهم السلام، كما ورد في عرس الزهراء عليها السلام من أنّ أمّ سَلَمة -زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قد ارتجزت شعراً جميلاً جاء فيه:
سِرْنَ بعونِ الله جاراتي واشكُرنَه في كلّ حالاتِ
واذكرن ما أنعم ربّ العلا من كشف مكروه وآفاتِ
فقد هدانا بعد كفر، وقد أنعشنا ربّ السمواتِ
يسرن مع خير نساء الورى تُفْدَى بعمّاتٍ وخالاتِ
يا بنت من فضَّله ذو العلا بالوحي منه والرسالاتِ(1).

*لنعُد إلى أعراسنا وأفراحنا الإسلامية
ونحن هنا، وطبقاً لضرورات الزمان والمكان علينا أن نقوم بالتأسّي في أعراسنا بعرس الزهراء عليها السلام، من دون كل الضجيج والصخب وتضييع الوقت والإسراف في صرف المال في الأعراس المنتشرة اليوم بصورتها المشوّهة شرعاً، والبعيدة عن عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية التي كانت حتى الأمس القريب معمولاً بها في أعراسنا وأفراحنا، إلّا أنّ محاولتنا في تقليد الآخرين في أعراسهم أوصلتنا إلى المستوى الذي خرجنا فيه في أعراسنا عن كل ضوابطنا الشرعية والأخلاقية.

فلنعد إلى أعراسنا ونعطها السمة الإسلامية التي ترضي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام الذين هم قدوتنا وقادتنا وربابنة سفينة نجاتنا في الدنيا والآخرة.


(*) مدير عام مكتب الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي دام ظله في لبنان.
(1) إنها فاطمة الزهراء عليها السلام، الدكتور محمد عبده.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع