قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

احذر عدوك: أين تضع سرك؟




قال الله -عزّ وجلّ-:
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التحريم: 3).
الإنسان موجود اجتماعيّ، ولا يعيش بمفرده، وهو يتفاعل مع الآخرين بعلاقات وأنماط مختلفة، فيتحدّث معهم ويبادلهم مكنونات نفسه، لكن قد ينقل إلى الآخرين ممّا يسرّه في نفسه، ما لا ينبغي أن ينقله لمصالح ومفاسد مختلفة. وهذا ما يُسمّى بـ"السرّ"... لذلك نسأل أنفسنا: إذا أردنا أن نبوح بما عندنا فلمن نبوح؟ وأين نضع أسرارنا؟


* القاعدة الأولى: انفرد بسرّك
يجيب عن هذا السؤال الإمام عليّ عليه السلام بقوله في ما روي عنه: "انفرد بسرّك ولا تودعه حازماً فيزلّ، ولا جاهلاً فيخون"(1)، مبيّناً القاعدة الأوليّة في كلِّ سرٍّ بأن يبقى في الصدر.
قد يظنّ بعض الناس أنّ وجود صفة الحزم والقوّة في الشخصيّة عند شخص ما يُبيح كشف الأسرار له، وهذا من الأخطاء؛ لأنّ لكلّ جواد كبوة؛ فقد يزلّ ويخطئ. وقد يرى بعض آخر أنّه إذا كان الشخص الآخر بسيطاً، فلا مانع من الكلام أمامه؛ لكنّ البسيط عندما يسمع الكلام قد يحفظه، ثمّ يُحدِّث به دون إدراك لعواقبه؛ لأنّ "أربعة يذهبْنَ ضياعاً: مودّة تمنحها مَن لا وفاء له، ومعروف عند مَن لا يُشكر له، وعلم عند مَن لا استماع له، وسرّ تودعه عند من لا حصافة(2) له"(3).

* القاعدة الثانية: ما جاوز اثنين فشا
عندما تخبر أحداً بسرّك تكون قد كشفته، ولكنّه قد يبقى سرّاً بينكما، لكنّك إذا أخبرت أنت أو هو شخصاً ثالثاً، يكون حديثك قد تجاوز شخصين، "وكلّ حديث جاوز اثنين فشا..."(4) وشاع وانتشر ولم يعد سرّاً؛ لأنّ لكلّ حبيب حبيباً وأميناً، فيصير السرّ حديث الأحبّة؛ ويكثُر ناقلوه؛ و"كلما كثُر خزّان الأسرار، كثُر ضياعها"(5).
بناءً عليه، لا تكشف سرّك لأحد حتّى لصديقك. فالغاية من الصداقة المودَّة والتعاون، وليس عنوانها كشف الأسرار. لذلك، يُبيِّن أمير المؤمنين عليه السلام في المرويّ عنه طريقة في التعامل مع الصديق فيقول: "ابذل لصديقك كلّ المودة ولا تبذل له كلّ الطمأنينة"(6)؛ لأنّه قد يكون عدوّاً متستّراً بالصداقة أو قد يصير عدوّاً. من هنا، "لا تُطلع صديقك عن سرّك إلّا على ما لو أطلعت عليه عدوّك لم يضرّك، فإنّ الصديق قد يكون عدوّاً يوماً ما"(7).

* القاعدة الثالثة: ثلاث لا يُستودعنّ سرّاً
كذلك الأمر بالنسبة إلى كل الأحبّاء والأصدقاء والأخلّاء كالزوجة والابن؛ لأنّهم قد يصيرون أعداء، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (التغابن: 14-15)، وكما عن أمير المؤمنين عليه السلام: "لا تطلع زوجك وعبدك على سرّك فيسترقّانك"(8). وعنه عليه السلام: "ثلاث لا يُستودعن سرّاً: المرأة والنمّام والأحمق"(9)، المرأة لعاطفتها، والنمّام لفسقه، والأحمق لسفهه.

فإن كان لا بدّ من كشف السرّ لأحد، فليكن ذا ثقة مؤمناً أميناً كريماً مُجرَّباً لم يُعرف عنه كشف سرّه أو أسرار الناس؛ لأنّ: "من ضعف عن حفظ سرّه لم يقوَ لسرِّ غيره"(10)، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في المرويّ عنه. لذلك، أوصى عليه السلام قائلاً: "لا تودع سرّك إلّا عند كلّ ثقة"(11)، و"احفظ لسانك تعزّ، ولا تمكّن الناس من قياد رقبتك فتذلَّ، وإنْ كنت فاعلاً فعليك بصديق قد جرّبته مراراً وعلمت حفظ لسانه سرّاً وجهاراً"(12)؛ لأنّ من لم يحفظ لسانه ذلَّ، وأمكن الناس من الإمساك برقبته والتحكّم به. والثقة والمؤمن الوفيّ والأمين والكريم.. هؤلاء لا يمكن معرفتهم بدون تجربة واختبار، و"الطمأنينة إلى كلِّ أحد قبل الاختبار عجز"(13).
إذا سعى بعضهم لمعرفة أسرارك مدّعياً حبّك، فلا تنخدع، وتضعفك عاطفتك؛ لأنّه محبٌّ لسرّك وليس لك، فالمحبّ ينهاك عن كشف الأسرار، ولا يحثّك على إفشائها.

* أسباب كشف السرّ
هناك أسباب تُبيح كشف السرّ، وقد توجبه، وأسباب أخرى يحرُم كشف السرّ بسببها:
أ- متى يجوز كشف السر؟
1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: في بعض الحالات قد يجب كشف سرّ الشخص أمام الآخرين فيما إذا كان المنكر الذي يفعله خطراً جدّاً كالقتل مثلاً.
2- حفظ الحقوق: تجب الوصيّة بحقوق الناس والأمانات المودعة عند المرء ونحو ذلك إلى مَن يأمن أنّه يوصلها إلى أهلها.
3- الشهادة: إذا طُلِبَ الإنسان للشهادة في أمر وجب عليه أداؤها، ويحرم عليه الامتناع مع توقّف ثبوت حقّ عليها.
4- الاستشارة: يجوز، في المشورة للزواج، بيان طباع ودين الخاطب حتّى وإنْ كانت سيّئة، وكذلك في المشورة لمنصب ما. طبعاً بالمقدار الذي يتحقّق به المطلوب، لا أزيد.
5- فضح الخائن: يجب إيصال المعلومات عن الأشخاص الذين يعملون لصالح العدوّ إلى الجهات المعنيّة.
6- الاختصاص: عند حاجة المجتمع إلى معلومات علميّة، يجب على مَن يعلمها تزويد المختصّين المعنيّين بها، فيما إذا توقّف عليها مصالح لا يمكن الغضّ عنها أو درء مفاسد كذلك.
7- الإفساد: إذا كان هناك من يريد الإفساد في المجتمع الإسلاميّ، فيجب كشفه للجهات المعنيّة، فيما إذا توقف دفعه عن الفساد على ذلك.

ب- متى يحرُم كشف السرّ؟
1- الغيبة: وهي من الكبائر، وهي ذكر المؤمن بما يكره، وهي تكون في ما يخفيه ولا يتجاهر به.
2- النميمة: وهي نقل ذمّ من شخص إلى المقصود به، وهي أعظم من الغيبة؛ لأنّها غيبة وفتنة بين المؤمنين وهي أعظم من القتل.
3- إشاعة الفحشاء: وهي تصدُق على كلّ حديث في الفحشاء.
4- تتبّع العثرات: بأن يبحث عن أخطاء ومعاصي أخيه المؤمن ليعيّره بها ويكشفها.
5- البهتان: الكلام بمساوئ يدّعيها لدى المؤمن وهي غير صحيحة.
6- الرياء والعجب.
7- التعامل مع العدوّ: نقل أسرار المؤمنين إلى عدوّهم.
8- الخيانة والغدر: الأسرار أمانة وخيانتها كشفها.
9- العداوة: يقوم بعض الناس بسبب عداوته بكشف الأسرار الخاصّة، وهذا عمل محرَّم.
10- تبرير المفاسد: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ذوو العيوب يحبّون إشاعة معائب الناس ليتّسع لهم العذر في معايبهم"(14).

بناءً على ما مرَّ، يجب علينا الانتباه إلى ألسنتنا وكلامنا؛ وأن نلتزم بالتقوى اللسانيّة والقلبيّة، لنحفظ أسرارنا الخاصّة وغيرها، خصوصاً في الظروف التي يتربَّص فيها الأعداء بنا، وينتظرون منّا الوقوع في الأخطاء، وعلى رأسها كشف الأسرار.


1- عيون الحكم والمواعظ، الليثي الواسطي، ص75.
2- حصُفَ ككَرُمَ استحكم عقله فهو حصيف وحفيظ. وفي بعض النسخ: من لا حفاظ له.
3- الخصال، الصدوق، ج1، ص126.
4- أمالي الصدوق، ص182.
5- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج20، ص255، عن أمير المؤمنين عليه السلام.
6- بحار الأنوار، المجلسي، ج71، ص165.
7- الأمالي، (م.س)، ص767، عن الإمام الصادق عليه السلام.
8- عيون الحكم والمواعظ، (م.س)، ص521.
9- (م.ن)، ص212.
10- ميزان الحكمة، الريشهري، ج2، ص1282.
11- بحار الأنوار، (م.س)، ج74، ص234.
12- شرح أصول الكافي، المازندراني، ج1، ص258.
13- نهج البلاغة، الحكمة 384 من حكم أمير المؤمنين عليه السلام.
14- موسوعة أحاديث أهل البيت عليهم السلام، الشيخ هادي النجفي، ج7، ص390.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع