نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

الآباء والأمهات القساة الذين يعرضون مستقبل أبنائهم للخطر الشديد

كثير من الآباء والأمهات الذين اجتازوا مرحلة الشباب بكل عذابها وآلامها، لا يلتفتون إلى الطوفان الذي يعتمل داخل قلوب أبنائهم- شباباً وشابات- لجهة الاستجابة الصحيحة للغريزة الجنسية القائمة. فتراهم في مجال المسائل المتعلقة بزواج أبنائهم أو بناتهم متشددين بشكل كبير وباردي الأعصاب والمزاج.


هذه القسوة والبرودة المتفرعتين من جذر روحي ونفسي واحد، تصل أحياناً إلى حد رؤية تأخير الزواج لسنة أو لخمس سنوات مسألة طبيعية، لا بل وقصيرة أيضاً!! ويقولون: حسناً، إذا لم تتزوج الآن سيتزوج في العام المقبل، أو يقولون: الوقت ليست مناسباً لزواجه والأفضل انتظار عدة سنوات أُخرى!!!
وذلك على الرغم من علمهم أن تأخير سنة واحدة، وأحياناً تأخير شهر واحد، بل عدة أيام في الظروف الحساسة قد يقلب مصير الشاب رأساً على عقب.
وغير معلوم في هذا المجال، عدم تذكر الآباء والأمهات لماضيهم، فهل نسوا بهذه السرعة طوفاناتهم ومعاناتهم قبل الزواج؟ ولِمَ لا يضعون أنفسهم مكان أبنائهم الشباب؟! في الوقت الذي يعتبر الشباب مقياس الأهل هذا خطيراً أو غالباً ما يؤدي إلى الويلات، ويجر أحياناً إلى الجنون.

والجدير ذكره أن عدم الانتباه هذا الواقع هو أحد أهم عوامل فرار الشباب من أجواء عائلاتهم، والانتحار وسائر الانحرافات والأمراض، خصوصاً في حال كان الأمر حاصلاً مع الشباب المتقي والبريء والظاهر، والذي غالباً ما يدور حديثنا حولهم.
فإهمال الآباء والأمهات لمثل هؤلاء الأفراد، هو أيضاً ظلم وبعيد عن واقع التفكير. وهذا التفكير إنما ينتج من مشكلات الزواج والمسؤوليات الناشئة عنه التي يراها لآباء والأمهات والتي غالباً ما تتسبب في نسيان إمكانية التشخيص والبحث عن وضع الشباب وتأزم غريزتهم الجنسية. والأسوة من ذلك إنهم إذا ما تذكروا قالوا: "لا يزال أمامنا متسع من الوقت"، و"لِمَ السرعة"؟ و"لا يزالون صغاراً"...
إلا أن نفس عبارة "إلى الآن" هذه، التي قد تكون عواقبها وخيمة، ستأخذ وقتاً طويلاً لدى الآباء والأمهات، إذ أنهم في موقع لا يوجد فيه طريق لجيران تلك الأخطاء".


فالشدة والقسوة التي يبديها الآباء والأمهات في اختيار الزوجة لأبنائهم، والقيود والشروط التي لا أساس لها، والتي غالباً ما تبعث على السخرية، ومع ذلك يعضونها للزواج ويتمادون فيها، كلا تنتج عن عدم الإحساس بالحاجة الموجودة.
إذ أن الإنسان إذا ما أحس بضرورة أمر فإنه يقلل من شروطه، ويذلل من عقباته، ويجعل التسامح والتجاوز عن الكثير من القيود أساساً لبحوثه وقراراته، بينما تراه في حال عدم إحساسه بالضرورة قاسٍ، شديد التفكير، غير قابل للملاينة.
قرأت في إحدى المقالات، إن بعض الذين يتعاطون مع الأمور بشدة وتدقيق- يصل إلى حدّ الوسوسة- قد يصل بهم الأمر إلى شم السيارة حين شرائها، وكأنها لحم، وكذلك الخضروات. مثل هؤلاء الأشخاص الذين يوظفون حاسة الشم عند شرائهم لسيارة، سيكون حالهم معروفاً عند انتفائهم واختيارهم زوجاً أو زوجةً لابنهم أو ابنتهم.
والملفت للنظر أنه يوجد نماذج كثيرة من هؤلاء الآباء والأمهات المهووسين الذين يضعون أنفسهم في مهالك ليست متوقعة.

وقد يكون سبب وجود مثل هذه النفسيات، أن الأشخاص المتقلبين، أصحاب المظاهر، يستطيعون بألاعيبهم وسياستهم، أن يدخلوا قلوب أمثال هؤلاء الأفراد، وإلا فهذا العمل لا يصدر أبداً عن أفراد سليمي النفس وسويين.
وصحيح أنه ينبغي التدقيق الكافي لاختيار الزوجة، فاختيار شريك العمر كله ليس كشراء بزة أو رداء آخر، إلا أن الدقة لا تعني التشدد والوسوسة، إذ أن نفس الظواهر التي يبديها الطرف الآخر في الزوجة اللائقة، وشهادات الأشخاص المطلعين في هذا المجال كلها تؤيد هذه الحقيقة. فينبغي الإقدام بدون تردد، والاستعانة بلطف الله ومدده، ومن المؤكد أن النتيجة لن تكون سيئة.


وانطلاقاً من القوانين الإسلامية المتكررة بالأمر بالتعجيل في زواج الأبناء، وبناء على إلهامات العقل وتجارب الخبراء الكثيرة، ينبغي على جميع الآباء والأمهات اجتناب برودة الأعصاب والشدة التي لا أساس لها في مسألة تزويج أبنائهم، وعدم اعتبار الأخطار الناجمة عن ترك هذا الأمر صغيرة، وإلا جعلوا مستقبل أبنائهم الأعزاء معرضاً للخطر.
وعلينا أن لا ننسى أن غريزة الشباب الجنسية من القوة بحيث يوقع إهمالها وتناميها في كثير من الأخطار، ويتسبب بشتى أنواع الانفجارات النفسية.
وتاريخ البشر ومختلف أوضاعهم يدل على أن الأخطار الناتجة عن انفجار هذه الغريزة لا يوازيها شيء. فهي أهم من كل المسائل، بل وأعمقها.
إليكم هذه الحادثة العجيبة، التي لها نظائر كثيرة في مجتمعاتنا، ذكرتها الصحف:

* من الذي يختار؟ الأبناء أم الآباء والأمهات
فتاة في الثامنة عشرة من العمر، أحضرت قبل لحظات من عقد قرانها، بزة عريسها، وارتدتها متنكرة، ثم قفزت من نافذة الغرفة إلى باحة البيت ولاذت بالفرار، إلى أن وجدت إحدى الحمامات العامة فدخلتها وقطعت شريان يدها حيث أغمي عليها. وبعد فترة عثر عليها فتم نقلها إلى أقرب المستشفيات، وتمت معالجتها ونجت من الموت. وبعد تحسُّن حالها، روت قصتها لرجال الشرطة فقالت:
"كنت أتابع دراستي الثانوية حتى السنة الماضية، وكنت مخطوبة لأحد الشباب الذي اخترته بنفسي. في السنة الماضية، وبينما كانت أتصفح إحدى الصحف، وقعت عيناي فجأة على صورة خطيبي معتقلاً بجرم سرقة مجوهرات، من قبل رجال الشرطة..
لم أصدق الخبر، اتصلت بمنزل ذويه، وبعد التحقيق أتضح لي أن الأمر صحيح. فقد كان مشتركاً مع إحدى عصابات السرقة، وكل ما كان يملكه كان مسروقاً. ولم اقتنع بهذا التحقيق أيضاً، بل راجعت الشركة التي كان يدعي أنه أحد مهندسيها، وذو مسؤولية رفيعة فيها، فاتضح لي أن كل كلامه كان كذباً ولا أساس له من الصحة. كما أن أحداً من مسؤولي الشركة لا يعرف شخصاً بهذا الاسم.
كان هذا إلى ما قبل شهر، حيث جاء أحد أصدقاء أبي وخطبني. وكان هذا الخاطب رجلاً ثرياً في الأربعين من عمره، قد توفيت زوجته للتو.
من ناحيتي، لم يكن عندي أي ميل للزواج، وقد أبديت وجهة نظري مراراً ولكن دون جدوى، إذ لم يكن ليسمع كلامي أحد. وكان والدي مصراً على تزويجي منه. وأخيراً، عندما نظرت إلى بطاقات دعوة الزفاف التي تم توزيعها، ورأيت أنني مغلوبة على أمري، لمأرَ حيلة سوى الهروب والانتحار".

فالقول إذاً بأن أمر الزواج يجب أن يتم بموافقة الآباء والأمهات وكبار العائلة، أو أنه يجب أن يترك فقط في عهدة الشباب وميولهم، دون أي تدخل من جانب أي شخص آخر يوجد نوعين من التفكير متناقضين تماماً. هذا ويقدم أتباع كل فريق أدلة منطقية لدعم موقفه. فلنتعرف أولاً إلى منطق كل فريق ولنحلله لنكتشف الطريق السوي بعد المطالعة والتدقيق:

فهناك فريق من الشباب يقولون:
"أساساً.. هل يريد الآباء والأمهات أن يختاروا الزوجة لأنفسهم، حتى يكون قبولهم هو المعيار؟ يجب أن يختار كل شخص بنفسه شريك حياته.
فلنفرض أن الفتاة الفلانية هي ملاك في نظر آبائنا وأمهاتنا، إلا أنها ليست كذلك في نظرنا".
فتكون في هذه الحالة أسوء من غول الصحراء.
تظهر مطالعات علماء الاجتماع ومسؤولي القضاء إن كثيراً من الزيجات المؤدية إلى الطلاق هي تلك الزيجات المبكرة والتي كان رأي الآباء والأمهات فيها هو المعيار. وهذا ما نرى نماذجه ي الصحف حيث أن انتحار الكثير من الفتيات والشباب وهروبهم من قوانين العائلية العليلة، سببه خطأ الأولياء الكبار الذين لا يعرفون شيئاً اسمه القيم.
إذا سلمنا فرضاً، أن أعين وآذان الشباب كانت مغشية يوماً وكانوا غير قادرين على تمييز مصالحهم، فقد اختلف الأم اليوم، والكل يعرف كيفية التعاطي مع مثل هذه الأمور. كما أن طريقة تفكير الآباء والأمهات غالباً ما تكون قديمة، ولا توافق روح الزمان، ولهذا السبب، قد لا يمكنهم تفهُّم احتياجات وامتيازات أي شاب وشابة.
خلاصة الأمر، يجب على الآباء والأمهات وضع أنفسهم على حياد في هذه المسألة الحياتية، وفسح المجال لذوق وابتكار وتفكير أبنائهم.

أما الآباء والأمهات فيقولون:
"لو كان الإنسان أفلاطون زمانه، وأبا علي سينا أيضاً، فإنه سيكون في البداية شاباً خاماً، وبعبارة أُخرى، أن الشباب هم أصحاب رؤية فطرية وبريئة فوق الحد، وبسبب صفائهم وطهارتهم، فإنهم سرعان ما يقعون وينخدعون بالمظاهر الحسنة والأشكال المنمقة.. ولا يلمون أية أبالسة خطيرة اختبأت داخل هذه المظاهر المخادعة".
وإننا نرى كثيراً من المنحرفين الذين يجيدون إيقاع الأبناء والبنات الشباب، أو يجيدون "صيد الأزواج"- حسب الاصطلاح- قد حفظوا أجمل العبارات وأروع كلمات العشق والأدب، وبأدائهم لأعمال رقيقة ولطيفة، يلفتون انتباه الطرف الآخر بمهارة وبسرعة فائقة، ويحتلون أماكن في قلوبهم من خلال الاستعانة بالفنون الشيطانية الدقيقة التي يعرفونها جيداً.. وقد قيل قديماً "في البداية يتخذ مكاناً لنفسه، ثم ترى بعدها أي الأفعال بفعل". وبعد أن يتم العمل ولا يبقى مجالٌ للرجوع، يظهر خلاف ما كان يعد به.
على أية حال، مهما كان الشاب متيقظاً، ففي النهاية هو بحاجة إلى مرشد في هذا الطريق الذي سيطويه لأول مرة، وعليه أن يسأل ويستعلم ممن سبقه في سلوك هذا الطريق، لأنه مجهول بالنسبة له، وعليه أن يحترس من خطر الضياع.
 

وهنا يتساءل الآباء والأمهات:
"وهل الآباء والأمهات أعداءٌ لأبنائهم، بحيث لا يأخذون بعين الاعتبار مصالحهم الواقعية؟ أنهم يحبونهم أكثر من أنفسهم. ويفدونهم بأرواحهم.."
ثم إن الآباء والأمهات مهما كانوا على عدم علم وإطلاع، إلا أنهم ذاقوا حلاوة الحياة ومرارتها، وهم على معرفة بالأمور المؤثرة مستقبلاً على الحياة الزوجية، وقادرون على تشخيص وتمييز الوقائع والحقائق من الخيالات والأوهام.
إن عدم استشارة الأهل في أمر الزواج أمر قبيح فيه نسيان للجميل الذي لهم على أبنائهم وهو أمر لا ينسجم ولا يتلاءم مع أي أصل إنساني.
ولو غضضنا الطرف عن كل هذا، فإن عدم استشارتهم أمر قبيح من الناحية الأخلاقية، لأن فيه نسياناً للجميل الذي لهم على أبنائهم، بعد أن أفنوا أعمارهم وقواهم ونشاطهم في خدمتهم وتحقيق السعادة لهم. كما في ذلك إغفال لأحاسيسهم الطاهرة تجاه هذا الموضوع الحساس الذي له أثر كبير في حياتهم ومستقبلهم.
ومن هنا فإن ترك استشارتهم كلياً واختيار الزوجة دون رضاهم ونسيان معرفوهم لا يتلاءم أو ينسجم مع أي أصل إنساني.
 

ونحن نقول:
إن أي من النظريتين غير مطابق للواقع بشكل قاطع وصحيح. فلا الآباء والأمهات لهم الحق وحدهم في إجبار أولادهم على اختيار الزوجة التي اختاروها، ولا صلاح الشباب يكون بالإقدام على هذا الأمر دون مشاورة الآباء والأمهات. بل أن الطريق السوي والقويم يتمثل بالمشاركة والاستشارة والتفكير وتبادل الآراء حتى يصلوا في هذا إلى الهدف المطلوب ويحققوا الأمان والسلام ي هذه المسألة الحياتية.
فعلى الآباء والأمهات أن يأخذوا هذه الحقيقة بعين الاعتبار، حيث أن مسألة اختيار الزوجة لا تكون بتمامها مسألة منطقية وعقلية، بل غالباً ما يكون الذوق عاملاً أصيلاً في عملية الاختيار هذه، ولا شك أن ذوق الأفراد يختلف فيما بينهم، حتى فيما بين الأخوة أنفسهم.
وقليلٌ ما يحدث ويستمر زواج إجباري، إذ أنه سيؤول إلى الانفساخ عاجلاً أو آجلاً.
والأخطر والأسوأ من كل ذلك، أخذ الآباء والأمهات مصالحهم الشخصية بعين الاعتبار أثناء اختيارهم زوجات لأبنائهم. ومثل هؤلاء الأفراد في ضلال وضياع كبيرين.

من جهة أُخرى، على الشباب أن يعلموا أن العشق والهيجان والحماس غالباً ما يوجد حجاباً غليظاً على أعين الإنسان. وفي هذه الحالة، فإن المرء لا يرى إلا المحاسن، ويتغاضى عن العيوب، لذا على الآباء والأمهات والأصدقاء والعارفين أن يساعدوهم في هذا الاختيار المصيري بمساعدتهم الفكرية.
أضف إلى ذلك، إن الشباب مهما كانوا أقوياء في مواجهة مشاكل وحوادث الحياة، فإنهم لا غنى لهم عن مساعدة الأصدقاء والأقارب والآباء والأمهات، وإذا ما أهمل الشباب هذا الأمر المهم، فإنهم لن يستطيعوا في المشاكل المستقبلية أن يتمتعوا بحماية الأهل والأصدقاء، ودعمهم. ومن هنا كانت مشاورتهم ضرورة لا بدَّ منها.
 

أما من الناحية الأخلاقية، فإنهم مكلفون بالالتفات إلى آراء آبائهم وأمهاتهم بعطف قدر ما يستطيعون. وقد ركزت القوانين الإسلامية على هذه الاستشارة في المساعي والأعمال، خاصة في تزويج الفتاة. حيث جاء الأمر أولاً بأخذ رضاها ومن ثم موافقة الأولياء، طبقاً، هناك موارد قد يقدم فيها الأب على تزويج ولده دون مصلحة، بل لمجرد توافق ذلك مع مصالحه الشخصية، فلا يحق له والحال هذه تزويجه. وكذا في الموارد التي يكون فيها الزواج متوافقاً مع مصالح الابن، إلا أن الأب يمانع عمداً وتعنتاً، فرأيه في هذه الحالة غير معتبر، ولا ضرورة لأتباعه.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع