مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

"في درب الحسين نعشق الشهادة"

تحقيق: لطيفة الحسيني


"نحن شعبٌ ينادي: هيهات منّا الذلّة"، ردّدها شابٌّ معمَّمٌ في منتصف مظاهرةٍ شعبيّةٍ، كان يحمل مكبّراً للصوت، وبحماسة عالية يرفع قبضته وخلفه شباب يردّدون الجملة نفسها بقبضاتهم المرفوعة. هذا التسجيل المصوَّر يعود لفترة الثمانينيّات، والشاب كان سماحة الأمين العام السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) يثبت كغيره من التسجيلات لنا أن معادلة: "أين تكن المقاومة، تكن كربلاء" هي علاقة بأسٍ وبطولة.

رفضُ الذلّ والبسالة والإقدام لمواجهة الطُغيان والجَوْر، قيمٌ رسّختها واقعة الطفّ، هي حقبة ذهبيّة من المؤازرة والمساندة لمن وقف في وجه المحتلّين. ولا زالت أصداء أصواتهم حين يخرجون من المواجهات منتصرين تصدح: "في درب الحسين، نعشق الشهادة". "التنقيب" في الماضي الجميل، يقودنا إلى لازمةٍ صاحبت مجموعات "الشباب المؤمن" فزادتهم حماساً ورفعاً للمعنويّات قبيل أيّ معركة كانوا يخوضونها في وجه الصهاينة: "اللطميّات". فهيّا بنا نستعيد جزءاً من تلك الذكريات.

•عساكري.. والزمن الجميل
في لبنان، شكّلت الأناشيد الثوريّة واللطميّات الكربلائيّة عنصراً أساسيّاً في تعبئة نفوس المجاهدين. وهنا، تبرز أسماء ساهمت في صقل الوعي الحسينيّ لدى مجاهدي الثمانينيّات. الرادود أبو محمّد عساكري القادم من الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1983م، يكاد يكون الصوت الوحيد الذي كان مرافقاً للمقاومين بعد اجتياح العدوّ الإسرائيليّ، حيث حطّ في مدينة بعلبك مع الحرس الثوريّ الإيرانيّ في تلك المرحلة. تميّز عساكري بصوته الحزين الذي يستطيع استحضار ألم آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وفجائعهم عليهم السلام. الكثير من المقاومين حرصوا على حضور مجالس اللطم التي كان يُشارك فيها عساكري في بعلبك في الثمانينيات.

بعد كلّ تلك السنوات، يستذكر عساكري ما عاشه آنذاك، فيقول لـ"بقيّة الله": "جئتُ إلى بعلبك بطلبٍ من الأمين العام السابق لحزب الله الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه)، وباهتمامٍ ومواكبة منه شكّلتُ مجموعة من اثنين وعشرين شابّاً جرى تدريبهم على إحياء المناسبات الدينيّة، ولا سيّما دعاءَي التوسّل وكميل، وجمع الشباب وتشجيعهم على قتال العدوّ الإسرائيليّ وتنفيذ العمليات العسكريّة ضدّه والالتحاق بركب حزب الله".

•بثّ المعنويّات قبيل العمليّات
لعساكري رفاقُ سلاحٍ ونزال، شاطرهم زمن قتال محفور في ذاكرة أهل المقاومة. بين هؤلاء الشهداء أبو علي شهلا (من الجنوب)، ورضا الشاعر (من سحمر)، وفرج بلّوق (من بعلبك)، والقائد أبو حسن بجيجي (من مشغرة)، ورضا حريري (من دير قانون النهر)، ونصّار نصّار (من عين التينة- البقاع الغربي). جميعهم كانوا يحرصون على حضور مجالس اللطم التي وكان يُشارك فيها الرادود عساكري. منهم من كان يرافقهم إلى ميدان القتال قبيل تنفيذ عمليّاتهم الجهاديّة، ليشحنهم بالمعنويّات، ويسلّحهم بالعزيمة والحماس، كالشهيد رضا حريري الذي نفّذ وعدد من المقاومين عملية على موقع محتلّ من العدوّ الإسرائيليّ، "تلّة الحقبان" على تخوم بلدة ياطر، ثمّ ارتفع شهيداً. بحنين جليّ، يُعبّر عساكري هنا عن شوق عظيم لتلك الفترة لا يُفارقه. يقول لنا: "هي أفضل تجربة خضتُها وأجمل أيّام عشتهُا، فهي مرتبطة بالمقاومين البواسل الذي كانوا يتشجّعون باللطميّة، حتّى إنّهم كانوا يصارحونني بأنّهم ينتظرون نهايتها لكي يتوجّهوا إلى الميدان وينفّذوا ضرباتهم في وجه العدوّ الإسرائيليّ بروحٍ ثوريّةٍ عالية".

•لكلّ لطميّة حكاية
جال عساكري على القرى اللبنانيّة المختلفة مؤدّياً لطميّاته في حسينيّاتها، حيث كان يتجمّع المجاهدون والمؤمنون، بدءاً من حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف ومسجد الإمام عليّ عليه السلام في بعلبك الذي كان يُعرف بمسجد الثورة، مروراً بالبقاع الغربيّ ومشغرة وميدون وبيروت والأوزاعي وبئر العبد، وصولاً إلى حارة صيدا والنبطيّة وجبشيت، مسقط رأس شيخ شهداء المقاومة الإسلاميّة الشيخ راغب حرب.

تاريخ عساكري لا ينضُب، فلكلّ لطميّة حكاية. في الأوزاعي، أدّى "أين راغب الحرب أين" بحضور والدة الشيخ راغب حرب، وفي حارة صيدا أنشد "هتف القلب ونادى يا أميري يا حسين"، وفي جبشيت أدّى "يا شعلة الأحرار يا راغب حرب"، وفي بعلبك ردّد "كعبة الثائرين" بطلبٍ وإصرار من الشهيد السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) إلى جانب "جودي يا عين وفيضي بالدما قتلوا ابن عقيلٍ مسلماً"، أمّا في ميدون، فأدّى ثلاث لطميّات أشهرها "يا عاشق الجهاد"، ثمّ "ميدون أضحت كربلاء"، وبعدها "ميدون يا كربلا فيكِ عرس الشهداء".

سبعة مواسم من عاشوراء قضاها عساكري في لبنان، وفي أحدها أدّى لطميّة "يا لحزن المسلمين" (بين عامي 1985م و1986م) بمناسبة استشهاد الإمام عليّ عليه السلام، وكان لها وقعٌ عظيم بين المقاومين. للسيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه) مكانة استثنائيّة في عقل عساكري، فهو كان أنيسه وخليله وصاحبه أينما ذهب، في معظم جولاته في بعلبك وبسيّارته الخاصّة. أمّا الأمين العام لحزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) فله مرتبة عزيزة في قلبه، ولا سيّما عندما كان سماحته يتأثّر بشكل كبير بلطميّاته، وتحديداً تلك التي أدّاها في أربعين السيّد عبّاس (رضوان الله عليه) التي أبكته كثيراً. ولإمام المحرومين حصّة أيضاً، فخصّص له "أين موسى الصدر أين".

•اللطميّات ممرّنا إلى الكفاح
جمْع المقاومين الذي كان يستمع إلى اللطميّات "العتيقة" لا يزال على "العهد". الرعيل "الحيّ" الذي يواصل عمله الجهاديّ إلى الآن، يبدو متمسّكاً بما كانت تُجسّده مفردات الندْب في تلك المرحلة. الحاج مصطفى -أحد المسؤولين العسكريّين القُدامى في المقاومة الإسلاميّة- يقول اليوم: "إنّ اللطميّات القديمة شكّلت الحافز الروحيّ للتعلّق بنهج أهل البيت وثورة الإمام الحسين عليه السلام، فكانت الدافع الأساس إلى الجهاد والارتباط بسيرة ونهج أبي الأحرار أبي عبد الله الحسين عليه السلام". برأي الحاج مصطفى، الذي يُواظب اليوم على "الإصغاء" الى اللطميّات الحُسينية "السالفة"، أنّها كانت إحدى علامات التعرّف إلى الشباب المؤمن، حتّى أصبحت محوراً أساسيّاً في عمل المقاومة، ولعبت دوراً في التأثير في روح المُقاتل ومدى انتمائه إلى الخطّ الحسينيّ الأصيل، وفي نظرته إلى الجهاد، ومن ثمّ الشهادة.

يرى الحاج مصطفى أنّ اللطميّات كرّست حالةً لا تزال راسخةً ولا تنفصل عن العمل العسكريّ تضاهي أهميّتها وقوتها قوّة وأهميّة "الكلاشينكوف والقذيفة"، خاصّة أنّ المُجاهد بلا روحيّة أو عقيدة لا يستطيع تحقيق أيّ إنجازٍ أو هدف. وعليه، فهي ضرورة لا بدّ منها في هذه المسيرة الكربلائيّة؛ لأنّها المحفّز الأقوى للوصول إلى الجهاد. يرى الحاج مصطفى في اللطميّة -إذاً- المعبِّر الوحيد للانخراط في حالة الإيمان والصفاء والاستشهاد في بدايات الجهاد، أمّا الآن فهي "مفتاح العودة" إلى تلك الأيّام واستحضار المشهد القتاليّ بكامل تفاصيله مع ما يحمله من طيبة القلب، والنقاء، والصفاء في رفاق السلاح، والإيمان الفطريّ.

•اللطميّات والحنين إلى الماضي
"لهفة" الحاج سامر، وهو قائد عسكريّ رفيع المستوى في المقاومة الإسلاميّة، إلى مرحلة الثمانينيّات ظاهرة أيضاً. بالنسبة إليه، اللطميّات كفيلة بخلق حنينٍ لمرحلة كان فيها عنصراً متواضعاً في صفوف المجاهدين، وبمجرّد الاستماع إليها، يستعيد مشاهد وصور الميدان كلّها، من الجعبة والبزّة العسكريّة إلى رائحة الشباب والشهداء. يُحدّثنا الحاج سامر هنا كيف كان يُنصت بخشوعٍ عميق إلى اللطميّات الحُسينيّة قُبيل خوض العمليّات العسكريّة: "كنّا نشحن أنفسنا بها، ونتصوّر مُصيبة أهل البيت عليهم السلام، فكان لها دور رئيس في تصويب البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، وتثبيت نوايانا وعزيمتنا قبيل مواجهة العدوّ؛ لأنّك قد تقاتل العدوّ لأنّه قتل صديقك أو أخاك، لتنتقم منه في لحظة ما، فكانت اللطميّات بوصلة للمشاعر والنوايا. أنت تقاتل لأجل الله، وتأسّياً بالحسين عليه السلام فقط".

•بجيجي ورضوان: قائدان حُسينيّان
من بين الذين أثّروا في الشباب المؤمن، يحضر القائد أبو حسن بجيجي، وهو أستاذ المقاومة كما لقّبه سماحة السيّد نصر الله (حفظه الله)، الذي ساهم في بثّ الأفكار الحسينيّة وتزويد المجاهدين بالثقافة العاشورائيّة واستنهاض هممهم لمقارعة العدوّ الإسرائيليّ. التزم المساجد والحسينيّات دعماً لهم، وحوّل منزله المتواضع إلى مركزٍ للتدريس والتحشيد. جوامع مشغرة والليلكي تشهد أيضاً على الثورة الفكريّة التي أطلقها، وشعارات تأييد القضيّة الفلسطينيّة حتّى التحرير، وهو صاحب شعار "يا قُدس إنّنا قادمون". وله كُتبت لطميّة "مشغرة أين سهيل رحل" تكريماً له بعد استشهاده، مضافاً إلى نشيد آخر خُصّص لسرد حكاية نضاله "يا ذا الشعب والإبا".

الشهيد القائد الحاج عماد مغنيّة شارك كذلك في مجالس اللطم التي كانت تُقام في مساجد الضاحية الجنوبيّة والشيّاح. كان المجاهدون وأنصار المقاومة يتجمّعون حوله مردّدين خلفه الشعارات الكربلائيّة، وقد تكون أشهرها تلك التي أدّاها بصوته المنفرد: "يا غريباً لمّ شمل الغرباء".

نعم، إذاً هي حكاية الغرباء الذين جمعهم حبّ الحسين عليه السلام الغريب، وزرع في قلوبهم بقوّة، بنبضٍ، بقبضةٍ في القلب.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

بيروت

مالك

2019-08-31 23:42:11

ذكريات الزمن الجميل