مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

دور الإعلام في الحرب‏

عدنان علامة

 



تلازمت الكلمتان على مر العصور وتطورت تقنيات كل منهما مع التطور التكنولوجي لكل من وسائل الإعلام وتجهيزات الحرب وعدتها. وقد مرت أخبار الحرب بجميع المراحل وكانت في السابق تعتمد على "الرسل" ومن ثم الحمام الزاجل وإشارات المورس والتلغراف والهاتف واللاسلكي إلى أن وصلنا إلى عصرنا الحاضر عصر الانترنت وعصر الأقمار الاصطناعية. يعد المخططون للحرب خططهم العسكرية ويدرسون كافة الاحتمالات والخطة البديلة والقائد الحكيم يضع نصب عينيه كيفية وصول أخبار الحرب لحظة بلحظة ويعدل بخططه بناءً لمجريات الأحداث.

* تطور الإعلام في الحروب‏
كانت أخبار الحروب في السابق تصل إلى الناس بوسائل مختلفة وبنسب مختلفة من الدقة والمصداقية. وكان القادة يجمعون بين التوجيه العسكري والتوجيه السياسي فكانوا يعمدون إلى بث الشائعات والأخبار التي تدخل الخوف والرعب في صفوف الأعداء. لا بد من الإشارة بأن دور الإعلام أصبح رئيسياً مع تطور وسائل الإعلام أو وسائل الاتصال وأصبح الخبر ينتقل فور حدوثه إلى كافة أرجاء العالم. وقد تنبأ "ماكلوهان" بالتطور الإعلامي وشبه العالم بالقرية الكونية. فأهل القرية يعرفون بعضهم بعضاً ويعرفون أدق التفاصيل لحياة جميع أفراد القرية وهكذا سيصبح العالم فالشعوب ستعرف بعضها بعضاً كما هي الحال بين سكان القرية. تطورت وسائل الاتصال مع الحرب العالمية وقد عرف أهمية الحرب الإعلامية "غوبلز" وزير الإعلام الألماني في عهد هتلر وكان يعتمد على بث الإشاعات لإحباط الروح المعنوية بين الجنود والشعب وقد استسلمت الكثير من المدن والبلاد بفضل الأخبار التي كان يضخمها "غوبلز" وقد أنشأ "غوبلز" إذاعة أسماها "إذاعة فرنسا الحرة" وكانت تبث باتجاه فرنسا وكان الفرنسيون يستمعون إليها مع معرفتهم بأنها تبث من ألمانيا. وكان يركز على أن القادة الفرنسيين يمضون إجازاتهم في الشانزليزيه ومقاهي باريس بينما الجنود يقضون أيامهم وأسابيعهم في الخنادق الرطبة ويصف وصفاً دقيقاً لحالهم وقد نجحت الإذاعة في التأثير على نفسية الجنود في المحاور الأمامية.

* كشف الحقائق وتشكيل الرأي العام‏
إن تطور وسائل الاتصال نبه القادة العسكريين للحد من نشاط الصحافيين ووسائل الإعلام وهذا استلزم استحداث "الرقابة" و"المراسلين العسكريين". خلال العدوان الأمريكي على فييتنام كان الهدف المعلن "القضاء على الخطر الشيوعي حفاظاً على الأمن القومي الأمريكي" وكان القادة العسكريون يعملون برقابة صارمة على الأخبار الصادرة عن المراسلين الخاصين المرافقين لقوات الاحتلال ولدى عدم اقتناع أصحاب الصحف ووسائل الإعلام المرئية بالمعلومات الشحيحة بدأوا بإرسال الصحفيين والمراسلين على مسؤوليتهم وبدأت الأخبار الحقيقية عن الحرب تصل إلى القادة السياسيين وقد شكلت هذه الحقائق رأياً عاماً ضاغطاً أجبر القوات الأمريكية على الاعتراف بهزيمتها في فييتنام وانسحبت كلياً عام 1975.

حين نذكر الإعلام والحرب علينا أن نراقب وكالات الأنباء عن كثب. ففي المجالات العادية تنقل معظم وكالات الأنباء الأخبار وتشترك وسائل الإعلام بهذه الوكالات لتكون مصدراً رئيسياً لكافة أخبارها وهكذا تكون الأخبار العالمية وحتى المحلية خاضعة "لمزاج" هذه الوكالة أو تلك مهما ادعت حيادها واستقلاليتها وفي حالات الحرب تركز وسائل الإعلام على أفضل السبل للحصول على السبق الصحفي وتضع وسائل الإعلام والوكالات الخطط الإستراتيجية للحصول على الأنباء. وأمام مبدأ التنافس بين الوكالات وبين وسائل الإعلام بدأ تجهيز المراسلين بأفضل المعدات الحديثة ليتم النقل المباشر إن أمكن للحروب. وأصبحت عدة المراسل من عدة الحرب وتلعب الإمكانيات المادية دورها لتأمين هذه التجهيزات الباهظة الثمن. "كالهاتف" المرتبط بالأقمار الاصطناعية والأجهزة المرتبطة به "فاكس وإنترنت" أجهزة حماية شخصية. وكاميرات ترسل مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية. أمام تطور وسائل الاتصال بدأت الدول التي تصنع الحروب بفرض نظام رقابة شديد على وسائل الإعلام مستفيدة من أخطاء حرب فيتنام حسب رأيهم. وخلال حرب جزر الفوكلاند أو "المالفيناس" بين بريطانيا والأرجنتين اختارت بريطانيا وكالة واحدة لتكون مصدراً وحيداً للأخبار. وهذا ما يعرف بالرأي الواحد أو أحادية الرأي وهذه الطريقة المثلى لإخفاء الحقائق.

خطورة الحرب الإعلامية
تطور مفهوم الإعلام من الأنباء أو الأخبار والإبلاغ إلى مفهوم الاتصال أو التواصل وأصبح يتضمن رسالة تحملها الوسيلة الإعلامية من المرسل إلى المتلقي وقد تكون الرسالة على شكل كلمات أو صور أو حركات أو رموز وقد تشتمل الرسالة على كافة الأشكال، ويعمد المرسل إلى أفضل الوسائل لتصل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من المتلقين ويختار التوقيت الملائم لبث هذه الرسالة أو الرسائل. وقد استوعب الكيان الغاصب هذا المفهوم وطبقه حين بدأ الغزو 1978 تحت ذريعة طرد الفلسطينيين، والاجتياح عام 1982 وكان يستخدم عبارة بأنه لا يوجد له مطامع في لبنان وهو في الواقع يكرس احتلاله وحاول فرض اتفاقات مثل إتفاق 17 أيار ووعت المقاومة الإسلامية لأطماع العدو وخاضت حرباً إعلامية لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية وعرفت نقاط ضعفه وأصبحت تركز عليها فأفقدته مصداقيته وأثرت على نفسية الجندي الإسرائيلي حيث سجلت حركة واسعة في رفض الخدمة في جنوب لبنان وأظهرت خسائره بصورة مذلة وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. هذه الحرب الإعلامية أنتجت داخل الكيان الغاصب حركة الأمهات الأربع التي شكلت رأياً عاماً ضاغطاً داخل الكيان الغاصب وزادت المقاومة الاستفادة من نتائج العمليات الاستشهادية والجهادية لتفرض انسحاباً ذليلاً أحادي الجانب دون أية اتفاقات جانبية ومنعت المقاومة الإسلامية العدو الصهيوني من تحقيق أية مكاسب معنوية أو مادية لقاء انسحابه. وخاضت الولايات المتحدة حربها في الكويت لطرد الجيش العراقي وصورت المعركة على أنها معركة نظيفة تدار كلها الكترونياً فالصواريخ ذكية وتصيب أهدافها بدقة متناهية وشبهت الحرب بلعبة من ألعاب الكمبيوتر. فاختارت وكالة الـCNN حصرياً لبث وتوزيع الأخبار الخاضعة لمقص الرقابة طبعاً وكثَّفت المؤتمرات الصحفية لفرض الرسائل المراد توزيعها على وسائل الإعلام. وقد أعلنت أمريكا وبريطانيا الحرب على العراق واختارت الـCNN كمرافق لحملتها العسكرية ومن ضمن صفوفها لنقل وجهة نظر قوات التحالف واعتمدت دول التحالف تكثيف الحملات الإعلامية والمؤتمرات الصحفية في مركز قيادة القوات في قطر السليمية وفي البنتاغون ومن وزارة الحرب في بريطانيا.

وأمام هذه الحصرية لجأت الفضائيات إلى توزيع مراسليها في كافة مناطق الاشتباكات ونقلت صورة مغايرة بالكامل لما روجت له الدعاية الأمريكية والبريطانية ونقلت صور القتلى والأسرى من دول التحالف كما نقلت صور المجازر التي سببتها القنابل الذكية الموجهة عبر الأقمار الاصطناعية وقد أثَّرت هذه الصور إلى جانب المقاومة العراقية غير المتوقعة على سير المعارك مما فرض على دول التحالف وضع خطط بديلة لم تؤخذ في الحسبان سابقاً. نستنتج أن الإعداد لأية حرب يتطلب تجهيز العدة والعتاد اللازمين ومن هذا العتاد والعدّة الحرب الإعلامية، ورسم الخطط والخطط البديلة حيث أثبتت التجربة بأن الإعلام سلاح هام جداً وقد يفوق من حيث الأهمية السلاح التقليدي إذا تمت الاستفادة منه إلى أقصى حدوده.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع