مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

فلنتّصل بمشروع الحسين عليه السلام(*)

سماحة السيّد إبراهيم أمين السيّد


إذا أراد الإنسان أن يتحدّث عمّا جرى في كربلاء، يستطيع أن يكتب ما يشاء من دروس، وأبحاث، وعِبَر. ولكنّ كربلاء حدثت مرّةً واحدة، وهذا ما جعلها محطّة فريدةً في التاريخ الإسلاميّ. فما الذي ميَّز كربلاء عن بقيّة محطّات التاريخ الإسلاميّ حتّى ارتبطت باسم الإمام الحسين عليه السلام وأصبحت من خصوصيّاته؟ وما هو معنى مقولة الإمام الحسين عليه السلام الشهيرة في كربلاء: "شاء الله أن يراني قتيلاً، وشاء الله أن يراهنّ سبايا"(1) وأبعادها؟ وما هو المشروع الذي عمل على تحقيقه عليه السلام؟

•ما بين الدنيا والآخرة
ثمّة حديث للإمام الحسين عليه السلام، وآخر للسيّدة زينب عليها السلام ذكرا فيهما الأمر نفسه؛ فالإمام عليه السلام يقول: "هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله"(2)، وحينما سأل ابن زياد السيّدة زينب عليها السلام: كيف رأيتِ صنع الله بأخيكِ وأهل بيتك؟ قالت: "ما رأيتُ إلّا جميلاً"(3). ويطرح القرآن الكريم هول الأعمال التي تكون بعين الله أو أنّه "يراها" كقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. فسياق هذه الآية هو الترغيب في العمل، حيث يوجد تمييز ما بين العاملين؛ أي الذين يقومون بالعمل، وبين الذين سيرون الأعمال.

ولكن من الذي سيرى العمل؟ هل الذي يعمل هو نفسه الذي سيرى العمل؟ لا، لأنّ الـ(س) في (سيرى) تشير إلى عالم الآخرة وليس عالم الدنيا، وهناك مؤمنون آخرون سيرون الأعمال في الآخرة، والآية تشير إلى احتفاليّة ومشهديّة في عرض الأعمال. أمّا فيما يخصّ مقولة الإمام الحسين عليه السلام، فهي مرتبطة بالدنيا وليس بالآخرة؛ أي أنّ الله شاء "أن يراني قتيلاً"، أين؟ في الدنيا. ولكن ما الذي يريد الله أن يراه في الحسين عليه السلام؟ وما هو جوهر الموقف؟

•الصلة ما بين البشريّة والإسلام
لقد تحقّق في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنجازٌ كبير، وهو بناء الصلة ما بين البشريّة والإسلام بعقيدته، ونظمه، وقيمه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)؛ أي أنّه مُرسَل إلى الناس كافّة. هذا الإنجاز تحقّق، ولكن ليس بالكامل، فقد بقيَ المستقبل والمجتمع الإسلاميّ مفتوحَين على احتمال قطع هذه الصلة ما بين الإسلام وبين البشريّة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144). هذه الآية تدلّ في بدايتها على الإنجاز في بناء الصلة بين البشريّة والإسلام، فالرسول وضع أُسس هذا الإنجاز، وأقام دولةً على هذا الأساس، وبنى مجتمعاً مؤمناً موالياً معتقداً مرتبطاً برسول الله والقرآن وأهل البيت عليهم السلام: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ أي قطعتم الصلة ما بين البشريّة والإسلام والرسول وأهل البيت عليهم السلام، وأعدتم بناء الصلة ما بين البشريّة والجاهليّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن وصلنا إلى محطّة خاصّة في هذا التاريخ اسمها كربلاء. فما الذي حدث في كربلاء؟ وما المشروع الذي طُرح على الحسين عليه السلام؟ أهو مشروع سلطة أم مشروع إحقاق الحقّ؟ أهو منافسة على الدنيا أم منافسة على الآخرة؟ لقد أراد الإمام الحسين عليه السلام إعادة الصلة بين البشريّة وإسلام رسول الله وأهل بيته عليهم السلام.

•يزيد ومشروع القطيعة
لقد كان مشروع يزيد هو القطيعة الكاملة مع الإسلام، والرسل، والأنبياء، ورسول الله، والقرآن، وأهل بيت النبوّة، حتّى لا يبقى شيء اسمه إسلام، ودين الله، ورسول الله، وأهل بيت النبوّة.

نجاح هذا المشروع كان متوقِّفاً حصراً على أن يقبل الإمام الحسين عليه السلام بالبيعة ليزيد بن معاوية. ولذلك قال لهم: خذوا البيعة من الحسين بن عليّ ولو وجدتموه معلّقاً بأستار الكعبة؛ لأنّه إذا حصلت البيعة، انتهى كلّ شيء، لماذا؟ لأنّ الإمام الحسين عليه السلام سيّد شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول الله، ورمز أهل النبوّة، وامتداد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وللرسل والأنبياء والأولياء، ولأنّه يمثّل القرآن الكريم، ولأنّه علم الله وحكمه، والرمز والمثال والقدوة. فردّ عليه الإمام الحسين عليه السلام قائلاً: "إنّا أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختمَ الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلَن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله"(4). الحسين لم يقل أنا، بل قال مثلي، يعني ما أمثّل لا يبايع يزيد بن معاوية.

مَن يمثّل الحسين بن عليّ؟ إنّه يمثّل الله سبحانه وتعالى، والرسول الأكرم، وأهل بيته. فإذا كان الإمام يبايع، نتيجةً لكلمة "مثلي"، هذا يعني أنّ القرآن، والرسول، والأنبياء يبايعون يزيد بن معاوية، ولكنّه عليه السلام رفض ذلك.

•سموّ الهدف وجماله
إنّ الإمام الحسين عليه السلام في اللحظة التي أعلن فيها رفض البيعة، أعلن أيضاً الاستعداد الكامل لتحمّل أعباء هذا الرفض، من قتل، وذبح، وعطش، وحرق خيام، وذبح أطفال، وسبي نساء، وهذه تضحيات كبيرة وعظيمة. ولكن مهما كانت مواقف الحسين عليه السلام وتضحياته عظيمة، فهو عليه السلام أعظم منها كلّها؛ لأنّ هذه المواقف والتضحيات صدرت عن ذاتٍ عظيمة "أشهد أنّك طهرٌ طاهر مطهّر"(5)، والذي يصدر عن الذات العظيمة هو أقلّ عظمة من الذات العظيمة. فالحسين عليه السلام أعظم بكثير ممّا صدر عنه، وإنّ زينب أعظم من صبرها وأعظم من ثباتها، وأعظم من وعيها وبكثير لأنّه صدر عنها، وهي أعظم ممّا صدر عنها. أمّا قول السيّدة زينب عليها السلام: "ما رأيتُ إلّا جميلاً"، فإذا نظرنا إلى التضحيات من زاوية الألم والحزن والخسارة، فهي ليست جميلة، بل مؤلمة وبشعة. أمّا حينما ننظر إليها من زاوية الهدف، فإنّها جميلة؛ لأنّ التضحيات حينئذٍ تأخذ قيمتها من جنس جمال الهدف.

فلا تنظروا إلى أنّ زينب عليها السلام سُبيت، بل انظروا إلى أنّ زينب وقّعت على فشل مشروع يزيد بن معاوية، ووقّعت على إحياء مشروع محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم. في كربلاء عاد آدم، وعاد نوح، وعاد إبراهيم، وعاد موسى، وعاد عيسى وعاد محمّد وعاد عليّ وعادت فاطمة وعاد الحسن، وكأنّ الأنبياء والرسل عليهم السلام بُعثوا من جديد مع الحسين عليه السلام، من خلال الحسين، وكأنّ الله قد أعاد نزول الكتب المنزلة من جديد من خلال دم الحسين. نعم هذا ما حدث. لذلك كربلاء بالنسبة إليّ هي احتفال إلهيّ كونيّ عالميّ فيه الله ورسله وأولياؤه واشترك فيه ملائكته ومخلوقاته كلّها وأهل السموات وأهل الأرض، من أجل إعادة تنصيب الإمام الحسين عليه السلام من جديد سيّد شباب أهل الجنة؛ لذلك "شاء الله أن يراني قتيلاً".

•مشروع الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف
هل استطاع الإمام الحسين عليه السلام أن يطيح بمشروع يزيد بالكامل، وأن يعيد بناء الصلة بين البشريّة والإسلام بالكامل؟ لا، ولكنّه فتح المستقبل على مسارَين، بمعنى كان الفاصل بين مسارَين:

1- مسار استمرّ في السعي والعمل، وله قادته، ونموذجه، ورجاله، ونساؤه، وعلماؤه، وشيوخه، ووعّاظه، وقد استمرّ غالباً عبر الدول، والحكّام، والسلطات؛ فبعد الإمام الحسين عليه السلام استمرّ الأمويّون والعباسيّون، وغيرهم في برنامج الحكم والسلطة في السعي الدائم من أجل القطعية بين البشريّة وبين الإسلام.

2- مسار آخر له قادته أيضاً، وعلماؤه، ووعّاظه، ورجاله، ونساؤه، وأطفاله، استمرّوا في العمل والسعي من أجل تأكيد بناء الصلة ما بين البشريّة وبين الإسلام، والرسل، وأهل البيت عليهم السلام، والتي ستتمّ في آخر الزمان على يد الحجّة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.

•كربلاء صلة بين البشريّة والإسلام
إنّ الدماء التي سقطت في كربلاء هي من أجل إعادة الصلة ما بين البشريّة والإسلام، وقد وضعتنا أمام مسؤوليّات عظيمة، بحيث لا تقدر الأجيال التي جاءت بعد الحسين عليه السلام أن تغضّ النظر عن توقيع الحسين عليه السلام على أيّ محطّة دينيّة إيمانيّة جهاديّة في هذا الزمن. فلولاه عليه السلام لما كنّا موجودين، ولما كنّا متديّنين، ولما كنّا جهاديّين. وهذه مسؤوليّة عظيمة جدّاً. على هذا الجيل أن يعرف ماذا جرى في كربلاء، حتّى تكون حياته، ووجوده، ومسؤوليّته، وسلوكه في الحياة مبنيّة على أساس الارتباط بمشروع إعادة الصلة بين البشريّة والإسلام. كلّ ما لدينا يجب أن يكون موصولاً بالحسين عليه السلام، فلا يستطيع أحد أن يكون متّصلاً بمشروع الحسين عليه السلام وهو لا يصلّي مثلاً أو لا يصوم.

•عوامل القوّة في هذا الزمن
من العوامل الأساسيّة التي أوصلت جيلنا إلى ما نحن عليه، وجود قادة عظماء، كالإمام الخمينيّ الراحل قدس سره والإمام الخامنئيّ دام ظله، فإنّ عظمة هذا القائد في المجتمع الإسلاميّ هي بإعادة بناء الثقة والصلة ما بين الإسلام والبشريّة، ومنع الطواغيت والظالمين من قطع هذه الصلة.

•تحيّة للذين يحيون المجالس
ألف تحيّة للذين يُحيون هذه الليالي والأيّام؛ لأنّ هذا الإحياء هو نوع من الارتباط والتمسّك بالإسلام، وبرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبأهل البيت عليهم السلام. فإذا كانت هذه المجالس تحقّق هذه المسألة، فإذاً، مشروع الإمام الحسين عليه السلام من خلال هذا الجيل قد نجح. نحن أمام جيل مؤمن عظيم من المبلّغين، والعلماء، والشبّان، والشابّات، وصلت عقولهم، وأفكارهم، ونفسيّاتهم، وأرواحهم، ومعنويّاتهم إلى درجة وكأنّهم يعيشون مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء. هذه نعمة عظيمة.

•جيل الحسين عليه السلام وكربلاء
انظروا إلى صبر المجاهدين والأسرى وعوائلهم، وعوائل الشهداء والجرحى. ماذا يعني هذا الثبات والصبر والتحمّل؟ ادخلوا البيوت واسمعوا الآباء والأمّهات. لم نسمع أباً أو أيّ أمّ يتحسّران على فَقد ولدها. الآباء والأمّهات يفتخرون بشهادة أولادهم. ماذا يعني هذا الافتخار؟ إنّهم يقولون ما قالته زينب عليها السلام في كربلاء: "واللهِ ما رأينا إلّا جميلاً".

هذا الجيل الذي أتى بعد الحسين عليه السلام، في لبنان، وفلسطين، وفي هذا العالم الإسلاميّ كلّه، هو جيل الحسين عليه السلام، وموقف الحسين عليه السلام، ورفضه، وإباؤه، وقوّته، وشجاعته، وإيمانه، ويقينه، وذوبانه في الله.


(*) كلمة ألقاها السيّد إبراهيم أمين السيّد في الليلة الثامنة من محرّم بتاريخ 17/9/2018م.
1.بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص364.
2.اللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص69.
3.(م.ن)، ص94.
4.بحار الأنوار، (م.س)، ج44، ص325.
5.إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج3، ص342.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع