جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح

من القلب إلى كل القلوب: الأبناء محبَّة.. ومسؤوليَّة*

سماحة السيد حسن نصر الله

 



تحدثنا في السابق عن الزواج وأهميته وذكرنا مقوّمات الزواج الناجح. وفي السياق ذاته واستكمالاً للحديث عن العائلة نصل إلى الأولاد. لقد شملت الروايات الزوجة والأولاد معاً وتحدثت عن التقرب من العيال والذود عنهم وإرضائهم. لقد حثّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله على الزواج والإنجاب لأن هذا يشكِّل ضمانةً واستمرارية للبشرية. وقد ورد أنه من سعادة المرء أن يكون له ولد صالح يبقى بعده، يفي عنه الدين ويقضي عنه الصلاة والحجّ، ويهدي إليه ثواب الأعمال.

هناك حديث جميل عن الرسول صلى الله عليه وآله يقول: مرّ عيسى ابن مريم عليها السلام بقبر يُعذَّب صاحبه وكان للمسيح معجزات كثيرة، منها الاطلاع على ما في القبور ثمّ مرّ به في العام القادم فإذا هو لا يعذب، فقال: يا رب، مررت بهذا القبر عام أول وكان يُعذَّب صاحبه، ومررتُ به هذا العام، وهو ليس يُعذَّب، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا روح الله، قد أدرك له ولد صالح فأصلح طريقاً وآوى يتيماً، فغفرتُ له بما عمل ابنه (1). إذاً الولد الصالح هو ضمانة للمرء بعد موته. وبالمقابل، فإن الروايات نفسها تقول إنّ "ولد السوء يهدم الشرف ويشين السلف"(2). فالمسؤولية تجاه الأولاد كبيرة على صعيد الدنيا والآخرة:
﴿..قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (التحريم: 6). فالإنسان مسؤول عن دنيا أولاده وآخرتهم. وهنا نذكر بعض العناوين السريعة.

* حب الأطفال أفضل الأعمال

الأوّل: ما أكّد عليه الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وهو أن تقوم علاقة الوالدين بالأولاد على أساس الحب والمودّة والرحمة وإبراز العاطفة نحوهم، إلى حدّ التصابي (بمعنى الولدنة). وفي الحديث: "قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب، أيّ الأعمال أفضل عندك؟ فقال: حب الأطفال" (3). مع أن هذا شيء فطري لكنّ الله تعالى يصبغه بصبغة دينية، ويعطي عليه أجراً، وهذا من كرم الله عزّ وجلّ. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: في يوم من الأيام خرج على الصحابة عثمان بن مظعون ومعه صبيٌّ له يُقبِّله. فرآه النبيّ صلى الله عليه وآله فقال له: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أتحبه يا عثمان؟ قال: إي والله يا رسول الله إنّي أحبُّه، قال: أفلا أزيدك له حبّاً؟ قال: بلى، فداك أبي وأمي. قال: إنه منْ يُرضي صبيّاً له صغيراً من نسله حتى يرضى، ترضّاه الله يوم القيامة حتى يرضى (4).

وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ الله ليرحم العبد لشدّة حبه لولده" (5). وعن الرسول صلى الله عليه وآله: "من قبَّل ولده كتب الله تعالى له حسنة، ومن فرَّحه فرَّحه الله يوم القيامة، ومن علَّمه القرآن دُعي بالأبوين فيأتيان بحلَّتين يضيء من نورهما وجوه أهل الجنة"(6). وفي الحديث: كان النبي صلى الله عليه وآله يقبّل الحسن والحسين عليه السلام، فاستغرب أحدُ الأشخاص، واسمُه الأقرع بن حبوة، تصرُّف النبيّ قائلاً: إنّ لي عشرة أبناء ما قبَّلتُ واحداً منهم قط. فغضب الرسول صلى الله عليه وآله حتى التمع (تغيَّر) لونُه، وقال للرجل: "إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك؟ من لم يرحم صغيرنا ويعزِّز كبيرنا ليس منّا" (7). هذا هو دينُنا دين الرحمة بالصغار، والرحمة والتكريم وتقدير الكبار. كذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله: "من كان له صبي فَلْيَتصابَ له" (8). وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله والحسن والحسين عليه السلام على ظهره، وهو يجثو لهما ويقول: "نِعمَ الجملُ جملكما، ونِعمَ العِدلانِ أنتما" (9)!. وقد تكررت هذه الحادثة أمام الصحابة الآخرين، فقال أحد الصحابة: رأيتُ الحسن والحسين عليهما السلام على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: نعمَ الفرس لكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: "ونِعمَ الفارسان هما"(10).

* إنهنّ المؤنسات الغاليات
الثاني: عدم التمييز بين الأبناء والبنات. فقد كانت فكرة وأد البنات منتشرة قبل الإسلام، وكان وجه الجاهليّ يسودّ إذا بُشِّر بالأنثى(11). فأتى الإسلام وحرَّم هذا الأمر، وحاول معالجته على مدى قرون. يقول الرسول صلى الله عليه وآله: "لا تكرهوا البنات، إنَّهنَّ المؤنسات الغاليات"(12). والتجربة تقول إنه عندما يكبر الوالدان غالباً ما تكون الفتيات أكثر عطفاً واهتماماً وبِرّاً بهما. وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله: "من وُلدت له ابنة فلم يؤذها ولم يُهنها ولم يُؤثر ولده عليها أدخله الله بها الجنة"(13). وعنه صلى الله عليه وآله: "نِعمَ الوِلدُ البنات المخدّرات! من كان عنده واحدة جعلها الله له ستراً من النار"(14). وعن الإمام الصادق عليه السلام: "البنات حسنات، والبنون نعمة، فالحسنات يُثاب عليها، والنِّعَم مسؤول عنها" (15).

* مسؤولية التربية والعناية
الثالث: مسؤولية تربية الأولاد وتعليمهم وإصلاح اعوجاجهم إذا اعوجُّوا، وذلك بمحادثتهم وإقناعهم وليس بالضرب، بل بالإفهام، وكذلك بالقدوة الحسنة؛ أي أن يكون الأب والأُم قدوة في البيت، فيتأثر الولد بسلوك أهله وعاداتهم، وكذلك بأخذ الأولاد إلى المساجد وتعليمهم الصلاة وتعويدهم على الصيام منذ صغرهم، وتعليمهم القرآن واصطحابهم إلى مجالس العزاء؛ فإنّ لهذا كله تأثيراً كبيراً في تنشئة الأولاد ومستقبلهم. الرابع: العناية بالأولاد صحيّاً وجسديّاً، فضلاً عن إطعامهم وإكسائهم، فيوم القيامة سنُسألُ عن هذه الأمور كما نُسألُ عن صلاتنا وصيامنا.

* اعدلوا بين أولادكم
الخامس: العدل بين الأولاد، فلا يجوز تفضيل ولد على ولد في المعاملة. فعن الرسول صلى الله عليه وآله: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (16). ستُسألون عن التمييز بين أولادكم، وقد يؤدي ذلك إلى معاصٍ وانحرافات وأحياناً إلى جرائم، ويمكن أن يتحوّل ذلك إلى حسد بين اْلإخوة فيكيد بعضهم لبعض. وعن النبي صلى الله عليه وآله: "ساوُوا بين أولادكم في العطية، فلو كنتُ مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء" (17). وعنه صلى الله عليه وآله: "إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل" (18). هكذا نتصرّف إذا أردنا أن يكون لنا أولاد صالحون ليكونوا عوناً لنا في الدنيا وذخراً في الآخرة. وهناك أولاد هم ذُخر لأهلهم في الآخرة حتى قبل موت الأبوين، وهم الشهداء. فمن المعروف عندنا أن الشهداء يُرزقون حقّ الشفاعة، فعندما يُوتَى بالشهيد إلى باب الجنة يقف ويقول: لا أدخلها إلّا وأبواي معي. فالشهداء في ثقافتنا هم ذُخر لآبائهم يوم القيامة، وعزٌّ وكرامة لهم في الدنيا.

لماذا هم فتنة؟
يبقى أن نتحدث عن شبهة موجودة في أذهان الناس، مثلاً هناك آيات وتعابير تقول: "أموالكم وأبناؤكم هم فتنة لكم". والفتنة تعني أنّ علينا أن نهرب منها. هذا شرح خاطئ. وفي بعض الآيات والروايات أن الأزواج والأولاد أعداء لكم. ويأتي أحياناً الشرح ليقول: لا يجوز أن يجتمع في قلبك حُبَّان: حب الله وحب آخر. فإذا وُجد في قلبك حب لوالديك أو لزوجتك وأولادك فهذا يتنافى مع وحدانية حب الله. وجواباً عن الشبهة الأولى نقول: الفتنة تعني الاختبار والامتحان. فأموالنا وأولادنا فتنة لنا بمعنى ابتلاء واختبار، فالله تعالى يرى كيف نتصرف بهذه النِّعَم التي أغدقها علينا، هل في الخيرات والطاعات؟ أم في الفتن والظلم؟ وكذلك في شأن الأولاد، هل نربّيهم تربية صالحة؟ أم نهملهم؟ أمّا الشبهة الثانية-موضوع الحب- فإنه سبحانه أوجب على الإنسان أن يحب والديه، فحب الوالدين من حب الله، وكذلك حب الزوجة والأولاد. أما عندما يصغي الأبوان لرغبات أولادهما المحرمة فيعصيان الله تعالى بسبب حب الأولاد، فهذا الحب هو الذي ينافي حبّ الله. فالرسول صلى الله عليه وآله وُلد يتيماً، وهو يحب أعمامه وأبناء عمومته حبّاً جمّاً، ومع ذلك ففي معركة بدر دفع إلى المعركة أحب الناس إليه، ابن عمه علياً عليه السلام وعمَّه الحمزة عليه السلام، وصحابة الرسول كانوا يردفون أبناءهم أمامهم ليُقتلوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله. وكذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام يقدم أولاده إلى المعركة، ولم يبخل بهم. وأصحاب الإمام كذلك، فهذا حُجر بن عدي رضي الله عنه رفض التبرُّؤ من الإمام علي ولعنِه عليه السلام. ولما هُدِّد بالقتل قدَّم ابنه أمامه، للاستشهاد، لأنه خشي أنه إذا قُتل هو أوّلاً أن يضعف قلب ابنه فيتبرَّأ!

* حب الأبناء في كربلاء
والمسلمون الذين خذلوا الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، كانوا يحبون أولادهم ويخافون عليهم. هذا الحب للأولاد ليس في معصية الله. والحسين عليه السلام قدَّم للشهادة أولاده وإخوانه وأصحابه، لم يبخل بأحد منهم. وأوّل من أذن له في القتال ابنه علي بن الحسين الأكبر، هذا الشاب الذي كان الحسين عليه السلام وكل أهل البيت عليهم السلام يحبونه حبّاً شديداً لأنه أشبه الناس برسول الله خلقاً وخلُقاً ومنطقاً. فعندما استشهد علي الأكبر عليه السلام قال الحسين عليه السلام: "على الدنيا بعدك العفا يا بني" (19). هذا فلذة كبد الحسين عليه السلام، ولكنَّ حبّه له لم يمنعه من تقديمه للشهادة إعلاءً لكلمة الله وإعزازاً لدينه. إن هذا الحب هو عين حب الله. ختاماً، أسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لتأدية مسؤوليتنا الشرعية أمام عائلتنا وتجاه آبائنا وأولادنا وأزواجنا وأرحامنا والناس من حولنا، وأن يجعل حُبّ الدنيا في عينه وسبيله وطاعته، وأن تبقى قلوبنا متعلّقة به سبحانه وتعالى.


* مقتطف من كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله حفظه الله ألقاها في الليلة التاسعة من محرم (1432هـ).
(1) وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 16، ص 338.
(2) مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 15، ص 215.
(3) بحار الأنوار، المجلسي، ج 101، ص 97.
(4) ميزان الحكمة، الريشهري، ج 4، ص 3669.
(5) الكافي، الكليني، ج 6، ص 50.
(6) الكافي، م.س، ج 6، ص 49.
(7) بحار الأنوار، م.س، ج 43، ص 283.
(8) م. ن، ج 4، ص 3670.
(9) ميزان الحكمة، م.س، ج 4، ص 3670.
(10) م. ن.
(11) سورة النحل، الآيتان: 58 59.
(12) ميزان الحكمة، م.س، ج 4، ص 3672.
(13) م.ن.
(14) م. ن.
(15) م. ن.
(16) جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، ج 28، ص 181.
(17) ميزان الحكمة، م.س، ج4، ص 3673.
(18) م.ن.
(19) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج 3، ص 343.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع