أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة مجتمع: سنة أولى صيام الشيخ راغب.. المسجديّ الـثـائـر أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

المسجد منطلق الدعوات الإلهية


السيّد بلال وهبي


لم تكن هجرة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب طلباً لمأمنٍ يأمن هو والمسلمون فيه على دينهم من جَور مشركي مكّة وطغيانهم فحسب، بل كانت هجرةً إلى مكان ينطلق منه لتأسيس الحضارة الربّانيّة التي تقوم على ارتباط الإنسان بالله خالق كلّ شيء، وإليه يرجع كلّ شيء. ولمّا كانت الحضارة فعلاً بشريّاً، اقتضى ذلك أن يتمّ التركيز على بناء البشر أنفسهم، لتكون حضارتهم منبثقةً من عقيدتهم وقيمهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (الإسراء: 84).

•أوّل عمل للرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
لقد شكّل المسجد -باعتباره مكاناً مقدّساً يجتمع فيه عيال الله على الاعتصام بحبله، واستمداد مدده وعنايته، وينصهرون في بوتقة إيمانيّة تنفي كلّ أشكال التمييز العنصريّ، والطبقيّ، والقبليّ، والعشائريّ- المكان الذي انطلقت منه عمليّة التغيير الكبرى التي قادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وكان أوّل إجراء مادّيّ ومعنويّ قام به صلى الله عليه وآله وسلم بعد دخوله يثرب مباشرة، هو بناء المسجد، الذي قام على التقوى. وكان اختيار مكانه من الله تعالى، كما هو معلوم، وأتبع ذلك بالمؤاخاة بين المسلمين، فكانت المؤاخاة ثاني إجراء يقوم صلى الله عليه وآله وسلم به، وهو أمر يستدعي البصيرة.

•منطلق لعبادة أوسع
لم يكن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكاناً للصلاة فحسب، بل مكاناً للعبادة بمعناها الأشمل، حين جُعلَت غايةً لخلق الإنسان، كما نصَّ القرآن الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). فقد كلّف الله الإنسان عمارة الأرض، واستكشاف طاقاتها، والتعرّف إلى سُنَنِها وقوانينها، واستثمار خيراتها من موقع خلافته عنه تعالى في الأرض؛ فتكون وظيفة الإنسان تلك داخلةً في مفهوم العبادة، فيكون كلّ عمل يؤدّيه انطلاقاً من أمر الله عبادةً: بناء الحضارة الربّانيّة، إقامة المجتمع الإيمانيّ، الدفاع عن ثغوره، إعمار الأرض، المشي في مناكبها طلباً لرزق الله، طلب العلم وتعليمه، وكلّ نشاط يرجى فيه وجه الله، هو عبادة له سبحانه.

•مصدر العلوم والمعارف
وعلى هذا الأساس، لم يكن مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكاناً لإقامة الشعائر وحسب، بل كان مرجعاً للناس ليستمدّوا من الارتباط بالله فيه ما يحتاجونه من طاقة روحيّة تثبتهم على الإيمان، وتحفّزهم على الخير والصلاح، وتستثير فيهم فعل المعروف، وتحرّضهم على مواجهة المنكر، والباطل، والإلحاد، والشرك، والفساد، والظلم، والطغيان، وكانوا ينهلون فيه العلم من مناهله الرويّة، العلم الذي يعرفون به خالقهم، ويحدّد لهم وظائفهم تجاهه، وتجاه أنفسهم، وخلق الله، والحياة برمّتها. لقد كان المسجد جامعاً يجتمع فيه المؤمنون للصلاة، وجامعةً يتلقّون فيها مختلف العلوم والمعارف، فيجمع الإنسان مع أخيه الإنسان، ويجمعهم جميعاً على التعبّد لله، وبقي على ذلك إلى يومنا هذا مَوئلاً، ومَجْمَعاً، ومُحتَشَداً، وتُلقى فيه الخطابات الدينيّة والسياسيّة، والدروس العلميّة في الحديث، والفقه، والتفسير، والتاريخ، والهندسة، والرياضيّات، والجبر، والكيمياء، والطب... كذلك في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ عليه السلام، والأئمّة الأطهار عليهم السلام من بعده، وكان الإمامان الباقر والصادق عليهما السلام يلقيان محاضراتهما العلميّة في ميادين علميّة شتّى في رحاب المسجد، وقد تخرّج على أيديهما الآلاف من العلماء والمتخصّصين.

•يخرج من المسجد ليزرع الدنيا
وكان المسجد المكان الذي يجتمع فيه المؤمنون، حيث يتشاورون في قضاياهم وما يهمّهم من أمور دينهم ودنياهم، والمكان الذي ينطلق منه بناء الإنسان وحياته، وتبنى فيه الدنيا والآخرة، ويُفصل فيه بين المتخاصمين، وتُعلن فيه الأحكام، وتُدار فيه شؤون الحكم، وتصدر فيه قرارات الحرب والسلم، وكلّها على عين الله وفي طاعته، ويُطْلَبُ فيها رضاه. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلن بهذا أنّ دينه ليس مجرّد أمر معنويّ لا يتصل بدنيا الإنسان وشؤونها، ولا يترك للإنسان أن يكون ربّانيّاً في المسجد ومنفصلاً عن الله خارجه، بل يبنيه روحيّاً، ويهذّبه معنويّاً، ويزكّيه أخلاقيّاً، ويودع في قلبه المعارف والعلوم التي تعرج بإنسانيّته إلى الأعلى، وتفتح عقله على وعي مسؤوليّته ككائن فضّله الله على غيره من الكائنات وسخّرها له، ليخرج إلى الحياة فيبنيها على عين الله ووفق إرادته.

•صلاة الجماعـة وتنظيم الحياة
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 9-10). فحين ينادى إلى صلاة الجمعة وهي الصلاة التي تتكوّن من خطبتين يلقيهما إمام الجماعة، فيأمر المصلّين بالتقوى، تقوى الله؛ ويعرض فيها لأوضاع المسلمين وأحوالهــــــم ويُبصِّرُهم بالأحداث السياسيّة فيكون في ذلك توجيه سياسيّ لهم، ومن ثمّ يصلّي بهم ركعتين بدل أربع، عندها، يجب على جميع المكلّفين أن يسعوا إلى المسجد ليذكروا الله، فيستمدّوا منه الطاقة الروحيّة التي يحتاجونها، حتّى إذا قضيت الصلاة انتشروا في الأرض، وعاد كلّ منهم إلى عمله الذي كان يعمله ويبتغي به الحصول على فضل الله. ولم يحدّد القرآن نوع الفضل، بل أبقاه عاماً؛ ليشمل أيّ فضل وفي أيّ بُعد من أبعاده. وهكذا يكون حال المؤمن، سعيٌ في الحياة إلى الله، وسعيٌ من الله وبالله في الحياة، وكلاهما فضل منه تعالى، يطلبه تارةً في بيت الله، وتارةً أخرى في أرض الله، وبهذا تتحقّق العبوديّة الكاملة، وبه يستحقّ الإنسان مقام الخلافة لله.

•المسجد والتغيير نحو الأفضل
إذاً، يكمن دور المسجد في ربط المربوب بربّه والعابد بمعبوده من جهة، والإنسان بالإنسان من جهة أخرى، فيرتاده المؤمن ليصطبغ فيه بصبغة الله؛ ليتغيّر فيه إلى الأفضل، كي يستطيع من ثَمَّ أن يغيّر واقعه لأنّ: ﴿اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). وعندما يتغيّر الناس على عين الله، وينضوون تحت لواء التوحيد، ويؤدّون ما يمليه عليهم من قيم ربّانيّة راقية، تُبنى في الأرض حضارة ربّانيّة، تتجلّى في: القسط، العدل، الرخاء، رغد العيش... وتعرج بالإنسان إلى مقامات الكمال.

•منطلق الدعوات الإلهيّة
لهذا، نجد أنّ رسل الله وأولياءه كانوا ينطلقون في دعوتهم من بيوت الله، مثلاً: إبراهيم الخليل عليه السلام أبو الأنبياء، حين أمره الله برفع القواعد من البيت، نهض لهذا التكليف، وعاونه ولده إسماعيل عليه السلام، حتّى إذا ما انتهيا منه رفعا أيديهما إلى السماء داعيَين: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ (البقرة: 127-129). وتكرُّ السنون وتمضي القرون، فيبزع نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وينطلق بدعوته الحضاريّة الكبرى من بيت الله أيضاً من مكّة، ويولد عليّ عليه السلام في بيت الله، ويُسْتَشْهد في بيتٍ من بيوت الله، ويكون اللقاء بحجّة الله على خلقه، المُدَّخَرِ لإقامة الحقّ وإزهاق الباطل الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، في بيت الله في مكّة، وتنطلق دعوته منه، ويمضي من هناك إلى المسجد النبويّ الشريف، ومنه إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث يصلّي خلفه نبيّ الله عيسى بن مريم عليه السلام، ويكون مقرّه مسجد الكوفة، وفي ذلك من الدلالات على أهميّة المسجد، ما لا يخفى على الحصيف اللبيب.

•بناء الحضارة الربّانيّة
إنّنا اليوم أمام فرصة تاريخيّة نادرة للشروع في بناء الحضارة الربّانيّة بعد سقوط الحضارات البشريّة الموغلة في ماديّتها، وفحشها، وتوحّشها، وبعد ما وفّره التطوّر التكنولوجي من سهولة التواصل مع مختلف شعوب الأرض، وإيصال الفكر الإسلامي الأصيل إليهم، وإتمام الحجّة به عليهم، ما يفرض أن نحثّ الخطى تمهيداً لبزوغ نور الولاية الكبرى، وشروق شمس المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ولن يتيسّر لنا التمهيد لظهوره إلّا بالرجوع إلى المسجد، فهناك يكون هو بأبي وأمّي بين المصلّين، ومن هناك يرعى الأُمّة بتسديد من الله، وينطلق ومعه أنصاره في مسيرته الربّانيّة المظفّرة، عبر استعادة الدور الرياديّ للمسجد في بناء الإنسان، وتزكيته، وتوجيه سلوكه، وإحياء القيم الإلهيّة في نفسه، وتعزيز انتمائه إلى دينه، ورفده بالعلم الذي يحدّد له وظيفته كخليفة لله في الأرض.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع