نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ


إيمان علويّة


أيحيط غارقٌ في عالم الحروف الماديّة المرتهنة لمفردات المعاجم اللغويّة بمَن كانت حروفهم من نور، بمَن كان مدادهم الذي تركوه انعكاساً لحقيقةِ ما أدركوه، وتاه عنّا نحن الغافلين؟ هم الشهداء، وصاياهم ترجمان للغة دمائهم، أرادوا من خلالها أن يصلونا بالحبل المتين. سنقف ببابهم، نقتبس من حروفهم بعضاً من نور، علّه يصيبنا بعضٌ ممّا عُلِّموا رشداً، ولنتعرّف على أثر المرحلة الزمنيّة في بعض تلك الحروف.


* كلٌّ ابن بيئته
وصايا الشهداء العظام كانت رديفة المراحل التي مرّت بها مسيرة المقاومة الإسلاميّة منذ بداية انطلاقتها وحتّى اليوم، فخاطبت بمضمونها احتياجات كلّ مرحلة وضروراتها على المستويات كافّة؛ إذ إنّ الشهيد كان ابن بيئته التي انطلق منها، ابن زمانه ومكانه، حتّى استطاع تأدية تكليفه.
إذا عدنا إلى مرحلة الثمانينيّات حيث البداية، فقد احتاجت هذه المرحلة إلى تضحيّاتٍ كبيرة، لا تقتصر على الفعل الجهاديّ فحسب، بل إنّ هناك دعائم يجب أن يقوم عليها هذا الجسم المقاوم، ويجب أن تثبت:

* الوصيّة: الجهاد عقيدة
إنّ الظروف السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي سبقت أو رافقت مرحلة بداية التأسيس كانت بمعظمها تشكّل عاملاً غير مؤيّد للشهيد، فقد بُنيت على بيئة الخوف تحت شعار: "العين لا تقاوم المخرز"، أو كره القتال تحت شعار: "قاتل الله الأحزاب". فقد كان الشهيد غريباً في بيئته ووسط أهله أحياناً، فأتت هذه الوصايا لتثبت في خطابها البُعد الإسلاميّ الذي انطلق منه البطل المقاوم، الذي يرتبط بمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبالإمام الحسين عليه السلام خاصّةً.
كانوا ينظرون إلى أنفسهم منذ البداية على أنّهم حلقة لسلسلة مترابطة تؤدّي إلى النصر، الذي لم يكن أُفُقه جليّاً آنذاك، لكنّهم أدّوا تكليفهم الذي عرفوه حقّ المعرفة، فجاءت الوصيّة "المُعادلة": "دم الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله، فإنّه ينمو ويكبر"، التي أطلقها شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب (رضوان الله عليه)، وخرقت مسامع الدهر، ولا زالت تؤتي أُكلها كلّ حين، ولا زال الشهداء يفتتحون في كلّ وصاياهم عبارات الالتزام بالخطّ الجهاديّ إيماناً بالله ورسالاته. ومن جهة أخرى، احتاج هذا المبدأ بدايةً إلى مقوّمات عديدة حتّى تصمد هذه المقاومة؛ ما تطلّب تضحياتٍ عديدة، تمثّلت غالباً في البقاء الدائم في ساحات الجهاد. هذا ما انعكس على لغة وصايا العديد منهم، حيث بدت عميقةً في مضمونها، ولكنّها غير متقنةً في مفرداتها اللغويّة.

* إنّها البصيرة...
تكاد تتكرّر العبارات المتشابهة التي يؤكّدونها في وصاياهم، كلٌّ منهم بتعبيره الخاصّ، فيخاطب الشهيد الأهل والرفاق والأحبّة بحديث موعظة، أو همسات قلب، مركّزاً على وجوب المحافظة على الصلاة وأداء الواجبات، وعلى بعض القيم الأخلاقيّة التي كان يلاحظ أنّ بيئته يجب أن تحافظ عليها، كمسألة الحجاب؛ لأنّه يرى أنّ المرأة تصون مجتمعاً بأكمله بحجابها، كما يصون الحدود بدمه، وما إلى ذلك من القيم والمبادئ التي تشكّل منظومةَ المنهج الإسلاميّ الصحيح. لكن هناك أيضاً قضايا مهمّة تخلّلت وصاياهم منذ البداية، واستمرّت بشكل تصاعديّ حتى يومنا هذا، وهي مسألة الولاية للقيادة، وأهميّة التمسّك بها؛ لأنّها ارتباط حقيقيّ بالدين المحمّديّ الأصيل: "... وليُكتب على ضريحي بالفارسيّة والعربيّة: هذا قبر أنيس جابر اللبنانيّ، الذي عشق الإمام الخمينيّ قدس سره حتّى الهيم، وكان يبكي عندما يذكر اسمه، وأدّى به هذا الحُبّ إلى القتل...".
هذا المقطع من وصيّة الشهيد أنيس جابر(1)، الشهيد الذي لم يكن عشقهُ للإمام الخمينيّ قدس سره عشقاً أعمى، بل أدرك حقيقة وعمق ما اختزنته شخصيّة الإمام قدس سره من فكرٍ وسلوكٍ مستمدٍّ من نهج أهل البيت عليهم السلام. ولا تكاد تخلو وصيّة من التأكيد على الولاية للقائد، حتى يومنا، حيث يتمّ تجديد البيعة للإمام السيّد عليّ الخامنئيّ دام ظله.

* وصايا الاستشهاديين
وصارت المقاومة فتيّة، وبدأ عودها يشتدّ ويصلب، وتعدّدت الوسائل لخنقها، بل وأدها، وكان لا بدّ من معادلة قديمة جديدة، يكون فيها البقاء بالفناء، لغة العمليّات الاستشهاديّة؛ لتعيد بوصلة القتال نحو عمق الكيان الصهيونيّ، ولتحرير فلسطين المحتلّة.
وكانت الوصيّة مُحكمةً كما فعل صاحبها:
"... أنا العبد الفقير إلى ربّي أهدي هذه العمليّة الاستشهاديّة -وإن شاء الله أكون مع الشهداء- في ذكرى ولادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، للانتفاضة الإسلاميّة في فلسطين، الذين صنعوا العزّة والكرامة للشعب المسلم في فلسطين، ولكلّ المستضعفين في العالم. يجب أن لا تُرهبكم أمريكا وإسرائيل من الموت، فأنتم عشّاق الشهادة".
وكان الردّ على عمليّة الشهيد عبد الله محمود عطوي آنذاك على لسان رئيس أركان العدوّ "دان شمرون": "إنّها ضربة قاسية ومؤلمة لإسرائيل، ولقد دفعنا ثمناً باهظاً ومؤلماً".
ومثل الشهيد عطوي، تأتي وصيّة الشهيد أسعد برّو: "... نحن كأمّة حزب الله في لبنان، نرى لزاماً علينا أن نكون من البادئين الأوائل في تقديم الهدايا، وأول هدية سنقدّمها هي العملية التي ستقوم بها المقاومة الإسلاميّة ضدّ الغدّة السرطانيّة، إسرائيل... حافظوا على استمراريّة المقاومة الإسلاميّة في جهادها ضدّ إسرائيل واصبروا في تلك التلال والثغور التي حملت دماء الشهداء، وارتوت بريّها".

* الوصيّة الأساس
وكان لا بدّ من الحفاظ على المرحلة التأسيسيّة التي قطعتها المقاومة طيلة عشر سنوات، فجاءت وصيّة حاسمة، قاطعة بمستوى المرحلة على لسان سيّد الشهداء السيّد عبّاس الموسويّ (رضوان الله عليه): "الوصيّة الأساس حفظ المقاومة الإسلاميّة".
واستمرّت الوصايا دساتير تشدّد على عدم خذلان حسين العصر، ومحاربة يزيده المتمثّل بأمريكا وإسرائيل، وألّا يستوحش أهل الحقّ طريقهم لقلّة سالكيه؛ حتّى يحقّقوا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة:
"سيّدي أبا عبد الله، علّمتنا كيف ينتصر الحقّ على الباطل، علمّتنا الثورة والإسلام، علّمتنا التضحية والفناء في سبيل الله...
أوصي كلّ أمٍّ مرضعةٍ، أن ترضع طفلها الحقد على إسرائيل، وتربّيه على حبّ الإسلام...
أوصي كلّ أبٍ شريفٍ، أن يشجّع ولده على قتال إسرائيل وينمّي له شجاعته وعنفوانه...
أوصي كلّ مدرّس أن يعلّم تلاميذه خطورة المشروع الصهيوني، ويبيّن لهم أطماعهم الاستعماريّة...
أوصي كلّ مجاهد وثائر أن لا يتراجع عن نهجه ومبدئه، وأن يقاتل إسرائيل حتى تكون له إحدى الحسنيين: إمّا الشهادة أو النصر..." (الشهيد حسين مهدي محمد علي)(2).

* وصايا اليوم: دمعة وبسمة.. وقوّة
تطوّرت صيغة الوصيّة لدى الشهداء، وإن لم تتغيّر في مضمونها، بل اختلفت بعض المفردات؛ تبعاً لغيُّر البيئة والظروف وساحة المواجهة.
مَنْ منّا لم تأسره وصاياهم وهم يتلونها أمام عدسة الكاميرا؟ ومَن منّا لم يرقّ قلبه مع عباراتهم المفعمة رقّةً وحبّاً حين ظنّوا أنّ عدسة الكاميرا متوقّفة عن التسجيل؟
وتأتي معركة الدفاع عن المقدّسات، لتحمل معها وصايا بخطاب البلاغة والبراءة في آنٍ واحد، العفوية الممزوجة بفهم الواقع، وحديث بلغة القلب، نطق مهدي ياغي بلسان مجتمعٍ كامل، هو بشر خطّاءٌ كباقي البشر في زمنٍ لا يعترف الواحد منّا فيه بأخطائه، هو يتمنّى معانقة أمّه وتقبيلها، ولكنّه لا يُعبّر، فقد رُبّي على "الشحار والتعتير"، اختصر بيئة كاملة ببضعة حروف، هو لا يقاوم من أجل الفوز بالحور العين، وتلك عبادة الأحرار.
وهذا السيّد مالك أو الشهيد محمّد مهدي مرتضى يكتب بروح المسلّم لأمر الله والعارف بموقعه وموقفه، فيخاطب ملك الموت:
"السلام عليك يا منفّذ أمر الله عزّ وجلّ، أيها العزيز قد صحبتك منذ زمن، وأنا لم أخَف منك يوماً؛ لأنّه لا يخاف منك إلّا من يموت حتف أنفه، أمّا من أيقن بالشهادة فيعرف أنّه وكما قال المعصوم حين سُئل عن الشهيد: أيُفتن عند موته؟ فقال: كفى ببارقة السيف فوق رأسه فتنة. لذا، أقسم عليك بمن استأذنته قبل قبض روحه -رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم - أن تشعرني باقترابك، لا لأوصي بشيء من الدنيا، أو لأودّع أحداً، بل أمهلني لأسلّم على الحسين عليه السلام. وأقسم عليك أن لا تبدأ بقبض روحي من لساني، بل اجعله آخر ما ينطفئ منّي، ودعني حتى آخر لحظة أقول: يا عليّ".

وصايا شهداء الدفاع المقدّس أكّدت مجدّداً ربط الماضي بالحاضر، وأعادت التأكيد على أهميّة الجهاد؛ انطلاقاً من خلفيّة عقائديّة، وتمسّك بمنهج أهل البيت عليهم السلام، فكانت عبارة "لبّيكِ يا زينب" في كلّ بقعة وساحة قتال.
ولو أدركنا أنّهم أولياء الله قبل أن يعرجوا، للازمناهم وسجّلنا كلّ حروفهم التي ما نطقت عن الهوى.


1- الشهيد أنيس جابر استشهد عام 1982م.
2- الشهيد حسين مهدي محمد علي استشهد عام 1982م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع