رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

هكذا هو جهادنا


الشيخ حسن الهادي(*)


كثيرة هي الشبهات والافتراءات التي أُثيرت على الدين الإسلامي كدين، وعلى مكوّناته، منها الجهاد كتشريع إسلاميّ ووظيفة أُلقيت على عاتق المسلمين في ظروف معيّنة. ومن أبرز ما يُثار، أنّ الإسلام بتشريعه للجهاد والقتال إنّما يشرّع العنف والإرهاب، وقتل الأبرياء، والاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم... وهو ما يتطلّب التوقّف عند هذا التشريع، ولا سيّما في ما يتعلّق بفلسفته وأهدافه وتربية المسلمين على الالتزام بحدوده وشروطه وآدابه. ولدحض هذه الشبهات والافتراءات، وبيان زيفها، كان هذا المقال.

* فلسفة تشريع الجهاد
الجهاد هو "بذل النفس وما يتوقّف عليه من المال في محاربة المشركين أو الباغين على وجه مخصوص، أو بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان"(1).

ومن أول الأسئلة عن الجهاد: ما هدفُ تشريعه؟ وهل يسعى الإسلام إلى فتح البلدان والسيطرة عليها، أو قتل الأبرياء ومعاقبتهم؟ وهل أهدافه ماديّة؟

والجواب: إنّ تشريع الجهاد ينسجم مع أمر فطريّ مغروس ومتجذّر في طبيعة المخلوقات الحيّة كلّها؛ وهو حقّ الدفاع. فكلّ حيٍّ يرى في الدفاع عن نفسه أمام العدوّ حقّاً طبيعيّاً له. وخالق العالم قد أودع في جميع المخلوقات وسائل للدفاع عن أنفسها وممتلكاتها ومَواطنها. وفي الإنسان، كان الجهاد. وعن هدفه يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 193)، ويقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39). نجد أنّ الله قد بيَّن هدفين أساسيّين للجهاد، هما:
الأول: محاربة الفتنة: أي محاربة الشرك واتّخاذ الأصنام، حيث تضع الآية الأولى أمداً للقتال هو الانتهاء عن الفتنة والإيمان بالله.

الثاني: محاربة الظلم: يقع الظلم، في مجاوزة الحق، وفيما يقلّ عنه أيضاً(2).

وتشهد دراسة التاريخ البشري بأنّ كلّ إنسان يُدرك بنفسه قُبح الظلم وحُسن العدل، وحُسن معونةِ المظلومين ونصرتهم، وقُبح إعانة الظالمين.

وبالنتيجة، من أجل رفع الظلم، بل ومنعه عن الناس والمجتمعات، شرّع الله الحرب والجهاد لدفع ظلم الظالمين، واعتبره تكليفاً إلزاميّاً للإنسان، وأيّد المجاهدين، وبعث في نفوسهم الأمل، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).

* الجهاد لمواجهة الطغاة والظالمين
لقد أمرنا الله تعالى بمحاربة مختلف أنواع البغي والظلم عن الناس؛ ليعيش الناس بأمان وكرامة وسلام وطمأنينة، ولا فرق في مصاديق الظلم بين:

1- حاكم منحرف يمارس الطغيان والظلم في الأرض: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (التوبة: 12).

2- دولة مستكبرة تحتلّ الأرض وتظلم المستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (النساء: 75).

3- عصابة مسلّحة تقطع الطرقات لتقتل وتروّع الآمنين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).

4- قوم عاهدوا المسلمين ثمّ نكثوا عهدهم واعتدوا عليهم: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 13). ولهذا السبب، حارب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اليهود وطردهم من المدينة، فهم قد نقضوا الوثيقة وتآمروا على المسلمين.

* الدفاع عن النفس: حقّ مشروع
من حقّ كلّ نفس بشريّة أن تدافع عن كلّ ما يهدّد وجودها، بلا فرق بين المال والعرض والأرض والكرامة والوطن. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190). وهذا ما يفسّر وجهة معارك صدر الإسلام بحسب ما يوضح الشهيد مرتضى مطّهري قدس سره بقوله: "إنّ كثيراً من المعارك التي وقعت في صدر الإسلام، كان المسلمون فيها يقولون إنّنا لا نبغي قتال الناس"، بل نحن نقاتل الحكومات لأجل إخراج الناس من ذلّ الحكومات ومن عبوديّتهم"(3).

ويوضّح الإمام الخامنئي دام ظله الهدف من الدفاع بقوله: "إنّ الحكومة الإسلاميّة تحارب لأجل الدفاع عن بيضة الإسلام وحاكميّة القرآن. فلو أراد الأعداء أن يعتدوا على هذه الحكومة الإسلاميّة (...)، وأن يسبّبوا ذبول هذه الوردة التي قد رُويت بدماء الشهداء، فإنّ يد الحكومة الإسلامية القديرة سوف تقطع اليد المغيرة عليها"(4).

وكذلك، يحوز هذا الحقّ قبولَ العالم، بحيث لو أنّ حريّة فئة من البشر تعرّضت للسلب أو الانتهاك، فإنّ شعوباً كثيرة تسارع إلى حمايتها.

* الجهاد: آخر إجراءات الدفاع
يشير المرحوم كاشف الغطاء إلى أنّ الوسائل التي قد استخدمها الإسلام لإصلاح المجتمع، تنحصر في أنواع ثلاثة:
1- الدعوة والإرشاد.
2- المقاومة المسالمة والسلبيّة.
3- القيام المسلّح والحرب.

وبقدر ما وجد إلى ذلك سبيلاً، سعى الإسلام للاستفادة من الطريقين الأوّلين؛ لتجنّب اللجوء إلى الطريق الثالث. فالإسلامُ لا يقاتل عِبْطة واختياراً، وإنّما يحرجُهُ الأعداء، فيلتجئُ إليه اضطراراً، ولا يأخذ منه إلّا بالوسائل الشريفة، فيُحرّم في الحرب والسلم، التخريبَ والإحراق، ودسَّ السُّمّ وقطع الماء عن الأعداء، كما يُحرّم قتل النساء والأطفال، وقتل الأسرى، ويوصي بالرفق بهم والإحسان إليهم، مهما كنّوا العداء والبغضاء للمسلمين(5).

* الجهاد الابتدائيّ: ليس عدواناً
الجهاد الابتدائيّ هو الجهاد الذي يبادر فيه المسلمون لقتال الكفّار بهدف إزالة الموانع أمام انتشار الدعوة، أو لأجل نجاة المظلومين، كما يُبيّن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123).

ويبيّن الإمام الخميني قدس سره هدف الجهاد الابتدائيّ بقوله: "إنّ الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا يقاتلون أعداء التوحيد لم يكن مقصدهم أن يزيلوا الطرف المقابل من الوجود. لقد كان مقصدهم هو أن ينشروا التوحيد ودين الحقّ في العالم، وأولئك كانوا مانعاً أمام ذلك، وكان لا بدّ من إزالة هذا المانع والوصول إلى الهدف"(6).

ويضيف دام ظله أهدافاً أخرى للجهاد الابتدائيّ، حيث يقول: "إنّ حرب الحكومة الإسلامية ليست حرباً لأجل التوسّع، بل لأجل أن يُضيء ويُشعَّ الإسلام وأحكام القرآن على جميع الشعوب المستضعفة، كشمسٍ ينتشر نورها ويسطع في كلّ مكان..."(7).

* من أخلاق الحرب في الإسلام
كثيرة هي الأحكام الأخلاقيّة التي سنّها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الإسلام، وأكّد تربية جيوش المسلمين عليها، بمعزل عن طبيعة الحرب التي يخوضونها، أو العدوّ الذي يقاتلونه، كونها تعبّر عن الجانب الإنسانيّ والأخلاقيّ للإسلام في الحرب، وهي توضح الهوية الحقيقيّة للجيش الإسلاميّ، وتدفع الكثير من الشبهات التي أثيرت حول الجهادِ والقتال في الإسلام، حيث يفرض في جهاده ضوابط وحدوداً وقيماً، من قبيل:

1- القتال دون الاعتداء: قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190). وقد أشار آخر الآية بنحو مطلق إلى لزوم الامتناع عن كلّ اعتداء: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾.

2- النهي عن إلقاء السمّ في الماء والغذاء أو بين المزروعات: عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين عليه السلام: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُلقى السُمُّ في بلاد المشركين"(8).

3- التعامل مع الأسرى: لا يجوز قتل الأشخاص الذين يسقطونَ في الأسر بعد هزيمة العدوّ. وقائد المسلمين مخيَّرٌ بينَ أن يُطلقهم دونَ مقابل أو لقاءَ فدية يدفعونها أو أن يأخذهم أرقّاء(9). واللافت هو كيفية التعامل مع الأسرى، فإلى أيّ فئة انتموا، ينبغي التعامل معهم بإنسانيّة، والابتعاد عن أذيّتهم والإضرار بهم، وإعطاؤهم الماء والطعام. بل كان مسلمو صدر الإسلام يؤثرون الأسرى بطعامهم، ويقدّمونهم على أنفسهم(10).

4- الإجارة واللّجوء: هدف الإسلام هو إيصال نداء الفطرة إلى الناس. ودعوة العدوّ إلى الإسلام قبل بدء القتال تصبُّ في هذا الطريق، بل لو أنّ شخصاً ادّعى بعد القتال أنّه لم يسمع كلام الله، ثمّ طلب مهلة وأماناً، فمن الواجب على المسلمين أن يجيروه ويعرضوا عليه أصول الدعوة الإسلامية، ومن ثمَّ أن يعيدوه إلى مكانه سالماً آمناً، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 6).

وبالنتيجة، إنّ الجهاد تشريعٌ متكاملٌ في منظومة الإسلام، يحمل أهدافاً وقيماً للإنسانيّة جمعاء.


(*) أستاذ في جامعة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم العالميّة - فرع لبنان.
1- جواهر الكلام، الجواهري، ج 21، ص 3.
2- مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 537.
3- كتاب الجهاد، الشهيد مطهّري، ص 28-29.
4- من إحدى خطب سماحة القائد في صلاة الجمعة، والتي جمعت في كتاب "در مكتبِ جمعه"، ص 355-356، منشورات مطبعة وزارة الإرشاد الإسلامي.
5- تفسير الميزان، الطباطبائي، ج 4، ص 164.
6- صحيفة نور، الإمام الخميني قدس سره، ج 7، ص 44-45.
7- من إحدى خطب سماحة القائد في صلاة الجمعة، (م.س).
8- (م.ن)، ص62.
9- يُراجع: جواهر الكلام، (م.س)، ج 21، ص 126.
10- يُراجع: الكامل، ابن الأثير، ج 2، ص 131.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع