شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح "غوغل" وأطفال "التوحّد" نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور

الحرب الناعمة: نمط الحياة في الإسلام (2): مواجهةٌ ثقافيّة

مركز الحرب الناعمة للدراسات



استعرضنا، في العدد الماضي، مفهوم نمط الحياة في الإسلام وأبرز عناصر نمط الحياة الإسلاميّ، لنتابع الحديث في هذا المقال حول غزو نمط الحياة الغربيّ لمجتمعنا المسلم، والذي يحمل معه أهدافاً تتجاوز السلوك اليوميّ، لتصل إلى مستوى تغيير أولويّات هذا المجتمع، وتبديل معتقداته وقيمه، وبالتالي سلوكيّاته مع ما ينسجم والأهداف الغربيّة.


* نمط الحياة الغربيّ
لا يمكن اعتبار نمط الحياة الغربيّ، بالنسبة إلى البلاد الإسلاميّة وغيرها، مجرّد سلوكيّات أو أنظمة أو أفكار بعيدة عن غايات وأهداف الهيمنة، بل هو وسيلة حرب أيديولوجيّة استراتيجيّة، يتمُّ فيها الإخضاع الثقافيّ والسياسيّ والاقتصاديّ. ومن هنا، تمكّنت الولايات المتحدة من استغلال قوّتها الناعمة في الإنتاج الفنيّ التلفزيونيّ، وفي الصناعة الترفيهيّة وشركات الأقمار الصناعيّة، فدخلت كلَّ بيت وتركت آثارها على الأفراد، لذلك قيل إنّ أمريكا "تُروِّج عبر العالم للحلم الأمريكيّ، الذي أصبح هو النمط المثاليّ للحياة، وهو الذي يسعى لتحقيقه كلّ إنسان، وحينها تتلخَّص السعادة بالنسبة إليك في أنْ ترتدي الجينز الأزرق، وتستمع لموسيقى الروك..."(1). فالحلم الأمريكيّ الذي يجري تسويقه يقوم على إشباع الملذّات الحسيّة، وضرب القيم الروحيّة والمعنويّة.

* كيف يتسلّل إلينا؟
يغزو مجتمعنا نمط الحياة الغربيّ بعناوين ومظاهر عديدة، من أبرزها:

1- الاستهلاك:
راجت ثقافة الاستهلاك -في الغالب- على يد شركاتٍ تجاريّةٍ ومؤسّساتٍ ماليّة عالميّة، تهدف إلى الربح وزيادة نسبة المستهلكين، وبالطبع تغيير الهويّة الثقافيّة، من خلال الدعايات ووسائل الإعلام التي تتولّى وظيفة خلق بيئة ثقافيّة تُروِّج للبضاعة، مستفيدةً من الرموز والإشارات ومظاهر الغناء والحفلات... وتصل إلى حدود استغلال المرأة كواحدة من أهمّ واجهات الترويج والإعلان والتسويق. وتعمل الشركات العالميّة على توظيف الخصوصيّات الثقافيّة في عادات الشعوب وتقاليدها، فتدرسها دراسة متناهية الدقّة لتبدأ بمخاطبة الأذواق والميول. والنتيجة تغيير الميول بالتدريج من خلال زرع مفاهيم وصور نمطيّة تتحوّل في اللاوعي إلى ثقافة جمعيّة.

في الواقع العمليّ، إنّ مجتمعنا قد تحوَّل بنسبةٍ معيّنةٍ إلى مجتمعٍ مستهلكٍ، تؤثِّر فيه الدعاية والترويج، فظهر الميل نحو شراء الكماليّات على حساب الأساسيّات، بما يفوق القدرات الماليّة، وخرجت إلى العلن أعراض ظاهرة التسوّق التي لا تنبع من الحاجة، بل بدأنا نشتري على أساس جمال المكان وأساليب العرض وتنوّع المعروضات وخدمات الترفيه للأطفال... وليس على أساس الحاجة والاستهلاك الحقيقيّ والواقعيّ.

2- ثقافة الترفيه:
ليس المقصود رفض الترفيه ومخالفة كلّ محاولات الأفراد الترفيه عن أنفسهم، بل المقصود به أن يُصبح هذا الترفيه من محدّدات الشخصيّة الإنسانية، والذي يندرج ضمن استراتيجيّات الحرب الناعمة الأمريكية ضدّ الشعوب(2). أصبح الترفيه في الفهم الأمريكيّ وسيلةً لترويج الأفكار والأيديولوجيّات، وفي هذا الإطار يقول صاحب واحدة من أهمّ شركات الإنتاج الأمريكيّة: "إذا كان لديك شيءٌ تقوله وتنشره، فمن المفيد أن تضعه في جلباب الترفيه وستجد سوقاً جاهزةً لتعميم ما تقوله أو ما تريد ترويجه من أفكار وأيديولوجيات"(3). وأمّا مظاهر الترفيه فعديدة وكثيرة تبدأ بأجهزة التلفزيون والكمبيوتر وتقنيّات الإنترنت، ولا تنتهي في كيفيّة إقامة الاحتفالات والأعياد ومراسم الزفاف وغيرها، حيث دخل النمط الغربيّ وبقوة إلى أغلب تفاصيلها، وأضحى بعضهم أسير الخصوصيّات التي وضعها الآخر. وإنّ بعض هذه الممارسات لا ينسجم مع سلوكيّات ومعتقدات الإنسان المتديِّن.

3- سطوة الموضة:
تحتل الموضة بأشكالها حيِّزاً كبيراً من حياة أغلب الناس، يُقبلون عليها تقليداً للآخر من دون معرفة الأسباب الحقيقيّة لذلك. ولكن ممّا لا شكّ فيه فإنّ الذي ساهم في انتشارها الترويجُ والدعايةُ وربط صورة الآخر بالأفضل والأكثر تقدُّماً وتطوُّراً، متناسين أنّ الموضة تحكي عن نوع الثقافة والقيم التي نحملها. لذلك، عندما يُروِّج الآخر لأشكال الموضة المنتشرة لديه، فهو بشكلٍ أدقّ يروِّج للقيم التي يعتقد بها ويمارسها، وهذا هو الخطر المحدق بالمسلم صاحب القيم والسلوكيّات الناشئة والنابعة من معارف الدين. طبعاً، تغزو مجتمعاتنا أشكال من الموضة، تبدأ من اللّباس والمظهر وتسريحة الشعر والأوشام، ولا تنتهي بالعبارات والكلمات والسلوكيّات التي تحكي عن الآخر، وليس عن المجتمع المتديِّن.

وقد ساهم انتشار الموضة في رواج ثقافة التجميل والتزيين، والتي يُراد بها في أغلب الأحيان القضاء على قيم الحياء، وإخراج الأفراد -وخصوصاً المرأة- من دائرة قيمها الدينيّة الأصيلة إلى دائرة الجمال الذي يروق للآخر... ومن هنا، يمكن الحديث عن شكلٍ من أشكال السيطرة على اللاوعي وتشكيل الهويّة الثقافيّة.

* في المعالجة
1- الحفاظ على الثقافة المحليّة الأصيلة:
يؤكّد الإمام الخامنئيّ دام ظله على التحوّل الذي يُحدِثه تقليد الغرب في نمط حياة الشعوب الأخرى، قائلاً: "إنّ تقليد الغرب بالنسبة إلى الدول التي استحسنت هذا التقليد لنفسها وعملت به، لم يَعُد عليها إلّا بالضرر والفاجعة، بما في ذلك الدول التي وصلت -بحسب الظاهر- إلى الصناعات والاختراعات والثروة، لكنّها كانت مقلّدة. والسبب هو أنّ ثقافة الغرب هي ثقافة هجوميّة. هذه الثقافة هي ثقافةٌ لإبادة الثقافات. فأينما جاء الغربيّون أبادوا الثقافات المحلّيّة، واجتثّوا الأسس الاجتماعيّة، وغيّروا تاريخ الشعوب ولغاتها وحروفها (خطوطها) ما استطاعوا"(4).

2- ثورة النخب والمؤسّسات الثقافيّة:

وحول ضرورة تحمُّل المسؤوليّة تجاه ذلك قال الإمام الخامنئيّ دام ظله : "وبعد كشف العلل والأسباب ننهض لتناول كيفيّة معالجة هذه الأمور. فعلى من تقع هذه المهامّ؟ إنّها تقع على عاتق النخب الفكريّة والسياسيّة، وعلى عاتقكم وعلى عاتق الشباب. النخب مسؤولون، وكذلك الحوزة والجامعة والوسائل الإعلاميّة، والمنابر المختلفة ومديرو الكثير من الأجهزة، وخصوصاً الأجهزة العاملة في المجال الثقافيّ والتربية والتعليم، وأولئك الذين يخطّطون للجامعات أو المدارس في المجال التعليميّ، والذين يحدّدون المناهج التعليميّة ومخططات الكتب الدراسيّة. يجب علينا أن نستنفر جميعاً ونعلي الصوت"(5).


1- انظر على سبيل المثال كتاب: "الإعلام الأمريكي بعد العراق: حرب القوة الناعمة"، للكاتب نيثان غردلز.
2- انظر: الإمبراطوريّة الأمريكيّة وترسانة الترفيه؛ القوة الناعمة والتسليح الثقافي.
3- الترفيـــــه السياســــي أداة المخابرات الأمريكيّة للتلاعب بعقول الشعوب، موقع الدستور، 27/3/2017م.
4- من كلام الإمام الخامنئي دام ظله في تاريخ 14/10/2012م.
5- (م.ن).(م.ن)، ص370.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع