مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

قصة قصيرة: قصَّة زينب

مهدي زلزلي

 



سأحدثكم عن نفسي.. اسمي زينب.. مهلاً.. لست طامحة إلى التنعم بتقديركم وإعجابكم، ولا راغبة في الحصول على شفقتكم، أو التدفؤ بحنو مشاعركم الصادقة، ولا يغريني شيء في دنياكم الزائلة.. كل الحكاية أني لم أنم ليلة أمس. ثمّة خاطر غريب كان يلح عليّ. صوت من السماء كان يصرخ فيّ أن تكلمي يا زينب! تكلمي فلا صمت بعد الآن! أجبته بأنني لن أبيع مأساتي، ولن أتاجر بدموعي، ولن أستجدي عطفاً.. ولكنه عاد ليصرخ فيّ: تكلمي يا زينب. إروي قصتكِ للعالم. تكلمي ليعرف الناس قصة انكسار الظالم بعد علوّه. حدثيهم عن بأسنا، وكيف يكون ثأرنا. تكلمي لعلّ كلماتكِ توقظ فيهم ألف "جواد"..

ـ أأحكي للأعراب؟ إنهم عقلاء، لا يحبون حديث المغامرات. يقدّمون ألف أضحية على مذبح ناقة البسوس، ويبخلون على القدس حتى بدموعهم! ولكنني سأتكلم، سأروي رواية كتبت بدماء أبطالها لا بمدادهم... اسمي زينب.. واسمها قانا.. هل تذكرون 18 نيسان 1996؟ كان عمري يومذاك أحد عشر عاماً. كان القصف شديداً، وكان الخوف أشدّ. وكيف لا يخاف والدان على شمعة حياتهما الوحيدة؟ وعند بزوغ شمس الصباح، كان القرار بمغادرة المنزل الذي يقع في أخطر مكان على تخوم البلدة، إلى مركز القوات الدولية في وسط البلدة، والذي كان بنظر الجميع حتى ذلك الوقت بمثابة "الملاذ الآمن"..

ـ ولكن يا أمي، لو غادرت سأخجل من ضعفي وجبني، وأنا لست جبانة أو ضعيفة. أنا أريد أن أموت في منزلي، أو على تراب حديقتي، لا بين الغرباء. أريد أن أموت واقفة لا مهزومة. هل يعقل أن نهرب من الموت وأبطالنا يتدافعون لافتداء الوطن بدمائهم؟

ـ يا ابنتي، إذا كنا نتمسك بالحياة فهذا لأجلكِ. ماذا سيقدّم موت ابنة أحد عشر عاماً غير أنه سيكون موتاً مجانياً؟ ماذا لو وهبكِ الله الحياة لتكبري وتصبحي طبيبة أو ممرضة تداوي جراح الناس وتخفف آلامهم، أو معلمة تعلم طلابها معاني التضحية والفداء؟ لم يكن المشهد كما توقعته هناك، فالمكان مليء بالأطفال والنساء والعجائز. مرّت ساعات الصباح بطيئة ومملة. كان الجميع يتحلقون حول أجهزة الراديو، ينصتون إلى آخر أخبار العدوان. وعلى غفلة من الجميع، انسللت خارجة من "الهنغار"، أنشد قليلاً من الهواء النقيّ، وشيئاً من الحرية، راغبة في تلميع صورتي أمام ذاتي كفتاة شجاعة، لم تعرف الخوف في حياتها. كنت قد ابتعدت قليلاً عن المكان، حين بدأت القذائف المدفعية "تهطل" على الهنغارات. احتميت في مكان قريب. لم أكن أشعر بما أصابني. وحين هدأ القصف، وجدتني أركض دون وعي صوب الخيام الكربلائية المحترقة، أنادي أمي وأبي.. هل شاهد أحدكم والديه جثتين متفحمتين أمامه؟ نعم، لقد كان المشهد قاسياً إلى هذا الحدّ. لم أكن لأستطيع تمييز أي من هذه الجثث يعود لأمي وأبي، ولكنني كنت متأكدة أنهما بين هذا الجمع البشري المحترق، فقد تركتهما في هذه الزاوية قبل لحظات. كان هذا آخر ما رأته عيناي قبل أن أغمضهما على كابوس مؤلم، لأصحو في المستشفى وسط جروحي وآلامي. لقد أمسيت الآن وحيدة، لا أب لي ولا أم، لا أخ لي ولا أخت.. وزيادة في الابتلاء، لم يكن لي أصلاً أقارب ألتجئ إليهم وأحتمي في ظلهم.. خرجت من المستشفى بعد أيام من توقف العدوان. منعتني جراحي من تشييع والديّ إلى مثواهما الأخير، ولكنها لم تمنعني من إكمال دروب الحياة بهمة وعزم وتصميم. سكنت مع قريبة لأمي، كانت تعيش وحيدة في منزلها الصغير. وضعت العلم نصب عيني. وهكذا مرّت الأيام. لا يخرق رتابتها سوى نبأ مفرح كل فترة عن عملية ناجحة للمقاومة ضد العدو، تسفر عن مقتل بعض جنوده، فأفرح. ولكن الانتقام لم يكتمل بعد، رغم فجر الحرية الذي أشرق في 25 أيار 2000 حاملاً معه تباشير زوال هذه الدويلة اللقيطة!

2005:
 عشرون عاماً. ها قد أصبحت طالبة جامعية يملأها الحماس، وتعشق العمل الطلابي، وتشارك في كل تظاهرة أو اعتصام أو نشاط دفاعاً عن مبادئها الرافضة لكل ظلم أو احتلال أو اغتصاب حقوق، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بحبيبتي.. القدس! وأخيراً، طرقت السعادة بابي فجأة حين عرفته، إنه الحاج جواد، شاب عشريني، خلوق حنون، موسيقيّ مرهف، والأهم أنه مقاوم، تصب بندقيته حممها كل يوم على صدور قاتلي والديّ. أحبني بصدق، وبعد فترة قصيرة من تعارفنا تزوجنا، وانتقلت للعيش معه ووالدته.. لقد شغفني زوجي حباً، وتملك كل جارحة من جوارحي، ولو كان لي أن أتخذ من عيني ماءً وأسقيه إياه لما توانيت، ولم لا أفعل ذلك؟ إنه لمثال المروءة والحنو والحب. أما والدته، فقد أشعرتني للمرة الأولى منذ سنوات أن لي أماً كباقي الناس ألتجئ إليها، وأشكو لها همي، وأبكي في حضنها.. ها قد أرتني الحياة وجهها الجميل أخيراً...

12 تموز 2006:
أنباء عملية "الوعد الصادق" على كل لسان. سمير القنطار ورفاقه سيكونون قريباً خارج القضبان. "الحاج جواد" يعدّ أمتعته ليتوجه فوراً إلى حيث يجب أن يكون، ويطلب منا المغادرة في حال اشتداد العدوان..
ـ ولكنني في المرة السابقة بقيت هنا ولم أغادر، فهل عليّ أن أقترب خطوة من القدس، أم أن أبتعد عنها؟ هل هزمتني إسرائيل بقتلها والديّ؟
ـ حسناً، سأحاول أن أبقى على اتصال بكِ. انتبهي لنفسك ولوالدتي...
ـ في أمان الله...

31 تموز 2006:
كان العدوان يشتد يوماً بعد يوم، والمجازر المتنقلة تحصد الأبرياء، حاملة معها همجية الصهاينة، ورسائل أطفالهم الملغومة إلى أطفالنا. والمجزرة لمن لا يعرف من الإخوة الأعراب هي عملية قتل جماعية تجتمع فيها وحشية القاتل وعجز الضحايا عن الدفاع. إلى أن جاء مع حلول هذا التاريخ دور قانا، لتقدم أطفالها مرة ثانية قرابين على مذبح الحريّة. ومع شيوع خبر المجزرة، توجهت سيراً على القدمين إلى "الخريبة" لتقديم ما يمكن من المساعدة قبل وصول المسعفين، مع عدد قليل من الأهالي الذين لم يغادروا البلدة بعد، ولأستعيد المشهد بعد عشرة أعوام. إنها قيامتكِ الثانية يا قانا، بل قيامة لبنان الثانية..

5 آب 2006:
لعله خبر عادي في أيام الحرب أن يستشهد مقاوم بعد أن أدى قسطه للعلا في مواجهات مع جنود العدو وقتل وجرح منهم الكثير. ولكن استشهاد "الحاج جواد" الذي عزف سيمفونيته الأخيرة في بنت جبيل، سيمفونية الشهادة والانتصار، كان بالنسبة إليّ انتقامي الذي دفعت ثمنه من روحي، بل دفعت ثمنه كل روحي، وحياتي وسعادتي. إنه انتصاري على الموت بالموت. قتلتم والديّ فتزوجت مشروع شهيد، والآن أحمل في بطني مشروع شهيد. "لا يهمني إن كان سيغدو غنياً أو فقيراً، مشهوراً أو مغموراً، زعيماً أو شخصاً عادياً. أريد أن أراه شهيداً في سبيل الله. يروي بدمائه ظمأ الأرض العطشى إلى الحريّة، فتتوّجه أميراً إلى جنان الله. أحب أن يزف إليّ شهيداً، فأطبع على جبينه قبلة الرضا، راجية البشرى وحسن اللقاء في يوم الحساب"(*)، أليس شعارنا: "أرضيت يا رب؟ خذ حتى ترضى"؟ وأنا أيضاً جاهزة للشهادة.. فأنا لست ضعيفة.. ولست بحاجة لتعاطفكم.. أنا قوية بإيماني.. أنا في أعماقي حرة.. أنا زينب..

(*) المقطع مقتبس من نص للكاتبة ايفا علوية في آخر الكلام العدد 206.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع