قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

مناسبة: "حيدر": فاتح العهد بـ"خيبر"


هيئة التحرير

"لم نلحظ أيّ تغيير عليه في صبيحة ذلك اليوم. لم تشِ ملامحه بشيء، ولم تتغيّر نظرة عينيه، كانت ثابتة قويّة كالعادة، ولم يتغيّر أيّ شيء في سلوكه، لم يصدر أيّ تلميح، سوى توديعه لأخيه الصغير ذي السنوات الثلاث (الشهيد ربيع). قلّب يديه وقدميه، أخذ يقبّلهما كأنّما يطفئ لهيب شوقٍ سيأتي". كان هذا آخر لقاء لعائلة فاتح عهد الاستشهاديين "حيدر" معه قبل أيّام قليلة من استشهاده. ربّما لم تُحلّ شيفرة هذا الشوق بين شهيد 1982م وأخيه الصغير، حتّى تموز 2006م، حين استشهد أيضاً، كأنّما هو عهدٌ من أخ إلى آخر، لتحقيق وعدٍ ما.
مناسبة

عن أحمد قصير، الفتى الكبير، الذي لم يُعلن شيءٌ من مشاركاته الجهاديّة، سوى عمليّة "خيبر"، التي تمرّدت طبيعتها النوعية على طبيعته السريّة؛ ليفتتح بها عهداً كان لله، أجرت مجلة بقيّة الله هذا التحقيق في أوراقه وذكريات أهله.


* يوم الشهيد يُصدر نموذجاً
"تزفّ المقاومة الإسلامية إلى الأمّة العربية والإسلامية الفتى الاستشهادي أحمد قصير (حيدر) الذي نفّذ عملية خيبر، مُعاهِدةً دماء الشهداء المضيئة ليل جبل عامل على استمرار المسيرة حتّى انتصار المستضعفين"(١). كانت كلمات ذلك البيان كفيلة بإخراج اسم أحمد قصير (حيدر) من صمت السنوات الثلاث إلى العلن، في احتفال أقامته المقاومة الإسلامية في حسينية دير قانون النهر الجنوبية، في تاريخ 19-5-1985م؛ لتعلنه يوم شهيد حزب الله. أمّا عن سبب اختيار هذه العملية لذلك، فقد وضّح سماحة الأمين العام في مناسبات عدّة أنّها أول عملية نوعيّة في لبنان ضد "العدوّ الإسرائيلي" أولاً، وثانياً أنّها أكبر عملية كبّدت "العدوّ الإسرائيلي" خسائر فادحة، وثالثاً؛ أنّها أول عمليّة تُعجز الإسرائيلي بسلاح ماضٍ لا يُقهر، وهو (الاستشهادي)، أمّا رابعاً ليتكرّر وجه أحمد قصير، ذاك الفتى الذي يحمل روحيّة القضية بحجم يتخطّى سني العمر المحدودة، أمام العدّو في كلّ مواجهة وعمليّة للمقاومة، ليذكّره بخسائره ونكبته وفشله وعجزه، فكان عنواناً ليوم الشهيد(2).

* أحمد: صاحب فطرة قويّة
"كان الشهيد أحمد يتمتّع بإيمانٍ فطري، فلو أردنا الحديث عن نشأته، في الفترة التي كان الأهل فيها في ليبيا، فقد كانت النشأة تقليديّة. عاش أحمد كابن لهذه البيئة، وحمل في قلبه يقيناً فطريّاً. وبالنسبة إلى صفاته العامة: برزت لديه الشدّة في الدفاع عن المعتقد وعدم المداهنة، والبذل. ومقارنة بمشهد آخر، كان أحمد حنوناً مطيعاً خدوماً لوالدته، يلبي طلباتها في ما تريد القيام به، ويخفّف عنها الأعباء". هكذا بادر أحد إخوة الشهيد ليشرح بدايات الشهيد ووعيه، وتابع: "أمّا كيفيّة تكوّن شخصيّة الشهيد بما يختص الجانب الإيمانيّ والجهادي، فعندما عاد الشهيد أحمد من ليبيا نهائيّاً إلى لبنان عام 1979م، كان يبلغ أربعة عشر عاماً تقريباً، كان الحدث البارز هو قضية خطف السيد موسى الصدر (أعاده الله ورفيقَيه سالمين)، فتأثّر بفكره كثيراً، وأخذ يتردّد على اتّحاد الطلبة في الغبيري في بيروت. لكن شخصية الشهيد أحمد الإيمانية تكوّنت من خلال إيمانه الفطري، الذي دفعه إلى العمل على نفسه وتطويرها دينياً، ثمّ جاءت الثورة الإسلامية في إيران. كان تعلّقه بالإمام الخميني قدس سره غير عاديّ، كأنّما كان يحمل بفطرته السليمة عطشاً، رواه الإمام الخميني قدس سره فقط".

* وعيه الجهادي باكراً
تتوسط لوحة شهداء آل قصير الثلاثة الحائط؛ لترسّخ أكثر فكرة العهد الذي يخرج من البيوت ليشكّل حالة مقاومة عامّة. بعد الشهيد أحمد باتت فكرة العمل الاستشهاديّ مألوفة، بخلاف ما قبله، فكيف نمت في قلب هذا الفتى ولم يعهدها سابقاً؟! "تبرز هنا للإمام الخميني قدس سره علاقة وثيقة بالوعي الجهاديّ للشهيد أحمد، فتأثّره بالثورة ولّد لديه اندفاعاً وتوجهاً خاصّاً لمفهوم الإسلام المتحرّك العمليّ. ثانياً، ارتباطه بشابّين (الشهيد رضا حريري وصديق آخر) يحملان همّ الجهاد والثورة. ثالثاً والأهم، المسجد، الذي يحتلّ حيّزاً خاصّاً في حياة الشهيد أحمد، من جهة حضوره والمواظبة على الصلاة فيه، حتى الأنس فيه وتلاوة القرآن ولقاء المجاهدين". يتابع أحد الإخوة: "نتيجة لعدم تأسيسه لعمل في لبنان، كان خياره السفر إلى السعودية. وعند اجتياح العدو الصهيوني، أصرّ على أن يعود إلى لبنان. وهنا دخلنا في المرحلة العملية الجهادية في حياة الشهيد، بسبب تردّده على اتحاد الطلبة، حيث تعرّف على الشهيد عبد المنعم قصير، ومن ثمّ الحاج عماد، ما أدّى إلى انضمامه إلى العمل الجهادي".

* اليافطات الإسرائيليّة
يجمع كثيرون ممن عرفوه أنّه كان سريع الدمعة، لكنه كان متشبّثاً مدافعاً عمّا كان يعتقده صحيحاً، مهما كانت النتائج. "كان صلباً، منظّم الفكر، يردّد: إذا أردتُ أن أعتقد بشيء ما عليّ إلّا أن أعرفه، وإذا عرفته عليّ أن أحصل عليه بشكل صحيح. وهذا ما كان يساعده". ينقل والده، والبسمة تخالطها الدمعة على وجهه: "منذ أن دخل الصهاينة البلدة ووضعوا فيها شعاراتهم وأعلامهم ويافطاتهم على الطرقات، كان الشهيد يزيلها ويكسرها ويرميها بعيداً، حتّى إنّه راق له أحياناً أن يبدّل مكان اليافطات "الإسرائيلية"، ليتيه الصهاينة، ويسهل على المقاومين استهدافهم". وكان يرفض بيع الصهاينة، فكلّما حضروا إلى دكانه، سارع إلى إغلاق الباب، قائلاً: "لا نبيع الإسرائيليين". وقد عاشت والدة أحمد ثلاث سنوات وهي تعتقد أن ابنها مفقود أو مسجون؛ لحماية العائلة من بطش "العدوّ الإسرائيلي"، فكانت تُرسل له الطعام والأغراض دون أن تراه أو تعرف عنه أيّ شيء.

* العملية الاستشهادية الأولى
يقول مصدر مقرّب من العائلة: "فكرة العملية النوعية طرحها الحاج عماد رحمه الله بشكلٍ أساس، فيما تطوّر الطرح إلى عملية استشهاديّة لاحقاً، بالاستناد إلى استفتاء الإمام الخميني قدس سره، بأنّه يجب قتال "إسرائيل" بدلاً من يجوز؛ أي أنّه أعطى التكليف بالقتال. كان المطلوب من مجموعة الشهيد مهمة الاستطلاع فقط. لم يكن التنفيذ محصوراً بأحمد، لكنّه أصرّ على القيام بالعملية؛ نتيجة وعيه لأمر لم يكن مألوفاً سابقاً، لذلك كان الشهيد فاتح العهد بذلك".
كان من المقرّر القيام بالعملية الاستشهادية في يوم 9 وليس ،11 ولكن الاستخارة لم تكن جيدة إلّا ليوم 11، فاعتقد الشباب -كما روى والد الحاج عماد- أن أحمد كان متردّداً في القيام بالعملية، لكنّه نفى وأكّد أن استخارته تتعلّق بالتوقيت فقط. وفي ليلة 11، هطلت أمطار غزيرة، دفعت "العدوّ الإسرائيليّ" إلى نقل المظليين من الباحة المنخفضة إلى مبنى عزمي. ودوى الانفجار الساعة 7 و10 دقائق صباحاً. ولم تعترف لجنة كاهان بأنه عمل استشهاديّ، لكنّها اعترفت بخسارة 74 من الجنود، بينما سجّل الصليب الأحمر 151.

* لو بقي حيّاً
يتابع المصدر: "لا أتوقع إن بقي الشهيد حيّاً أن يعتمد في رزقه على وظيفة ما، فأحمد كان مبادراً للبذل، متعدّد المهن، كان يؤمن بالعمل الشريف مهما كان. هذا في الحياة العامة، أمّا العسكرية، فلو قيّضت له الحياة لما كان بارزاً، فهو بطبعه لا يُحب أن يُعلن عمله، فحتّى الآن لم تُعلن الأدوار التي قام بها؛ لأنّه كان مصرّاً على التكتّم. ففي تلك الفترة، كانت ثلاثة أشياء من الأمور المطلوبة: تكوين مجموعات، أو تأمين السلاح والذخائر، أو استطلاع الأهداف والقيام بالعمليات، وقد كانت مشاركته فيها جزئية، وصولاً إلى العمل الاستشهادي. لذلك لو لم يستشهد، ربّما لكان تفرّغ للعمل السريّ في تجهيز بنية المقاومة".

* وصية خاصّة
كان متديناً، تقول شقيقته الكبرى: "لقد عمل على إبراء ذمّته وقضائه للأمور العالقة، قبل العملية الاستشهادية بفترة طويلة". تُجمع العائلة أنّ للشهيد وصايا مفقودة، منها تسجيل صوتيّ يوصي فيه بالالتزام بخطّ المقاومة ونهج الإمام الخميني قدس سره، ووصية مكتوبة للأهل، وأخرى خاصّة بأحد إخوته، الذي قال: "فيها مقطعان لا أنساهما، الأول: أنّنا يجب أن نترفّع عن صغائر الأمور، وأن لا ننظر إلى الأمور بتفاصيلها الصغيرة، وبالتالي فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لكي يأخذ بالمشروع الكبير. والسبيل لذلك هو الترفّع عن الصغائر. والثاني: أخي، إن وجدت نفسك بلا أنيس ولا جليس، فعليك بالقرآن الكريم؛ لأنّه خير أنيس، فواظب على قراءته".
منذ 36 عاماً، ما زالت شعلة "حيدر" وعملية "خيبر" موعداً لكل صادق، ونموذجاً لتضحية تمتد لأجيال، والعهد مستمر.


(1) موقع العهد الإخباري، مقال: يوم شهيد حزب الله، 10-11-2001م.
(2) من كلمة له دام ظله بتاريخ: 11-11 - 2011م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع