رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

في رحاب بقية الله: مدد أنصار المهدي عجل الله فرجه

الشيخ نعيم قاسم

 



أمدَّت كربلاءُ مسيرةَ الإسلام بدعامةِ استقامةِ الدين وهي التضحية. وبرز الإمام الحسين عليه السلام مُعلِّماً ومربِّياً للأجيال للدفاع عن الحق والعدل مهما كان الثمن. وحيث لا يمكن إعلاء كلمة الدين من دون الجهاد، فقد غدا عليه السلام صفةً ملازمةً للسائرين المخلصين على هذه الطريق. وبما أنَّ العدل العالمي لا يتم إلاَّ على يد الإمام المهدي عجل الله فرجه، فقد توجهت الأفئدة إليه منتظرةً إياه. ولما كانت أهدافه لا تتحقَّق إلاَّ بالثُّلَّة المجاهدة المستعدة للاستشهاد بين يديه، فإنَّ أنصاره هم الذين يتميزون بأعلى درجات التضحية والعطاء. أنصارُ الإمام المهدي عجل الله فرجه هم أنفسهم أنصارُ الإمام الحسين عليه السلام. فلو كانوا في زمانه لكانوا معه. وهم ينتظرون الفرج ليترجموا استعدادهم لأنْ يكونوا بكامل طاعتهم لقائم آل محمد عجل الله فرجه. إنَّنا نتلمس أثر عاشوراء في بناء أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه من خلال أمور كثيرة، أبرزها أربعة:

* التضحية طريقُ الفوز
عاشوراء تضحية. ولكنَّها طريقٌ للفوز، فهي خلاصةُ العطاء بأبرز معانيه ببذل النفس قربةً إلى الله تعالى. وعلى الرغم من كلّ الآلام وعظيم المأساة، فإنَّ رقي الهدف يستحق هذا المستوى من العطاء. علَّمتنا عاشوراء أن نُعطي من دون البحث عن أي بدلٍ دنيوي. وشحنت نفوسنا بالمدد الغيبي الذي يتجاوز كلّ مدد. وهي البابُ الممهِّدُ لسيادة العدل الإلهي على الأرض. عاشوراء ممتدةٌ في الأهل والأصحاب. وكلُّ واحدٍ منهم نموذجٌ مضيء في طريق ذات الشوكة. وهل يخفى البيرق الزينبي في إشعاعاته للأجيال، مرشداً وهادياً إلى البطولة والتضحية، بقناعة لا يزلزلها شيء، وثقةٍ بالنصر الأكيد؟ أليست زينب عليها السلام في مسار حزب الله؟ فإنَّ حزب الله هم المفلحون. كلماتُ زينب عليها السلام تتجاوز المحنة إلى الانتصار، والحدثَ إلى المستقبل، وتعلن النتيجة واضحة: فاز حزب الله وخسر حزب الشيطان. وتأسَّس البناء ليتابع أنصار المهدي عجل الله فرجه على خطى التضحية والعطاء. قالت زينب عليها السلام في خطابها لأهل الكوفة: "يا أهل الكوفة, سوأة لكم، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه, وسبيتم نساءه ونكبتموه, ويلكم أتدرون أي دواهٍ دهتكم, وأي وزرٍ على ظهوركم حملتم, وأي كريمةٍ أصبتموها, وأي أموالٍ انتهبتموها؟ قتلتم خير رجالاتٍ بعد النبي صلى الله عليه وآله, ألا إن حزب الله هم الفائزون, وحزب الشيطان هم الخاسرون"(1).

* البناءُ الجهادي دعامةُ الإسلام
ركَّز الإسلام على الجهاد، حيث لا يمكن حماية الحق وجماعته إلاَّ بالقتال والدفاع، وحيث تُقْفَلُ الأبواب أمام الحوار والدليل. وقد صبر المسلمون ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة من دون قتال، وتحمّلوا كل أنواع الأذى والقتل والحصار والتهجير، وقدَّموا الحكمة والموعظة الحسنة والعفو ومساعدة المحتاجين ونصرة المظلومين، لكنْ لكل أمرٍ حدود، فأذن الله للمؤمنين بالقتال في المدينة المنورة دفاعاً عن أنفسهم وقناعاتهم وإيمانهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج: 39). وعلى المؤمنين أن يكونوا مستعدين وجاهزين للمواجهة مع الباطل، فالله تعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (الأنفال: 60). مع ما تتطلبه المواجهة من تضحيات وشهادة. فمن حق المؤمن أن ينتصر لدينه، وأن يقيم العدل على الأرض، وأن يسعى للصلاح والاستقامة على طريق الهدى، بل هو واجب على كل إنسان أن يهتدي إلى هذا الطريق المستقيم. وهذا ما يعمل له أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه، فهم المخلصون، المؤمنون بالله حقاً وصدقاً، والمؤمنون بولاية محمد صلى الله عليه وآله وآل محمد عليهم السلام، وعليهم أن يدافعوا عن إيمانهم مهما بلغت التضحيات. عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "التاسع من ولدك يا حسين، هو القائم بالحق، المظهر للدين، والباسط للعدل.  قال الحسين عليه السلام: فقلت له: يا أمير المؤمنين، وإنَّ ذلك لكائن؟  فقال علي عليه السلام: إي والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة، واصطفاه على جميع البرية، ولكنْ، بعد غيبةٍ وحيرة، فلا يثبت فيها على دينه إلاَّ المخلصون، المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله عزَّ وجل ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيَّدهم بروحٍ منه" (2).

* ترابط السلسلة الطاهرة
إنَّها سلسلة طاهرة مترابطة، أوَّلها محمد صلى الله عليه وآله، وأوسطها محمد صلى الله عليه وآله، وآخرها محمد صلى الله عليه وآله، أحَدَ عشر إماماً بين مقتولٍ بالسم أو بالسيف، يواجهون المنكر بصُوَرِه المختلفة، ويصمدون متحمِّلين كل التبعات، ولا يمكن الفصل بينهم، يمهدون بعطاءاتهم للإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عجل الله فرجه. أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله أن القوم يقتلون الإمام الحسين عليه السلام ويقتلون وُلْدَه، ولكنَّ الفرج قادم على يد القائم عجل الله فرجه، فعاشوراء مسارٌ يوصل إلى المهدي عجل الله فرجه. قال صلى الله عليه وآله: "أخبرني جبرئيل عليه السلام أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه، ويقاتلونه ويقتلون وُلْدَه، ويظلمونهم بعده. وأخبرني جبرئيل عليه السلام عن الله عزَّ وجلَّ أن ذلك يزول إذا قام قائمهم، وعَلَتْ كلمتهم، واجتمعت الأمة على محبتهم" (3).

* الحسين عليه السلام قدوة
الحسين عليه السلام سيد شباب أهل الجنة. فهو قدوة الأحرار، يتعلَّمون منه، ويهتدون بسلوكه وعطاءاته. فقد تحرّك ضد الجور، محطِّماً صمت الخانعين، متحمِّلاً ثمن الموقف. وقد خطب عليه السلام في جماعة الحرّ الرّياحي عندما وصل إلى "البيضة" (7) مبيِّناً تكليف القوم: "أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحُرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيِّر بفعلٍ ولا قول، كان حقاً على الله أن يُدخله مدخله"(4).  إنَّ أنصار الإمام الحسين عليه السلام هم أنصار الإمام المهدي عجل الله فرجه، فالدرب واحد، والشهادة طريق، والعدل نتيجة، والهدف: رضوان الله تعالى.


(1) ابن نما الحلي, مثير الأحزان, ص: 69.
(2) الشيخ الصدوق، كمال الدين، ص: 304.
(3) الشيخ الطوسي, الأمالي, ص: 351.
(4) تاريخ الطبري, ج 4, ص: 304.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع