لماذا لا يُشجع العلماء على استئصال اللوزتين؟ كيف يهدّد الهاتف بصرك؟ كبسولات النوم في مطارات أوروبا فيتامين يخلّصك من دهون البطن إلى الأبد خبر سارّ للكرة الأرضيّة الوحدة قاتلة بالفعل! المضادات الحيويّة تزيد مخاطر حصوات الكلى الزيتون يكافح السرطان مسيحي يبني مسجداً في الإمارات لا تبالغوا في الجهد البدنيّ!!

منشأ الانحراف السلوكي ومعرفة النفس


هناك مجموعة من المبادئ الأساسية التي تشكّل بتآلفها روحاً واحدة منسجمة تجعل الطريق إلى الله مشرقة زاهرة، وتبعث في النفوس شيئاً لا يستغني عنه الفقراء والناقصون والمتلهفون – أمثالنا – ألا وهو الأمل والرجاء ببلوغ مراتب الكمال والسعادة اللامتناهية.
 

وقبل الالتفات إلى هذه المبادئ الأساسية والإشارة التفصيلية إلى عناصرها، ينبغي التوقّف ملياً عند النقطة التي ذكرناها. فهي وإن كانت غير متيسرة الشرح بالطريقة البرهانية على هذه الصفحات، ولكنّها قريبة إلى الوجدان ومشتقة من روح دين الإسلام. فإنّ سهولة الإسلام ويسره وجمالية عرضه وحقائقه كلّ هذه أمور ظاهرة قوية جلية. وبالتالي فإنّ أيّة فكرة تخلو من هذه الأمور مشكوك بها أو بطريقة عرضها.
 

وللأسف الشديد فإنّ التعاليم الأخلاقية والمفاهيم السلوكية العميقة تعرض في أغلب الأحيان بطريقة تبعث اليأس والقنوط في نفوس القرّاء والمستمعين، وتوهمهم بأنّ سلوك هذا السبيل موقوف على مجموعة من المحظوظين الذين ولدتهم أمهاتهم بمواهب نادرة، أو تطرح في غير محلّها وأمام العامّة الغير مستعدين، فالإمام الكاظم عليه السلام يقول: "لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم".

* المبدأ الأول: موضوع علم الأخلاق

إذا اتضح لدينا أنّ جميع التعاليم الأخلاقية التي وردت في عالم الإسلام تدور حول محور متحرّك يهدف إلى رفع الإنسانية في مدارج لكمال، نعلم أنّ السير والسلوك إلى الله مستوعب للملكات الإنسانية، وأنّ الأخلاق الفاضلة آثار طبيعية "حتمية" لسير الإنسان التكاملي "وليس العكس". والعلم الذي نشأ في العصور المتأخّرة عن العصر الأول لظهور الإسلام مستلهماً من الروح العابقة بالمعنويات والوجدانيات الأصيلة للدين الحنيف هو علم الأخلاق الذي يؤمن بالأصالة المجرّدة للإنسان. وبتعبير آخر، لم يكن لعلم الأخلاق مثل هذه القوّة والنفوذ لو لم يكن ملتصقاً بالجهة الباطنية والبعد المجرّد للوجود الإنساني.
 

إنّ جميع مآسي البشر تعود إلى هذه النقطة بالدرجة الأولى. فإنّ إنكار البعد المعنوي وقصر النظر على المادة والماديات هو الذي جرّ الناس إلى ارتكاب أبشع الجرائم وأفظعها. لقد أعلنت الملائكة عن هذه النتيجة المشؤومة عندما نظروا إلى الجهة الظاهرة: ﴿إنّي خالق بشراً من طين قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.
لقد اتفق جميع علماء النفس والأخلاق على أنّ موضوع هذا العلم هو النفس الإنسانية، ولكنّهم اختلفوا فيما بينهم حول تحديد هوية هذه النفس وحقيقتها وآثارها وخصائصها. وكان لهذا الاختلاف الدور الأكبر في التباين والتشعّب الذي حدث على مستوى المدارس السلوكية في عالمنا.
 

هناك طائفة آمنت بوجود النفس، ولكنّها لم تعتقد بإمكانية تغييرها. والقول الشائع "الطبع يغلب التطبّع" من أفكار هذه الطائفة ولعلّ هذه الطائفة تستوعب قسماً كبيراً من الأتباع الذين يحملون هذه الفكرة سواءً في أفكارهم "نظرياً" أو في حركتهم في الحياة "عملياً". إنّ خطورة هذه الفكرة في أنّها لا تُبقي للتعاليم الأخلاقية أيّ معنى بل هي تنسفها من جذورها. لأنّ كلّ ما جاء لتربية الإنسان وانتشاله من سجن الطبيعة المظلم، كان يعتمد على الإرادة الذاتية والعزيمة الداخلية التي تنبعث في نفس المتربي تحثّه على إيجاد تغير جوهري في حياته وبدون هذا الأمل لا يبقى للأخلاق الإسلامية دور يذكر في صلب تعاليم هذا الدين الحنيف.
 

وطائفة أخرى اعتقدت بوجود النفس ولكنّها نظرت إليها كإحدى الظواهر الخفية لحركة الجسم وبالتالي فالنفس عند هؤلاء نتاج الحركة الفسيولوجية "العضوية" للجسم المادي المحكوم لجملة من القوانين الطبيعية. ويمكن تقسيم هذه الطائفة التي تستوعب القسم الأكبر من الأتباع إلى طائفتين: الأولى تلك التي لم تؤمن بعالم الغيب ووجود الله تعالى. لأنّ العالم منحصر في نظرتها بالمادة والكون المحسوس والطائفة الثانية توزّعت على مجموعة كبيرة من أتباع الإسلام الذين اعتقدوا بوجود الله ولكن عقولهم لم تستوعب حقيقة عالم التجرّد وشؤون الغيب وبالتالي، لم تكن النفس عندهم إلاّ جسماً لطيفاً يشبه البخار أو ما دون ذلك. وقد تمسّك هؤلاء ببعض الأحاديث المنسوبة إلى بيت النبوّة. ورغم أنّ كلتي الطائفتين لم ينكرا أصل التغيير وإمكانيته، ولكنّهما بالتأكيد جعلاه في مستوى منحط جداً، وقطعا الطريق على الإنسانية لبلوغ مراتب الكمال الحقيقي الكامن في ظل عبور عوالم التجرّد والمعنى.
 

إنّ الطائفة الأولى منهما رأت أنّ إيجاد التغيير في طبع الإنسان يمكن أن يتحقّق من خلال إحداث مجموعة من العوامل الشرطية "راجع تجربة العالم النفسي بافلوف" والتي تؤثر في التكوين العصبي للإنسان. ورغم أن اتباع هذه المدرسة قد قدموا دراسات تجريبية مميزة، إلاّ أنّهم قصّروا في تفسير آلاف الظواهر النفسية والعقلية.
والطائفة الثانية منهما تشعّبت بشكل مذهل على اتباع صاروا فرقاً وأحزاباً. فمنهم الحشوي ومنهم الصوفي ومنهم أهل الحديث، ولكلّ من هؤلاء مذاهب في النفس وتهذيبها، ربما لا نقدر – بهذا المختصر – أن نشير إليها جميعاً.ولكن يكفي أن ننظر في طبيعة المسلك الصوفي في بعض جوانبه التي تعتمد على إذلال الجسد وتحقيره أو تحطيمه حتّى نفهم سر ذلك ومنشأه..
 

أولئك الذين اقتصروا في رياضاتهم السلوكية على الأمور الجسمانية – من حرق الأصابع ولبس الصوف والمشي على الأيدي والوقوف على الرؤوس و.. – إنّما كان ذلك لأنّهم عندما قرأوا الروايات العديدة التي تشير إلى إماتة النفس وفضيلة ذلك فهموا منها البعد الجسماني، أو لأنّهم لم يفهموا حقيقة العالم المجرّد في وجود الإنسان.
لقد قال إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام: "من لم يعرف نفسه بَعُدَ عن سبيل النجاة وخبط في طريق عشواء".
 

ومن هذا المنطلق، يمكن إرجاع أكثر الانحرافات المسلكية "نظرياً وعملياً" إلى عدم فهم حقيقة النفس الإنسانية التي هي موضوع علم الأخلاق والسير والسلوك إلى الله.
وباختصار، إنّ التعرّف على المبادئ الأساسية لعلم الأخلاق الذي يهدف إلى ربط الإنسان بخالقه عزّ وجل، يعتبر مطلباً ضرورياً للتقدّم في هذا المجال.
 

وأوّل هذه المبادئ، موضوع هذا العلم، ما هو؟
وقد أشرنا إلى بعض المذاهب والمدارس التي ظهرت في العالم، وكان لها آراء مختلفة حول هذا الموضوع "النفس الإنسانية".
وتبين لنا جانب من آثار الانحرافات الفكرية في تفسير وفهم حقيقة النفس.
إنّ معرفة النفس أصل جميع الأصول السلوكية، وبدون المعرفة الصحيحة لا يتحقّق سفر للإنسان السالك، بل يمكن القول أنّ قوّة كلّ سالك تكون بحسب رسوخه في عالم معرفة النفس. وبقدر ما ينكشف له منها يكون نصيبه في عبور العوالم. قال الإمام الخميني "قدس سرّه":
"المرقاة لأمثال هذه المعارف، بل كلّ الحقائق للسالك العارف هي معرفة النفس، فعليك بتحصيل هذه المعرفة، فإنّها مفتاح المفاتيح ومصباح المصابيح، من عرفها فقد عرف ربه" عليه الصلاة و السلام . "مصباح الولاية".
 

فمن خلال هذه المعرفة يطّلع السالك على نقصانه ويعرف ابتلاءاته ويقف عند حدّه، فينال الرحمة الإلهية. ويقول إمام العارفين روح الله الموسوي الخميني"قده" أيضاً:
"فبمقدار ما نطّلع على نقصاننا نتنوّر عباداتنا وتصبح مقبولة عند الحقّ عزّ وجل". يبيّن لنا الإمام أن نورانية العبادات وقبولها – التي هي قرة عين السالكين- لا تتمّ إلاّ من خلال الاطلاع على النقصان الذاتي. وهذا ممّا لا يحصل إلاّ بالتوغّل في معرفة النفس ومراقبتها.
 

هل يمكن للسالك أن يوفق لاقتلاع أي مرض أخلاقي أو التخلّص من عادة خبيثة أو باطن فاسد بدون الاطلاع عليها والاعتراف بها؟
كيف يمكن أن يخرج الإنسان من سجن اليأس والعبثية إذا لم يدرك ما استودع الله فيها من ذخائر وهبات؟
وهل يتوقّع أن يتطلع السالك إلى بلوغ أعلى مراتب الكمال إذا لم يدرك حقيقة نفسه المجرّدة التي تفوق عالم المادّة والماديات؟
 

وخلاصة الكلام:  إنّ المبدأ الأول الذي ينبغي أن يتعرّف عليه كلّ باحث عن تصوّر صحيح وشامل للمدرسة السلوكية الإلهية هو موضوع علم الأخلاق وتهذيب النفس، أي معرفة النفس على حقيقتها.
إنّ النفس مجرّدة..
ولا حدّ لإمكانياتها وقابلياتها..
وإنّها ليست من طبيعة المادة المحدودة والفانية..
وإنّ كمالها يفوق – بما لا يوصف – كمال الجسد ولذاته..
وإنّ الاطلاع على النقص الحاصل فينا أوّل الطريق..
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع