نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور حِيَل التطبيع الفنّيّ والرياضيّ "Valve" تطلق خوذة متطوّرة للواقع الافتراضيّ إيرانيّون يصنعون ثلّاجة خاصّة لحفظ اللّقاحات حقيقة "العادة الغريبة" للاعبي كرة القدم أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة

شخصية العدد: سلمان الخير

الشيخ روميو عباس

 



هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله صلى الله عليه وآله. أصله من فارس، وقيل اسمه بالفارسية روزبه بن خشنودان، وقيل بهبود، وقيل ناجية من ولد منوجهر الملك، ينحدر من سلالة الأكاسرة أو أساور فارس، من أهل رام هرمز قرية في الأهواز، وقيل من جبيء قرية في أصفهان، وقيل من شيراز (1).
 
* رحلته إلى الإسلام

نشأ سلمان بين أناس يسجدون للنّار في أحضان أبيه الذي كان يحبُّه حبّاً جماً. لكنّ نفسه التوّاقة للحقّ والصواب لم تقنع بالخضوع لربّ يوقده أنّى يشاء ويخمده، فبدأت رحلته للبحث عن الحقيقة. وكانت أولى محطاته مع النصارى حيث انتقل من صاحب كنيسة إلى آخر، فسافر إلى الشام ثم إلى الموصل ثم إلى نصيبين(2)، ثم عمورية في أرض الروم، حتى دلّهُ فيها أحدهم على أرض العرب قائلاً: "قد أظلك زمان نبي يُبعث بدين إبراهيم، يخرج من أرض مهاجراً إلى أرض بين حرَّتين..." (3) وحدّد له علامات به لا تَخفى، ومنها أنه لا يأكل صدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة. انطلق سلمان بصحبة قوم من بني كلب، لكنهم غدروا به وباعوه ليهودي، ثم باعه اليهودي لامرأة سليمية، إلى أن أبصر النبي صلى الله عليه وآله ومعه جماعة، فعرفه بعد أن رصد فيه العلامات المخصوصة، وكان قد سبقه إليه حبُّه وفطرته، فوقع على قدميه يقبّلهما. وأبى النبي صلى الله عليه وآله إلا أن يستنقذه من الاستعباد فأعتقه. وصارت بذلك المحمدية نسبه وحسبه، وهو الذي قال: "أنا سلمان بن عبد الله، كنت ضالاً فهداني الله عزّ وجلّ بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت عائلاً فأغناني الله بمحمد صلى الله عليه وآله، وكنت مملوكاً فأعتقني الله بمحمد صلى الله عليه وآله فهذا حسَبي ونسَبي" (4).

* فضائل سلمان
يكفيه فضلاً أن يقول النبي صلى الله عليه وآله فيه: "سلمان منّا أهل البيت". ومعلوم أن الطّاهر الذي أخلصه الله تعالى من كل شائبة، لا يقبل أن يظهر منه ما يباين طهره وخلوصه، وهذا يدل على نقاء سلمان الذي خوّله أن يمازج صفاء بيت النبوة دون أن يجعل فيه ما يكدّره (5). وحسبنا في هذا السياق إجراء عملية حسابية بسيطة لنلمس عجيباً من سيرة الرجل: فقد قيل إنه أُعتق بعد بدر وقيل بعد أحد، فتكون بداية إسلامه الفعلي قد تحقّقت بين السنة الثانية والثالثة للهجرة. وباعتبار أن وفاة النبي صلى الله عليه وآله قد كانت في العام الحادي عشر للهجرة، فيكون وصف النبي صلى الله عليه وآله لسلمان بأنّه منه قد تحقق في شخص لم تعمر تجربته آنذاك ما يقارب العقد من الزمن. ومن جهة أخرى عندما نلحظ وفاة سلمان وأنها كانت في العام السادس والثلاثين للهجرة، فيكون كل ما قيل فيه قيل في إنسان لم تعمر تجربته الإسلامية المحمدية أكثر من ثلاثة عقود ونصف، وفي ذلك دلالة ناصعة على عزم سلمان وفرادة إيمانه. وسلمان هو من الأربعة الذين تشتاق لهم الجنة، فعن الرسول صلى الله عليه وآله: "اشتاقت الجنة إلى أربعة: علي، وسلمان، وأبو ذر، وعمار" (6). كما تميّز رضي الله عنه بأخلاق وفضائل كثيرة منها:

* علمه
لقد استفاد سلمان من أسفاره الطويلة، وخبرته الواسعة في معاشرة الأقوام، وقد خالطهم بثقافاتهم وعلومهم. لكن استفادته العظمى تحقّقت من خلال الرعاية الخاصة التي أحاطه بها النبي صلى الله عليه وآله والإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، بحيث وصل إلى مقام يصفه فيه النبي صلى الله عليه وآله بأنه: "...بحر لا ينزف، وكنز لا ينفد"(7)، بل لقد بلغ من العلم حدّاً لا يطيقه إلا قلة نادرة من البشر.

* إيمانه
بلغ رضي الله عنه ذروة الإيمان، بحيث يقول فيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "الإيمان عشر درجات، فالمقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة" (8).

* تواضعه
أتى رجل من بني عبس السوق فاشترى علفاً، ورأى رجلاً، فحمل عليه العلف، وفي الطريق اكتشف أن الرجل هو سلمان، فاعتذر منه، لكن سلمان أبى إلا أن يبلغ منزله ويضع الحمل مكانه، ولما وصل قال: إني أحتسب بما صنعت خلالاً ثلاثاً: "إني ألقيت عني الكبر، وأعنت رجلاً من المسلمين على حاجته، وإن لم تسخّرني سخّرت من هو أضعف مني فوقيته بنفسي" (9).

* زهده
قيل إنّه كان يتصدّق بكل ما كان يأخذه من بيت المال، ولا يأكل إلا من عمل يده. وكان يفترش بعض عباءته، ويلبس بعضها (10). وقيل إنّه لما كان أميراً على زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين في المدائن، لم يكن له بيت يظلّه. هذا وقد "دخل عليه رجل يعوده فجعل يبكي ويقول: لا أبكي جزعاً من الموت، أو خوفاً على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلينا فقال: ليكن بلغة أحدكم مثل زاد الراكب، وهذه الأساود (المتاع) حولي، يقول الرجل: فنظرت فلم أجد حوله إلا مطهرة وإجانة، وجفنة..." (11).

* عبادته
كان شديد الشَّغف بالعبادة، بل كانت السبب الذي يحجزُه عن تمنّي الموت، وقد نقل عنه قوله: "لولا السجود لله، ومجالسة قوم يتلفظون طيب الكلام، كما يتلفّظ طيب التمر لتمنّيتُ الموت" (12). وقد كانت سمة الخوف والورع تميّز شخصيّته في جانبها العبادي، وقد روي أنّه لما سمع قوله تعالى ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (الحجر: 43) خرج هائماً على وجهه، هارباً من شدّة الخوف..." (13).

* مواقف ولائية
لم يأخذ في حياته جنبة الانزواء عن الناس، أو الرهبانية، بل إنه كان حريصاً على النصيحة، والتفاعل الإيجابي عند مباشرته للأمور من حوله سياسيةً كانت أم اجتماعية. أما في البعد السياسي، فقد نقل التاريخ العديد من مواقفه الولائية، منها خطابه الذي وجهه إلى القوم وأبدى فيه إنكاره حيث قال: "أصبتم وأخطأتم، أصبتم سنّة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيّكم" (14). وفي الجانب العسكري، فقد اشتهر عنه عمله بسنّة النبي صلى الله عليه وآله في نصيحة القوم قبل الكرّ عليهم. وهناك حادثة الخندق الّتي اقترنت بأمرين جليلين أوّلهما بروز الإيمان كله إلى الشّرك كله، والثاني ما أشار به سلمان على النبي صلى الله عليه وآله بحفر الخندق (15).

* محبته لأهل البيت عليهم السلام
روي عن زهير بن القين أنّه قال: "... غزونا البحر ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي: أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم، فقال لنا: إذا أدركتم شباب آل محمد صلى الله عليه وآله فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم..." (16). هذا ويُروى أن سلمان رضي الله عنه شارك في زفاف السيدة الزهراء عليها السلام، وقاد ناقتها بأمر من النبي صلى الله عليه وآله (17)، كما شارك أيضاً في الصلاة عليها ودفنها وزيارة قبرها الشريف مع أمير المؤمنين عليه السلام. وعن منصور بن بزرج، أنه قال: "قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: ما أكثر ما أسمع منك سيدي ذكر سلمان الفارسي، فقال عليه السلام: لا تقل سلمان الفارسي، ولكن قل سلمان المحمدي. أتدري ما كثرة ذكري له؟ قال: قلت لا، قال: لثلاث خلال: أحدها إيثاره هوى أمير المؤمنين عليه السلام على هوى نفسه..."

* وفاته رضي الله عنه
عاش سلمان عمراً مديداً، فقد قيل إنّه عمّر ثلاثماية وخمسين سنة، وقيل أكثر وقيل أقل. وكان له من الوُلد عبد الله وبه يكنّى، ومحمّد وله عقب مشهور (19). وقد وافته المنيةُ، وهو متأهب لها، مستعد للقاء ربه. ولما حان وقت اللقاء سافر إلى حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.


(1) رجال تشتاق لهم الجنة، الزبيدي، ماجد، ص 11.
(2) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. راجع: معجم البلدان للحموي، دار إحياء التراث العربي، ج 5، ص 287.
(3) رجال تشتاق لهم الجنة، م. س، ص 11.
(4) نفس الرحمان في فضائل سلمان، ميرزا حسين نوري الطبرسي، ص 64ـ 67.
(5) الفتوحات المكية، محيي الدين ابن عربي، ج 1، ص 196.
(6) شرح إحقاق الحق، المرعشي، ج 23، ص 30.
(7) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 22، ص 348.
(8) م. ن، ص 341.
(9) تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج 21، ص 433.
(10) السيرة الحلبية، الحلبي، ج 1، ص 317.
(11) بحار الأنوار، م. س، ج 22، ص 381.
(12) بحار الأنوار، م. س، ج 22، ص 384.
(13) سلمان المحمّدي، عبد الواحد مظفّر، ص 114.
(14) م. ن، ص 116.
(15) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، السيد جعفر مرتضى، ج 9، ص 78 84.
(16) بحار الأنوار، م. س، ج 44، ص 372.
(17) رجال تشتاق لهم الجنة، م. س، ص 39.
(18) كشف الغمة، ابن أبي الفتح الأربلي، ج 2، ص 15.
(19) الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، علي خان المدني، ص 220.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع