مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

قرآنيات‏: لماذا نزل القرآن باللغة العربية؟

الشيخ أحمد حاطوم‏

 



﴿ِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون (يوسف: 2). لقد نزل القرآن الكريم باللغة العربية دون غيرها من اللغات، وهذه الظاهرة قد يكون سببها الميزات التي تختص بها اللغة العربية من بين اللغات الأخرى، مما يجعلها أشرف اللغات وأقدرها على استيعاب أوسع المعاني أو التعبير عنها، كما قد توحي بذلك بعض النصوص، أو تنتهي إليه دراسات علم اللغات وخصائصها. ولكن الشي‏ء الذي يمكن أن يستفاد من القرآن وكذلك التأمل في هذه الظاهرة هو تفسيرها على أساس ارتباط هذه الظاهرة أيضاً بالهدف التغييري... ولا ينافي هذا الارتباط شرف اللغة العربية وخصائصها البلاغية. فبالرغم من أن القرآن نزل هداية للعالمين ومن أجل أن يرسم الطريق لكل البشرية إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، ولا يختص بقوم دون قوم، ولكن باعتبار أنّ الجماعة الأولى التي كان يُراد مخاطبتها بالقرآن هم عرب، واستهدف القرآن الكريم أن يخلق ضمن هذه الجماعة القاعدة التي ينطلق منها الإسلام المحمدي الأصيل، اقتضى ذلك نزول القرآن باللغة العربية، ولولا ذلك لأمكن أن نفترض واللَّه العالم نزول القرآن بلغة أخرى، وبذلك ترتبط هذه الظاهرة بقضية الهدف التغييري، وإلا لأمكن أن نفترض أن الهداية والمضمون يمكن أن يعطيا بأي لغة أخرى. ولما كانت ضرورات التغيير الذي يريد القرآن أن يحققه للبشرية اقتضت أن يكون منطلق هذا التغيير هو الجزيرة العربية، لذا أصبح من الضروري أن يكون القرآن باللغة العربية للأسباب التالية والتي أشار القرآن إلى بعضها في تفسير هذه الظاهرة.

* تأثير اللغة العربية في استجابة العرب الأوائل للقرآن‏
إنّ القرآن لو نزل بغير اللغة العربية لكان من الممكن ألا يستجيب العرب لهدايته ونوره بسبب حاجز (الأنا) والتعصب الذي كان يعيشه العرب في الجاهلية، كما تشير إلى ذلك بعض الآيات القرآنية ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (الشعراء: 199-198) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (فصلت: 44).

* التفاعل الروحي أفضل مع لغة القوم‏
إن التفاعل الروحي والنفسي الكامل مع الهداية والنور والمفاهيم القرآنية إنما يتحقق إذا نزل الكتاب بلغة القوم الذين يُراد إيجاد التغيير الفعلي فيهم، لأن إثارة العواطف والأحاسيس إنما تكون من خلال التخاطب باللغة نفسها، وأما المضمون فهو يتفاعل مع العقل والتفكير المنطقي، وتبقى العواطف والأحاسيس محدودة على الأقل في مجال التفاعل وبعيدة عن التأثير. ولعل هذا السبب يمثل خلفية السنّة الإلهية في اختيار الأنبياء لكل قوم من أولئك الأفراد الذين يتكلمون بلغة القوم نفسها، حتى تكون الحجة لهؤلاء الرسل أبلغ على أقوامهم، وحتى تكون قدرتهم على التأثير أكثر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (إبراهيم: 4). ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ (الشورى: 7).

* التحدي بلغة القوم‏
إن القرآن الكريم كان معجزة ببيانه وأسلوبه إضافة إلى المضمون وهذا الجانب من الإعجاز لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان بلغة القوم، لأن التحدي الذي هو محتوى الإعجاز إنما يكون مقبولاً إذا كان باللغة التي يتكلم بها الناس، وإلا فلا معنى لأن نتحدى من يتكلم بلغة ويأتي الكتاب بلغة أخرى. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(البقرة: 23)، ويقول تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (يونس: 38). وقد كان التحدي في هذا الجانب من الإعجاز باعتبار ما كان يوليه ذلك العصر من أهمية خاصة للبلاغة والبيان، الأمر الذي كان له أثر كبير في الخضوع النفسي لهؤلاء العرب لبلاغة القرآن وبيانه.

* الكتاب المبين‏
لقد جاء في آياتٍ كثيرة وصف القرآن بأنه الكتاب المبين، والقرآن المبين، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين(الشعراء: 195- 192). وهذا ما يؤكد قضية الوضوح في القرآن، التي جاءت لتتناسب مع كونها بلغة التخاطب نفسها مع القاعدة التي يريد أن يحدث فيها التغيير فعلاً. ونجد مما تقدم من النقاط أنها كلها تصب في مهمة الهدف التغييري للقرآن الكريم الذي يهتم بخلق القاعدة للانطلاق كقضية مركزية وأساسية بالنسبة إلى المهمات الأخرى التي اهتم بها القرآن الكريم، وأشار إليها في مجمل الأهداف.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع