مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

قصة : ابنته... شقيقتي

ولاء إبراهيم حمود

 



لم تنتبه "جنان" لسؤال أمها المتكرر ثانيةً لها: "ما بكِ اليوم؟"، فقد كانت مستغرقةً في وجومها لا في جلي الصحون التي جمعتها عن المائدة للتو، فاحتاجت الأم لمناداتها ثالثةً: "جنان، هي المرة الثالثة التي أسألك فيها، ما بكِ، تبدين حزينةً على غير عادة، ساكتة خلافاً للمألوف؟!". انتبهت "جنان" من استغراقها وأجابت أمها بنظرةٍ حائرة عقبتها بنفي متردد: "لا شيء". لم يقنع الجواب المقتضب الوالدة، فطلبت إليها برفق: "دعي ما في يديك، سأكملها عنك، لقد أعددت الشاي، هيَّا نشربه معاً في قاعة الجلوس ونتحدث".

تكد "جنان" تنهي غسل يديها، حتى رنَّ جرسُ الهاتف، فجففتهما بثيابها، ونظرت إلى كاشف الأرقام قبل أن ترفع السماعة وصاحت بأمها: "ماما... ماما... إنها "هاجر" وأنا لا أريد أن أكلمها... كلِّميها أنتِ، قولي إني نائمة... لست هنا... أي شيء أرجوكِ...". لم يرق الموقف المفاجئ الوالدة... وصدمها أنها ترى ابنتها وتسمعها في موقف غير مقبول ولا يمت إلى أدبياتها الأخلاقية التي أنشأتها عليها، فاعترضت على وقع رنين صوت الهاتف الملحاح باستنكار شديد اللهجة: "عيب يا جنان. أنا لا أرضى لابنتي هذا الكذب. امتلكي جرأةً أدبيةً في مواجهة الآخرين. ارفعي السماعة واعتذري منها لأنك مشغولة وستحدثينها لاحقاً، هيا ارفعي السماعة"...

رفضت "جنان" بإصرار وأعلنت كرهها "لهاجر" وعادت إلى المطبخ تتابع غسل الأواني... وتوقف الاتصال عندما اقتربت الأم لتصحيح الموقف... فلاحقت ابنتها جنان: "هل أنتما على خلاف؟ هل حدث اليوم بينكما شيء استوجب كل هذا النفور؟ لا يا جنان، لا تكرهي أحداً في عمرك كل هذا الكره، سوى الصهاينة الحاقدين، قاتلي الأطفال في قانا والمنصوري. لا تكرهي رفيقة الدراسة حتى لو خالفتك الرأي، فلكليكما الحق بامتلاك رأي مختلف. تروّي يا "جنان" ولا تتركي نفسك فريسة مشاعر ليست من أصل تكوينك. هل بدر منها شيء؟ هل أساءت لكِ يوماً؟ تعالي يا ابنتي.. حدثيني قليلاً..." وعندما لامس دفء يد أمها يدها مسحت بالأخرى رذاذ اكتئاب غزا عينيها، ولاحظتها الأم، فقادتها إلى الأريكة الواسعة وهناك غمرتها بكل حنوها ولاطفتها قائلةً: "حرامٌ أن يشوه الحقدُ جمال عمرك، ووجهك، صارحيني يا ابنتي، بمَ أساءت إليك هاجر"؟

ومن خلال صوتها المقبل على آبار الحزن، بدت إجابتها غارقةً في بحار تراكماتٍ قديمةٍ.. "لا أدري يا أمي، ربما هي لا ذنب لها... فهاجر طيبة ولا تؤذي أحداً... ولكن تعاطي المعلمين والمعلمات معها يؤذينا جميعاً. إنهم يدللونها كثيراً ويخصونها بعنايةٍ لم نحظَ بها يوماً، رغم أنني أنا مثلاً، أفوقها علمياً، وأشارك أكثر منها في الحصة.. ومع ذلك، كل تنويه هو لها، وكل هديةٍ في كل مناسبة هي لها... ألا يكفيها هدايا يوم الشهيد؟ إننا نكرهها جميعاً، فهي تستحوذ على كل شيء".

فهمت والدة "جنان" موقف ابنتها وفهمت أيضاً واقع هاجر وطرحت سؤالها لمجرد الوصول إلى اليقين: "إنها ابنة شهيد؟ أليس كذلك"؟ "بلى! وماذا يعني أن تكون هاجر ابنة شهيد؟ هل يجب أن يستشهد آباؤنا كي نحظى بحبِّ معلمينا لنا؟ ألا نستحق الاهتمام إلا إذا فقدنا آباءنا"؟ سادت فترة صمتٍ قصيرة شغلتها الأم بإذابة السكر في أكواب الشاي، ثم أضافت وهي تقدم لجنان كوبها: "أن تكون هاجر بينكم وحدها ابنة شهيد هذا يعني الكثير.. هي وحدها بينكم من تدفع غالياً ثمن حريتكم فوق أرض الوطن... هي وحدها من تنجح بينكم ولا تجد الحضن الذي يغمرها بفرح النجاح العارم، هي وحدها، لا تجد من يواسيها إن تراجعت أو أُحبطت أو حتى فشلت، وهي وحدها لا تجد من يقيل عثرتها إذا عثرت ويسندها إذا وقعت... هي وحدها وسواها من أبناء الشهداء من ندين لهم بنعمة العلم والأمان والحرية... بأي ذنبٍ كرهتِ هاجر؟ صدقيني يا ابنتي، أنتِ بالذات يجب أن تكوني أكثر حباً لها وحرصاً عليها، لأنكِ تنعمين بما لن تستطيع كل الهدايا أن تعوَّضها منه: إن هدايا الكون مجتمعة قليلة بحق هاجر، إذا ما قيست بالهدية اليومية التي تنعمين أنتِ وسواكِ بها وهي بفضل من الله إطلالة وجه أبيكِ على أفراحكِ وأحزانكِ وكل همومكِ... هل ترضيك بعد ابتسامته يودعكِ بها صباحاً ويستقبلك بها مساءاً هدية مهما كبرت؟ لا يا جنان... لم تسئْ إليكِ هاجر... بالعكس... لقد أحسن والدها لكل أبناء الوطن... وعليكن جميعاً أن تعلمن أن ما جزاء الإحسان إلا الإحسان... وأن لهاجر الحق لا بالهدايا فحسب فهي أسخف ما يقدم إليها... إن هاجر يا "جنان" تستحق الحب كل الحب وكلنا مدينون لها... نعم، لكنّ عليها حقٌّ واحد، هو أن تفوقكن حرصاً على أمانة الدم والنجيع... لأنها حملتها عندما رضيت بقضاء الله وتابعت مع الحياة مسيرتها... ابنة وحيدةً بينكنّ، لشهيد ووليةً لدمه بما صبرت بعده".

لم تقاطع "جنان" والدتها حتى الكلمة الأخيرة... وعندما التقطت الوالدة أنفاسها في استراحة قصيرة... تركت "جنان" حضن أمها إلى طاولة الهاتف وأعادت الرقم الأخير الذي احتفظ به الكاشف... وعندما سألتها الأم... "ولكن ماذا تفعلين الآن؟" أجابتها بصوت خالٍ من كل أحزانه... مفعم بمشاعر جديدة: "إني أطلب هاجر، لأعتذر إليها وأبدأ معها صفحة جديدة في أول تطورها: إن هاجر ابنة شهيد، وإن ابنته شقيقتي..

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع