مناسبة: حكاية شهادة قضايا فكرية: الثورات الملوّنة تقرير: مستشفى "الشفاء التخصُّصيّ" لاصق طبّيّ "ثوريّ" عربات الأطفال أكثر عرضة للهواء الملوّث رغم العقوبات الجائرة.. صناعات إيران تنمو 10% أخلاقنا: بيوتٌ تحيا فيها المحبّــة(2)(*) بطّة الاستحمام.. خطر يهدّد الأطفال التخزين على الزجاج.. تقنيّة مذهلة من مايكروسوفت تطبيق يصحبك في "رحلة مجانيّة" إلى الأراضي المحتلّة

تاريخ‏: ثورة التوابين الأهداف والنتائج

الشيخ طليع حمدان‏

 



شكلت النهضة الحسينية المباركة في القرن الأول الهجري حدثاً عظيماً أيقظ الضمائر النائمة التي اعتادت على السكون والخضوع... وأوجدت اهتزازاً في البنى الفكرية والنفسية التي تحكمت بهمم المسلمين وحركتهم طوال عقود عديدة، حيث لم تشهد الساحة الإسلامية معارضات شاملة للحكم الموجود ما خلا حركة الخوارج المسلحة والتي شابها العنف وضيق الأفق وغياب البرنامج السياسي، مما أفقدها امتداداً في الأمة على المستوى الاستراتيجي، في مقابل حركات أخرى تميزت بموضوعية شعاراتها ونضالها، مما جعلها تشكل الأرضية الصالحة للنهضة الحسينية المباركة فيما بعد...

* حركات سبقت الثورة الحسينية
فحركة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه بوجه الطبقة الحاكمة "التي استأثرت بالفي‏ء وعطلت السنّة ووزعت المغانم وعطلت الحدود" رفعت شعار التصحيح محذرة بالآية القرآنية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم (التوبة: 32) مما أدى إلى نفيه وموته في الربذة... ثم حركة الصحابيين عبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن الأرقم صاحبي بيت المال في الكوفة والمدينة ضد السياسة المالية للخليفة الثالث، مما أدى إلى اضطهادهما... ثم حركة الأشتر النخعي وجماعته المناوئة للوالي الأموي سعيد بن العاص بعد توليه الكوفة، سيما وأنه صاحب المقولة الشهيرة "السواد قطين قريش"(1) (أي العراق هي أحد بساتين وممتلكات قريش لا تحتاج إلى إذن من أحد لكي تتولاها)، ثم كان صلح الإمام الحسن عليه السلام الذي كشف زيف السلطة المتمثلة بمعاوية ورهطه بعد أن تحولت إلى ملك عضود يتوارثه الأبناء عن الآباء ثم الحركة التصعيدية النضالية لحجر بن عدي الكندي في الكوفة والتي كانت نتيجتها إعدامه وأولاده في ملحمة إنسانية فريدة.

* تجليات عاشوراء
وهكذا تقدمت الثورة الحسينية إلى يومها الموعود محملة بأوجاع من سبقها ومن عاصرها، مقدمة نفسها نبراساً للأجيال المقبلة، ومشكاة تضي‏ء الظلام المدلهم الدامس، ومطلقة لأول حركة نضالية شاملة تهدف إلى إسقاط الباطل وأهله من النفوس والعروش. واللافت أن آثارها المباركة تجلت في بعثها الروح النضالية والجهادية عند المسلمين في حركة من العمق نحو الأعلى، حيث أسقطت القناع الديني الذي حرص معاوية على إحكامه ستراً لخداعه ونفاقه... لذا كانت تجلياتها عند المسلمين حاضرة بثورات وحركات متعددة، اتجهت في مسارها نحو الطبقة الحاكمة، متوسلة شعارات كربلاء التصحيحية الهادفة، حيث تقاطعت أسبابها في الرغبة الجامحة بالتخلص من الحكم الموجود، واستبداله بحكم أفضل تراعى فيه العدالة الاجتماعية والانتماء إلى أهل بيت الوحي عليهم السلام. فالثورة الحسينية كما رآها أحد المؤرخين(2): "قد شحنت الفكر السياسي في الإسلام بمادة جديدة من التحدي والانتصار على الذات والتضحية من أجل المبدأ..." أدّت إلى إسقاط الحكم السفياني دون أن ينجو الحكم المرواني منها على المدى الأبعد... فكانت ثورة التوابين وغيرها منارات سامقة وماضية على الدرب الحسيني المقاوم.

* التوابون:
بعد أن عاد عبيد اللَّه بن زياد من معسكره في "النخيلة" إلى الكوفة شعر المتخلفون عن الركب الحسيني بعارهم وشنارهم، فقرروا الاجتماع في بيت سليمان بن صرد الخزاعي سراً، حيث اقتصر الحضور على الخمسة الكبار وهم المسيب بن نجبة الفزاري وعبد اللَّه بن سعد النفيلي الأزدي وعبد اللَّه بن وائل التميمي ورفاعة بن شداد البجلي إضافة لسليمان بن صرد نظراً لدقة الظروف وما يتطلبه العمل من دقة وتخطيط، سيما وأن شرطة ابن زياد تجوب أزقة الكوفة بحثاً عن المناوئين، لذا تميزت مرحلة الإعداد الأولى بسريتها وبثها الدعاة في المدائن والأمصار لجمع الأنصار والأعوان. وذلك بعد أن حسمت الزعامة لسليمان بن صرد الذي عاصر النبي صلى الله عليه وآله واكتسب صحبته وكان له من العمر يوم استشهاده ثلاث وتسعون سنة، فضلاً عن كونه قائد مشاة الميمنة في جيش الأمير عليه السلام يوم صفين، وقد أوضح ابن سعد بعضاً من سيرته قائلاً: "ويكنى أبا مطرف، أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وآله، وكان اسمه يسار، فلما أسلم سماه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله سليمان، وكانت له سن عالية وشرف في قومه، فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله تحول فنزل الكوفة حين نزلها المسلمون وشهد مع علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل وصفين" وهكذا استمر الحال حتى هلك يزيد عام 65ه في شهر ربيع الآخرة واندلعت ثورة ابن الزبير في الجزيرة حيث استولى على البصرة، وفرغت السلطة في الكوفة دون أن يبادر التوابون بزعمائهم لأخذ المبادرة وتعيين والٍ على الكوفة، باعتبار أنهم لا يريدون سوى الانتقام من بني أمية والنظام الحاكم في الشام على قاعدة: "لا واللَّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتليه والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك" مما أدى إلى انقسام الساحة الشيعية في الكوفة إلى فريقين:

1- الأول يريد الانتقام والشهادة للتكفير عن الذنب والتوبة على التقصير تجاه نصرة أبي عبد اللَّه عليه السلام دون أن يهدف لاسقاط الحكم وإقامة حكم شرعي مكانه، لذا نجدهم لم يستمعوا إلى كلمات الناصحين لهم بالعدول عن الفعل الاستشهادي إلى الفعل الجهادي الهادف، كما حدث مع والي الكوفة الزبيري عبد اللَّه بن مطيع الذي طلب منهم الانضمام إلى المعسكر المواجه لابن زياد الزاحف نحو الكوفة، وطلب الزعيم القيسي زفر بن الحارث منهم البقاء في قرقيسيا للمواجهة معه سيما أن جيوش الأمويين زاحفة نحوه.

2- الثاني يريد الانتقام والشهادة من خلال حركة جهادية عسكرية يسيطر من خلالها على الكوفة وينتقم من كل من شارك أو ساهم بالمأساة الحسينية، دون تمييز بين فاعل ومحرض، ثم الانطلاق من الكوفة نحو باقي الأمصار لإقامة الحكم الشرعي الذي يُرجع الحق إلى أهله. وكان أبرز قادة التيار المذكور المختار بن عبيد اللَّه الثقفي وإبراهيم بن مالك الأشتر الذي كان فعلاً وقولاً سرّ أبيه. فأمام هذا الواقع انقسمت الساحة المعارضة في العراق والحجاز إلى ثلاثة اتجاهات، مما حدّ من قوتها في المدى البعيد، فالتوابون رغم تجييشهم للرأي العام الموالي، لم يلتحق بهم في "النخيلة" سوى أربعة آلاف مقاتل بعد أن تسجل في ديوان سليمان بن صرد ما يقرب من ستة عشر ألف مقاتل، وذلك جراء غياب القيادة الموحدة فضلاً عن طبيعة المهمة الاستشهادية التي يهواها القليلون في العادة. ثم توجّه التوابون نحو قبر الإمام الحسين في كربلاء، حيث قضوا الليل في البكاء والندم وأكدوا العزم على المضي في دروب الشهادة، لأنها وحدها الكفيلة بالتكفير عن تقصيرهم وخذلانهم لابن بنت نبيهم صلى الله عليه وآله قائلين: "يا رب، لأنا خذلنا ابن بنت نبينا، فاغفر لنا ما مضى، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك يا رب إنا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"(3).. وهكذا ساروا نحو الشام للإنتقام من النظام ورموزه، وبعد أن وصلوا إلى منطقة عين الوردة التحموا بجيوش الأمويين وقاتلوا قتال الأبطال ولم يسلم منهم سوى رفاعة بن شداد الذي تراجع بالقلة القليلة والتحق بحركة المختار، بعد أن استشهد سليمان وصحبه ورجالهم.

* نتائج ثورة التوابين:
قد يبدو للبعض أن ثورة التوابين لم تكن سوى حركة استشهادية خالية المضمون والأهداف والصحيح أن الثورة المذكورة حققت أموراً عديدة أهمها:

أ- استنزاف الجيوش الأموية الزاحفة للقضاء على ثورة المختار وابن الزبير، مما جعلهما يصمدان أمامها بل ينتصران في مواضع عديدة وبالتالي أبعدت العراق عن سلطة الأمويين إلى حين.

ب- حققت الحد الممكن من أطروحتها بالثأر من قتلة الإمام الحسين عليه السلام والقتل فيه.

ج- أثارت الرأي العام الإسلامي وتحديداً الكوفي جراء التضحيات الجسام التي بذلتها في سبيل التكفير عن تقصيرها في كربلاء، مما أوجد مناخاً مثالياً للحركات المناوئة الأخرى على الساحة الإسلامية لقطف ثمار التعبئة النفسية ضد الأمويين واستثمارها في زيادة عديدها وقوتها.

د- حوّلت الكوفة إلى مركز استقطاب دائم ومحور للنضال المختلف والمناهض للأمويين.

وأخيراً ينبغي القول: إن العمل الاستشهادي لا يستهوي إلا قلة من الأفراد "على مستوى عالٍ من التضحية والتشبع بالمبدأ، وهؤلاء قلة في كل زمان"(4).


(1) القطين: الخدم والاتباع منجد اللغة والإعلام، ص‏642، السواد: العراق بين البصرة والكوفة وما حولهما من القرى.
(2) الدكتور إبراهيم بيضون من دولة عمر إلى دولة عبد الملك.
(3) الشيخ محمد مهدي شمس الدين، صورة الحسين، ص‏264.
(4) المصدر السابق، ص‏266.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع