قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

قصة: ملح الحياة


محمّد لمع

- اضربيه على فخذه. لماذا لا يصرخ؟ هل هو ميّت؟ لماذا لا تجيبين؟ هل هو ميّت؟
- اللهمّ صلِّ على النبيّ وآل بيت النبيّ. لا ليس ميّتاً، إنّه بكامل صحّته، لكنّي طوال عمري لم أرَ مولوداً مثله. لقد وُلِد على يديَّ كلّ الجيل السابق والحاليّ في عربصاليم. أوّل مرة في حياتي أشاهد مولوداً يخرج بعينين مفتوحتين ونظرةٍ ثابتةٍ، لكنّه يقطّب حاجبيه، كأنّه يفكّر في بأمرٍ كبير. هذا المولود لم يأتِ إلى الدنيا مسروراً، حماه الله لكِ يا أمّ محمّد، مصطفى هذا غيرُ كلّ إخوته التسعة، وُلِد وهَمُّ الدنيا فوق رأسه، أنفقي عنه وتصدّقي.

* * *

كانت الغرفةُ مظلمةً ولا نورَ فيها إلّا ما رشحَ من قنديلٍ صغيرٍ في كوّةٍ في الحائط، يحيط به السّواد من كلّ طرف، والجوّ بارداً في الخارج. فتشرين الثاني بكّر بنُذُرِ الشتاء ذاك العام. ها هي أوّل عاصفةٍ حقيقيّةٍ تهاجم البيت الفقير، وحبّاتُ البرَد لا تترك فسحةً إلّا وتضربها، والرّيح المجنونة تحمل الماء وتوزّعُه فوق الشّجر والأسطح وتنفذُ به من الشبابيك الخشبيّة، فتسيل أنهاراً على الحيطان الباردة.
وضعت أمّ محمّد المولودَ على صدرها. لمع البرق في الخارج، فرأت عينيه الزرقاوين وقد ركّزهما على عينيها، وراح يلاحقها بنظراتها كيفما تحرّكت. لقد كان نسخةً عنها، بعينيه الواسعتين البرّاقتين، وأنفِه الدقيق المفتوح، وفمه المنمنم، وحاجبيه المتصلين، وأذنيه الصغيرتين. لكنّ أكثر ما كان يشبهها به هو ذلك الحزن المقيمُ في صدرها، منذ كانت صبيّةً حتّى زواجها من "كامل أمين"، الفلاح الفقير، وإنجابها ثمانية صبيان وبنتاً واحدة. لقد كانت مستودعاً للأحزان وجبلاً من الهموم راح يكبر يوماً بعد يوم، وهذا الوليد الجديد النائم فوق صدرها الآن ينظر إليها بصمتٍ يشبه صمتها، كأنّه يقول لها: أنا الآتي من رحم الأحزان، أدركتُ كلّ ما بكِ قبل أن تحدّثيني، أنا العالِمُ بهمِّكِ جئت أشاركك إيّاه.
ومنذ أن وضعوه في حضنها، نشأت بين الأمّ وابنها علاقةٌ خاصّةٌ استمرّت حتّى شهادته ذات ليلةٍ عاصفةٍ مجنونة.

* * *

صباح اليوم التالي، كان "حسن" يطرق أبواب البيوت المجاورة في حارة البيدر، يوزّع كاساتِ الملحِ دفعاً للبلاء عن أخيه المولود. لم يكن في البيتِ أكثر من الملح ليوزَّع، فكَوْم اللحم والموارد القليلة جعلا خزائن المطبخِ فارغةً طوال العام، لكنّ كلام "الداية" بالأمسِ أقلق أمّ محمّد فأرسلت "حسن" ليوزّع الملح، آخر ما في البيت، متّكلةً على الله كالعادة ليرزقها وعائلتها، وهو الذي لم يخيّب ظنّها ولا مرّةً.

* * *

سبع سنواتٍ فقط، عاشها مصطفى الصغير في كنف الوالد، قبل أن تخطفه من بين أولاده قذيفةٌ وتخطف معها طفولتَه والحضنَ الذي يدفئه. صار الصبيّ الصغيرُ نادرَ الكلام معتصماً بالصمت، كثيراً ما ينزوي عند صخرةٍ، يجاورُ وردةً بيضاء، يحدّثها عن أبيه الذي رحل. لم يُشفَ أبداً من جرحِ اليتم والفقر. اشتعلت نيرانُ في صدره الصغير، راح يخمدها بالبكاء في البراري تارةً، وفي الرسم على ألواحٍ خشبيّةٍ تارةً أخرى، لكنه، وكما وُلد، لم يبكِ مرةً أمام الناس ولم يُسمع له صوت. كان غالباً ما يقلّد صيصان البيدر التي يراها في النهار، فيلوذُ برداء أمّه ليلاً ويتعلّقُ بذيل ثوبها أو يندسُّ تحته ينشد الأمان قبل الدفء. والأم الحزينة غير المعتادة على هذا النمط من العلاقة مع أبنائها الآخرين، نسجت معه علاقةً خاصةً فتكاملا واحتضن أحدُهما الآخر، هو أخذ منها حمايةَ ورعايةَ الأبِ ومظلّتَه، وهي عوّضت فيه حبّ الزوج والعاطفة التي فقدتها.

* * *

سارت الأيام على عجلٍ وفراخُ أمّ محمّدٍ غادروا العشّ فرخاً بعد آخر، لكنّ مصطفى أبى الرحيل. تزوّج مَن هم أكبر منه وعبدُ الله الصغير، آخر العنقود الذي وُلِد بعده بعام، تزوّج هو الآخر، لكنّ الولد الأشقر الصغير ذا العينين الزرقاوين والذي صار رجلاً، لم يغادر البيت. وانتهى الأمر فيه شريكاً لأمّه في غرفةٍ صغيرة، بعدما أخليا بيت العائلة ليتمّ زواج عبد الله فيه.
ثمّ جاء كانون الثاني من العام 1998م، وجنّت الطبيعة، فرَمَت أحمالها من ماءٍ وثلوج غطّت البلدات وجبل الرفيع. خرج مصطفى في مهمّةٍ روتينيّةٍ، يقاتل عدوّ الأرض والناس. وقف عند بوابة الدار، حدّق في عينيْ أمّه، تماماً كما فعل حين وَلدته. لم يُصدر صوتاً ولم يبكِ. من جديد تلاحمت النظرات وتطابقت الأعين الزرقاء. وكما كان لقاءُ الولادة صامتاً، كان الوداع الأخير. تحرّك مصطفى بعيداً، استدارت الأمّ فهي معتادةٌ على مواقف مثل هذه، غير أنّ التفاتةً صغيرةً منه جعلت قلبها يقفز من مكانه، قطّبت حاجبيها، وتمتمت كلماتٍ قليلةً، لم يفهمها إلّا أهل السماء من ملائكةٍ كانت تنزّلت تحضيراً لهذا الخطب. لمعت السماء ببرقٍ أنار الوجوه، فكان آخر ما رأت، وجهَهُ الأبيضَ وتقاسيمَه القاسيةَ وحاجبين مقطّبين، وعينين زرقاوين مركّزتين على عينيها. لقد كان صورةً رجوليةً عنها. تخاطبت روحاهما بصمتٍ، ثم مضى...

وفي الصباح، وقبل أن توزّع الملح، جاءها الناعون.
لامت "حسن" على تأخّره، لم تنفق لأجل "مصطفى" ما يحميه، لقد نسيت وصيّة "الداية".
قالوا لها: لقد رأينا الكثير من الشهداء، لكنّا ما رأينا قَطّ شهيداً يسقط دون صراخ، لقد كانت عيناه مفتوحتين، ثابتتين على أمرٍ ما يراه أمامه. وبعكس ما وُلد، غادر الدنيا مسروراً.
لقد انزاح الهمّ عن رأسه.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع