نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

احذر عدوك: آثار كتمان السرّ




لكل موجود آثار تنبع منه وتتناسب معه. وعلى هذا القانون تجري أعمال الإنسان؛ فتترتّب عليها الآثار سلباً أو إيجاباً بحسب حقيقة العمل، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ. وبما أنّ موضوعنا عن كتمان السرّ وإفشائه، فلا شكّ في أنّ لهما آثاراً عدّة، نستحدث عنها في هذا المقال.

* أوّلاً: آثار كتمان السرّ

1- الإيمان: تتأثّر النفس بأعمال الإنسان وتؤثّر فيها، فإذا عمل المرء عملاً حسناً، استنارت نفسه وتكاملت وازدادت هدى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69). وإذا عمل عملاً قبيحاً، تكدّرت نفسه وتسافلت. وكتمان السرّ يُغذّي صفّة الإيمان ويزيدها، كما عن الإمام الرضا عليه السلام: "لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنَّة من ربّه، وسنَّة من نبيّه، وسنَّة من وليّه، فالسنَّة من ربّه كتمان سرّه، قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ (الجن: 26-27)..."(1).

2- الخير: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "جمع خير الدنيا والآخرة في كتمان السر ومصادقة الأخيار، وجمع الشرّ في الإذاعة ومواخاة الأشرار"(2).

3- الاختيار: "من كتم سرّه كانت الخيرة بيده"(3)، كما عن الإمام الصادق عليه السلام. والخيرة هي الاختيار الذي كرّم الله تعالى به الإنسان. فمن حفظ سرّه وخططه ومشاريعه كان مطمئناً من تدخل الآخرين فيها أو إفشالها. فإن كشفها، خرجت القدرة من يده على التحكّم بالسرّ وبمشاريعه؛ فالصديق يشيعه، والعدوّ يستغله لهزيمته أو القضاء عليه؛ فيسلب الاختيار والتحكّم بالأمور.

4- الظفر والنصر: فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار"(4). فإذا تدبّر الإنسان وجال بين الآراء اتّخذ الرأي السديد، فإن كتمه عن أعدائه، حقّق النصر والظفر والنجاح.

5- العزّ: العزّ هو السؤدد والمكانة والهيبة عند الناس الملازمة للحكم والسيادة عليهم. فما دام الإنسان كاتماً لأسراره بقي مهاباً فارضاً مكانته واحترامه وسلطته، ومنتصراً على عدوّه، يفاجئه ويتحكّم به. فقد روي أنّه كان عند الإمام الصادق عليه السلام أُناس، فتذاكروا الإذاعة، فقال عليه السلام: "احفظ لسانك تعزّ، ولا تمكِّن الناس من قياد رقبتك فتذلّ"(5). فإنّ النصر إذا تحقّق عزّ الإنسان وساد، ولا يتحقّق النصر إلّا بكتمان الأسرار عن الأصدقاء والأعداء، كما مرّ.

6- السرور: السعادة والسرور هما أمل كلّ إنسان. ولكنّ المانع الأكبر من تحقيق هذا الأمل هو كشف الأسرار. فالإنسان في الدنيا لديه أعداء ومبغضون وحسّاد يسعون لتنغيص عيشه، ومن أجل أن لا يمكنهم من ذلك يجب عليه كتمان أسراره؛ عن الإمام الصادق عليه السلام: "سرّك سرورك إن كتمته، وإن أذعته كان ثبورك"(6).

* ثانياً: آثار إفشاء السر
1- الأسر: "سرّك أسيرك، فإن أفشيته، صرت أسيره"(7)، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام. فإنّ السرّ إذا بقي مستوراً عن الغير يكون الاختيار والسيطرة عليه بيد الإنسان، أمّا إذا أفشاه، فإنّه سيكون أسير السرّ وأسير أعدائه.
2- الفشل: عن الإمام الجواد عليه السلام: "إظهار الشيء قبل أن يستحكم مفسدة له"(8)؛ لأنّ الإنسان إذا كشف خططه قبل الوصول إلى هدفه، فعرفها غرماؤه وأعداؤه سبقوه وسدّوا الطريق عليه، وبالتالي لا يحصد سوى الفشل.
3- عدم الأمن: عن الصادق عليه السلام: "لا حرز لمن لا يسع سرّه صدره"(9)؛ لأنّه مكشوف. أمّا عدوه والمنافسون له، فيعرفون خططه وتحرّكاته وخطواته، لذا يبقى خائفاً منهم، غير مطمئن، لا يقرّ له رأي ولا قرار.
4- قتل القادة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطأ ولكن قتلنا قتل عمد"(10).
5- السقوط: عن الإمام الصادق عليه السلام: "إفشاء السرّ سقوط"(12). ولا سقوط أكبر من كون الإنسان أسيراً بيد أعدائه، خائفاً منهم. وكذلك يوجد سقوط على الصعيد الاجتماعيّ، عندما يسيطر الأعداء ويفرضون سلطتهم وفكرهم وعقيدتهم وفسادهم على المجتمع، يسقط.
6- سلب الإيمان: عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "مَن أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان"(13)، وعنه عليه السلام: "من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا"(14).
7- الخروج من ولاية الله: ففي المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروته ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله عزّ وجلّ من ولايته إلى ولاية الشيطان"(15). فمن خان أخاه المؤمن خان ولاية الله وقطعها.
8- الفضيحة: عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين ولا تتبّعوا عوراتهم، فإنّه من تتبّع عوراتهم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته"(16).
9- السجن والضرب بالحديد: فعن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "من استفتح نهاره بإذاعة سرِّنا سلّط الله عليه حرَّ الحديد وضيق المحابس"(17)؛ أي يُبتلى بضرب بالحديد فيُقتل أو يُعذَّب أو يُقيَّد به ويُحبس.

* كُن عاقلاً
بعد كلّ ما ذكر، يكون من العقل والرأي السديد والصحيح والمرضي من الله -سبحانه- وأوليائه عليهم السلام أن يبتعد الإنسان عن الآثار السيّئة بكتمان سرّه؛ وإذ به يسعى لتحقيق الأهداف والنتائج الحسنة والإلهيّة.


1- الخصال، الصدوق، ج 1، ص 41.
2- الاختصاص، الشيخ المفيد، ص 218.
3- بحار الأنوار، المجلسي، ج 74، ص 186.
4- نهج البلاغة، الحكمة 48.
5- الكافي، الكليني، ج2، ص113.
6- ميزان الحكمة، الريشهري، ج 2، ص 1282.
7- (م.ن)، ح1784.
8- بحار الأنوار، (م.س)، ج72، ص70.
9- ميزان الحكمة، (م.س)، ج 2، ص 1282.
10- (م.ن)، ج 2، ص 2668.
11- مستدرك الوسائل، النوري، ج 12، ص 290.
12- (م.ن)، ج75، ص315.
13- الكافي، (م.س)، ج 2، ص 370.
14- موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، هادي النجفي، ج11، ص75.
15- ميزان الحكمة، (م.س)، ج 3، ص 2331.
16- الكافي، (م.س)، ج2، ص354.
17- (م.ن)، ص 372.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع